علماء يكسرون قاعدة تقليدية في الفيزياء بإنتاج أشعة سينية فائقة الطاقة
فريق بحثي في فيينا وكاليفورنيا يُظهر أن تعاون إلكترونين داخل ذرة الهيليوم يمكن أن يتجاوز الحد النظري المعروف لطاقة الأشعة السينية الناتجة عن الليزر.

كشف فريق بحثي من جامعة فيينا للتكنولوجيا (TU Wien) في النمسا، بالتعاون مع جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، عن ظاهرة فيزيائية جديدة تتجاوز حد الطاقة الأقصى المعروف منذ عقود لعملية توليد التوافقيات العليا، وهي الآلية التي يعتمد عليها إنتاج نبضات ضوئية فائقة القصر تُستخدم في دراسة حركة الإلكترونات داخل الذرة. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Photonics، وقادها الباحثان تينيو بوبمينتشيف وديميتار بوبمينتشيف من معهد الفوتونيات في الجامعة النمساوية.
تقوم فكرة توليد التوافقيات العليا على توجيه نبضة ليزر شديدة الطاقة نحو غاز من الذرات، حيث تنتزع النبضة إلكتروناً من الذرة، ثم تعيده إليها بسرعة هائلة، فيصدر عند اصطدامه بالنواة فوتوناً عالي الطاقة ينتمي إلى نطاق الأشعة فوق البنفسجية القصوى أو الأشعة السينية. ووفق النموذج النظري التقليدي الذي وضعه العلماء منذ تسعينيات القرن الماضي، وبُني عليه جزء كبير من إنجازات الحائز على جائزة نوبل فيرينتس كراوس في فيزياء الآتوثانية، فإن طاقة الفوتون الناتج محكومة بحد أقصى صارم يحدده إلكترون واحد يتحرك بمفرده.
في التجربة الجديدة، وجّه الباحثون نبضات ليزر فوق بنفسجية مكثفة نحو ذرات غاز الهيليوم، فرصدوا طيف إشعاع يتجاوز بوضوح الحد الأقصى المتوقع وفق النموذج التقليدي، إذ ظهر مستوى ثانٍ وأضعف من الإشعاع يمتد إلى طاقات أعلى بكثير مما تسمح به معادلات الإلكترون المنفرد. وبعد مقارنة النتائج مع تجارب مماثلة على غازي الأرغون والنيون، تبيّن أن هذا المستوى الإضافي من الإشعاع يظهر في الهيليوم فقط، ولا أثر له في الغازين الآخرين.
يفسر الباحثون هذا الفارق بأن ذرة الهيليوم، التي تحتوي على إلكترونين فقط يتميزان بترابط كمومي قوي بينهما، تسمح بانتزاع الإلكترونين معاً بدلاً من واحد فقط، ثم إعادتهما إلى الذرة في اللحظة نفسها تقريباً، فتتحد طاقتاهما وتصدران معاً في فوتون واحد أعلى طاقة من أي فوتون يمكن أن ينتج عن إلكترون منفرد. وقد وصف تينيو بوبمينتشيف الآلية بعبارة مبسطة قائلاً إن الليزر ينتزع إلكتروناً واحداً من الذرة، بينما أوضح ديميتار بوبمينتشيف أن طاقة الإلكترونين تتحرر معاً دفعة واحدة عند اصطدامهما بالذرة من جديد.
لا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على كسر قاعدة نظرية قديمة، فالفريق البحثي يرى أن الأشعة السينية الإضافية الناتجة عن هذا التعاون بين الإلكترونين يمكن أن تُستخدم كأداة استشعار دقيقة لرصد الترابط بين الإلكترونات على مقياس زمني يقدَّر بالآتوثانية، أي جزء من مليار بليون جزء من الثانية. وهذا النوع من القياس فائق الدقة قد يفتح نافذة جديدة لفهم التفاعلات الكمومية الدقيقة التي يصعب رصدها بالوسائل التقليدية.
ويعتقد الباحثون أن المبدأ الذي رصدوه في غاز الهيليوم البسيط قد يمتد مستقبلاً إلى أنظمة أكثر تعقيداً، كالجزيئات والمواد الصلبة، بما يشمل المواد النانوية. ولو تحقق ذلك، فقد يوفر الاكتشاف أدوات جديدة لدراسة الترابط الكمومي في مواد متقدمة ذات تطبيقات محتملة في الحوسبة الكمومية وتقنيات تخزين المعلومات، إضافة إلى تعميق الفهم النظري لفيزياء الإشعاع المتماسك الناتج عن تفاعل الليزر بالمادة.
وتمتد دلالات هذا الاكتشاف نحو العالم العربي في مجالين: أولهما التطبيقات الطبية، حيث تعتمد مستشفيات كبرى في الخليج والمشرق العربي على تقنيات الأشعة السينية لتشخيص السرطانات، وأي قفزة في دقة هذه الأشعة تنعكس مستقبلاً على جودة الرعاية الصحية في المنطقة. والثاني الحوسبة الكمومية، وهو قطاع تستثمر فيه الإمارات والسعودية بكثافة؛ إذ تسعى مبادرة "كوانتم يو إي" الإماراتية ومركز الحوسبة الكمومية في أرامكو السعودية إلى بناء قدرات كمومية متقدمة، وأدوات استشعار فائقة الدقة لدراسة الترابط الكمومي - كما رصد الفريق البحثي - ستُسهم في دفع هذه المساعي قُدُماً.
تبرز هذه النتيجة كذلك أهمية الاستمرار في اختبار النماذج النظرية الراسخة التي استقرت لعقود، فحتى الأطر العلمية التي بُنيت عليها أجيال من البحث والتطبيق في فيزياء الليزر والضوء يمكن أن تحمل استثناءات غير متوقعة عندما يُنظر إلى الترابط الكمومي الدقيق بين الجسيمات دون الذرية. ويخطط الفريق البحثي لمواصلة تجاربه على أنظمة ذرية وجزيئية أخرى لفهم مدى عمومية هذه الظاهرة، وتحديد الشروط الدقيقة التي تسمح بظهور هذا النوع من التعاون بين الإلكترونات.
المزيد من علوم

نموذج جديد يرجّح أن نهر "ثويتس" الجليدي يضاعف مساهمته في ارتفاع البحار
نموذج حاسوبي أمريكي يظهر أن نهر ثويتس الجليدي في أنتاركتيكا الغربية قد يرفع مستوى البحار بمقدار يفوق التقديرات السابقة بمرتين بحلول عام 2100.

رياضيون: معادلات أينشتاين قد تفسّر تسارع الكون دون طاقة مظلمة
فريق من جامعة كاليفورنيا ديفيس يقترح أن عدم استقرار رياضي في النموذج الكوني القياسي قد يفسّر تسارع تمدد الكون دون الحاجة إلى فرضية الطاقة المظلمة.

مسبار جونو يكتشف أن درع المشتري المغناطيسي أعقد بكثير من درع الأرض
بيّنت بيانات مسبار ناسا جونو أن تصدي كوكب المشتري للرياح الشمسية يعتمد على موجات بلازمية متعددة التردد وصدمات صغرى، بخلاف آلية الأرض الأبسط.

إشارة دماغية واحدة قد تفسر أعراضاً متفرقة لمرض الفُصام
باحثون في جامعة ماكغيل يكشفون أن ضعف نشاط كهربائي في نطاق بيتا الدماغي قد يربط بين اضطرابات الإدراك والحركة والكلام لدى مرضى الفُصام.

الأمم المتحدة تُقر بتجاوز حتمي لحاجز 1.5 درجة للاحترار العالمي وتطرح خطة للعودة
أقرّ برنامج الأمم المتحدة للبيئة للمرة الأولى بأن تجاوز حد 1.5 درجة مئوية للاحترار العالمي أصبح أمراً حتمياً، وطرح خطة لتقليص مدة هذا التجاوز وحجمه عبر خفض الانبعاثات وإزالة مئات غيغاطن من الكربون قبل نهاية القرن.

باحثون يرصدون نوماً شبيهاً بحركة العين السريعة عند العناكب الوثّابة
رصد باحثون من جامعة بون مرحلتي نوم عند العنكبوت الوثّاب الأسترالي Portia fimbriata، إحداهما شبيهة بنوم حركة العين السريعة لدى البشر، في دراسة نُشرت بمجلة PNAS تطرح تساؤلات حول إمكانية أن تحلم العناكب دون تأكيد ذلك.