نماذج المناخ تتجاهل حلقات تغذية راجعة خطيرة قد تسرّع الاحترار العالمي

يحذّر باحثون من أن نماذج المناخ الرسمية لا تأخذ في الحسبان بالكامل تأثير حلقات التغذية الراجعة الناتجة عن الصقيع الذائب وحرائق الغابات، التي قد تضيف ما يصل إلى 0.4 درجة مئوية من الاحترار الإضافي هذا القرن.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٣١ أكتوبر ٢٠٢٦
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
صورة تعبر عن الصقيع الذائب وحرائق الغابات وتأثيرهما على نماذج المناخ

حذّرت دراسات علمية حديثة، استعرضها الصحفي جيمس تمبل في النشرة الأسبوعية المتخصصة بالمناخ التابعة لمجلة إم آي تي تكنولوجي ريفيو بتاريخ 29 أكتوبر 2026، من أن تغيّر المناخ أصبح يغذّي نفسه بصورة متزايدة من خلال ما يُعرف بـ"حلقات التغذية الراجعة" المرتبطة بالاحترار، وهي ظاهرة لا تنعكس بالكامل في "نماذج المناخ" الرسمية ولا في أهداف خفض الانبعاثات المعتمدة حالياً على المستوى الدولي، مما يترك ثغرة كبيرة في فهم مدى وسرعة الاحترار المحتمل خلال هذا القرن.

وأشارت دراسة نُشرت في سبتمبر 2026 بمجلة "Environmental Research Letters"، جمّعت نتائج أبحاث سابقة متفرقة، إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان الناتجة عن ذوبان "الصقيع الدائم"، وتصاعد حرائق الغابات، وارتفاع حرارة البحيرات والسدود، إلى جانب الأراضي الرطبة الأكثر دفئاً ورطوبة، قد تضيف مجتمعة ما بين 0.2 و0.4 درجة مئوية من الاحترار الإضافي بحلول نهاية هذا القرن. ويأتي هذا الاحترار الإضافي فوق التقدير الحالي البالغ نحو 2.6 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي، المتوقع بحلول عام 2100 وفق النماذج المعتمدة من الباحثين. وحذّر الباحثون من أن هذه الحرارة الإضافية قد تجلب موجات حر تمتد لأشهر في مدن عديدة، وتعرّض مئات الملايين من البشر لخطر الفيضانات.

وتكمن المشكلة الجوهرية، بحسب الدراسة، في أن أياً من النماذج المعتمدة في تقارير الأمم المتحدة الرئيسية بشأن المناخ لا يأخذ في الحسبان جميع هذه حلقات التغذية الراجعة، بل إن كثيراً من هذه النماذج لا يتضمن أياً منها على الإطلاق، مما يعني أن التقديرات الرسمية الحالية قد تكون متحفظة أكثر من اللازم بشأن سرعة الاحترار المتوقعة.

وفي دراسة أخرى نُشرت في مارس 2026 بمجلة "One Earth"، قاد الباحث سام أبرنثي، من مؤسسة "سبارك كلايمت سوليوشنز" غير الربحية ومقرها سان فرانسيسكو، فريقاً بحثياً درس ثلاثة مصادر إقليمية محددة لحلقات التغذية الراجعة، وهي ذوبان الصقيع الدائم، وحرائق الغابات الشمالية، وارتفاع حرارة الأراضي الرطبة المدارية. وتوصل الفريق إلى أن هذه المصادر الثلاثة وحدها قد تقلّص الفترة اللازمة لتجاوز العالم عتبتي 1.5 و2 درجة مئوية بصورة مستمرة بنسبة تصل إلى 25 في المئة، مما يعني أن العالم قد يكون أبعد عن تحقيق أهدافه المناخية مما يُعتقد على نطاق واسع حالياً.

وفي ضوء هذه النتائج، دعا الباحثون إلى ضرورة تحديث نماذج المناخ وتقارير الأمم المتحدة لتعكس هذه حلقات التغذية الراجعة بصورة أدق، إلى جانب تعزيز التزامات خفض الانبعاثات على أساس هذا الفهم الأوسع لمخاطر الاحترار. وفي هذا السياق، أطلقت مؤسسة "سبارك" مشروعاً دولياً لمقارنة النماذج أُطلق عليه اسم "مشروع مقارنة نماذج انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بالاحترار"، تشارك فيه أكثر من 20 فرقة بحثية دولية تطبّق نفس التحليلات على نماذج مختلفة، ويأمل القائمون عليه أن تُدمَج نتائجه ضمن التقييم الرئيسي المقبل للأمم المتحدة بشأن المناخ المتوقع صدوره في عام 2029.

وعلى صعيد موازٍ، بدأت بعض الجهات البحثية والمنظمات في استكشاف إجراءات مبكرة للحد من هذه حلقات التغذية الراجعة، من بينها مركز "وودويل" لأبحاث المناخ في ولاية ماساتشوستس، الذي يبحث سبل منع الحرائق واكتشافها وإخمادها بسرعة لحماية الصقيع الدائم الغني بالكربون، إضافة إلى مبادرة "الابتكار المناخي" التابعة لصندوق الدفاع البيئي، التي دعمت أبحاثاً مخبرية لإضافة مركبات الكبريتات أو الحديد وغيرها من المواد إلى الأراضي الرطبة للحد من انبعاثات الميثان المتزايدة فيها. وتدرس بعض الشركات الناشئة أيضاً أفكاراً أكثر جرأة، من قبيل كبت البرق الذي يتسبب بإشعال حرائق في المناطق الشمالية المرتفعة، أو تغطية الصقيع الدائم بحصائر صناعية، أو استخدام طائرات مسيّرة ذاتية التحكم لمكافحة الحرائق في مراحلها المبكرة، رغم أن الباحثين يؤكدون أن هذه المقاربات لا تزال في أولى مراحل تقييم مدى فعاليتها الفعلية في خفض الانبعاثات.

وتمسّ هذه الثغرة في نماذج المناخ المنطقةَ العربية بصورة مباشرة، إذ تواجه دول الخليج والمشرق العربي وشمال أفريقيا أصلاً درجات حرارة تتجاوز الأربعين درجة مئوية في أشهر الصيف، وتسعى الإمارات والسعودية إلى تنفيذ تعهداتهما المناخية ضمن مبادرة "الشرق الأوسط الأخضر". ويزيد الاحترار الإضافي الذي كشفته هذه الدراسات من الضغط على إمدادات المياه وقطاع الزراعة في مصر والمغرب والعراق، مما يجعل تحديث نماذج المناخ مسألةً استراتيجية لا أكاديمية بحتة بالنسبة للمنطقة العربية.

ويخلص التقرير إلى أن الاحترار العالمي يتقدم بوتيرة سريعة، وأن الدول لم تخفّض انبعاثات الوقود الأحفوري بالقدر الكافي، وأن الانبعاثات الناتجة عن حلقات التغذية الراجعة قد تستمر حتى لو أوقف البشر انبعاثاتهم المباشرة تماماً، مؤكداً أن "الطريق الأضمن" للحد من هذه التأثيرات يبقى هو "التخلص من إدمان المجتمع على الوقود الأحفوري".

المصدر الأصلي
MIT Technology Review
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من بيئة

تصور فني لكون مصغر متوهج يرمز إلى تجربة الذرات شديدة البرودة

فيزيائيون يصنعون كوناً مصغّراً في المختبر ويرصدون نشوء الزمن من دون ساعة

بنى فيزيائي بريطاني نظاماً من آلاف الذرات شديدة البرودة يتمدد وينكمش كنموذج مصغر للكون، وأظهرت التجربة أن الزمن يمكن أن ينشأ من التغيرات الداخلية للنظام نفسه دون الحاجة إلى ساعة خارجية.

ScienceDaily / University of Birmingham
رسم توضيحي لشبكة من النقاط والخطوط يرمز إلى البيانات الرياضية وتحليل الشبكات

باحث هندي يتجاوز قيداً حسابياً صمد في علوم الحاسوب منذ عام 1996

طوّر باحث في معهد آي آي تي غاندي نغار الهندي خوارزمية جديدة توسّع نطاق تقدير أقصر المسارات بين النقاط القريبة في الشبكات الكبيرة، متجاوزاً قيداً نظرياً صمد قرابة ثلاثين عاماً.

ScienceDaily / IIT Gandhinagar
جبال جليدية تتكسّر من نهر ثويتس الجليدي في غرب أنتاركتيكا

نموذج جديد يرجّح أن نهر "ثويتس" الجليدي يضاعف مساهمته في ارتفاع البحار

نموذج حاسوبي أمريكي يظهر أن نهر ثويتس الجليدي في أنتاركتيكا الغربية قد يرفع مستوى البحار بمقدار يفوق التقديرات السابقة بمرتين بحلول عام 2100.

ScienceDaily
رسم توضيحي لمعادلات أينشتاين وعلم الكونيات

رياضيون: معادلات أينشتاين قد تفسّر تسارع الكون دون طاقة مظلمة

فريق من جامعة كاليفورنيا ديفيس يقترح أن عدم استقرار رياضي في النموذج الكوني القياسي قد يفسّر تسارع تمدد الكون دون الحاجة إلى فرضية الطاقة المظلمة.

ScienceDaily
رسم توضيحي لتجربة الليزر وتوليد الأشعة السينية فائقة الطاقة من ذرة الهيليوم

علماء يكسرون قاعدة تقليدية في الفيزياء بإنتاج أشعة سينية فائقة الطاقة

فريق بحثي في فيينا وكاليفورنيا يُظهر أن تعاون إلكترونين داخل ذرة الهيليوم يمكن أن يتجاوز الحد النظري المعروف لطاقة الأشعة السينية الناتجة عن الليزر.

ScienceDaily
رسم توضيحي للصدمة الأمامية لكوكب المشتري حيث تصطدم الرياح الشمسية بغلافه المغناطيسي

مسبار جونو يكتشف أن درع المشتري المغناطيسي أعقد بكثير من درع الأرض

بيّنت بيانات مسبار ناسا جونو أن تصدي كوكب المشتري للرياح الشمسية يعتمد على موجات بلازمية متعددة التردد وصدمات صغرى، بخلاف آلية الأرض الأبسط.

ScienceDaily