باحثون يرصدون نوماً شبيهاً بحركة العين السريعة عند العناكب الوثّابة

رصد باحثون من جامعة بون مرحلتي نوم عند العنكبوت الوثّاب الأسترالي Portia fimbriata، إحداهما شبيهة بنوم حركة العين السريعة لدى البشر، في دراسة نُشرت بمجلة PNAS تطرح تساؤلات حول إمكانية أن تحلم العناكب دون تأكيد ذلك.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 4 دقائق
صورة مقرّبة لعنكبوت وثّاب من نوع Portia fimbriata أثناء فترة راحته

رصد فريق بحثي من جامعة بون الألمانية مرحلتين مختلفتين من النوم لدى العنكبوت الوثّاب الأسترالي Portia fimbriata، إحداهما تشبه في ملامحها نوم حركة العين السريعة المعروف عند البشر، وتتضمن حركة وارتعاشًا في بنى العين أثناء فترات الراحة الظاهرة. الدراسة، التي نُشرت في 27 أكتوبر 2026 في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية (PNAS)، لا تثبت أن العناكب تحلم، لكنها تفتح الباب أمام سؤال مثير: هل يمكن لكائن لا يملك دماغًا بالمعنى الذي نعرفه أن يعيش تجربة شبيهة بالحلم؟

أجرى الدراسة فريق من معهد البيولوجيا العضوية بجامعة بون، بمشاركة باحثين من مؤسسات أخرى، وضم كلًا من نادجا غايغر، ومكسيم كابيل، وفيليب روزنتريتر، وماري هيربرشتاين، وأرمين بال، وماسيمو دي أغرو، وباريت كلاين، ودانييلا روسلر. واختار الباحثون عنكبوت Portia fimbriata موضوعًا للدراسة لأنه عنكبوت صياد متخصص في اقتناص عناكب أخرى، ولا يتجاوز حجمه حجم عملة معدنية من فئة اليورو الواحد، وهو ما يجعله نموذجًا مثيرًا لفهم كيف تدير الكائنات الصغيرة أدمغتها البدائية نسبيًا أثناء الراحة. ويضيف الباحثون أن هذا النوع من العناكب الوثّابة يُعرف أصلًا بذكائه السلوكي النسبي بين مفصليات الأرجل، فهو يخطط لمسارات التقاطه لفرائسه قبل الانقضاض عليها، وهو سلوك يتطلب نوعًا من المعالجة البصرية الدقيقة، مما دفع الفريق إلى التساؤل عما إذا كانت هذه القدرات الإدراكية مرتبطة بشكل ما بجودة نومه.

لمراقبة سلوك العناكب، صمم الباحثون تجربة سجّلوا فيها كل عنكبوت على مدى أيام وليالٍ متعددة داخل أوعية بلاستيكية صغيرة قطرها نحو 12 سنتيمترًا، في ظروف إضاءة متفاوتة، باستخدام كاميرا الأشعة تحت الحمراء التي تتيح تصوير العناكب في الظلام دون التأثير على سلوكها الطبيعي. ولتمييز النوم الحقيقي عن مجرد الخمول أو السكون، استخدم الفريق محفزات صوتية لقياس سرعة استجابة العناكب لها، إذ تكون الاستجابة أبطأ أثناء النوم الفعلي. كما خضعت بعض العناكب لتجربة الحرمان من النوم، ثم قِيس ما إذا كانت تعاني بعد ذلك من ارتداد النوم، أي حاجة متزايدة للتعويض عنه، وهو ما يُعد دليلًا بيولوجيًا معتمدًا على أن ما يُرصد نوم حقيقي لا مجرد راحة عابرة. وقد استمرت فترات الرصد المتواصل عدة أيام متتالية لكل عنكبوت، بما سمح للفريق بتتبع تكرار المراحل المختلفة ضمن دورة الراحة الواحدة، وتمييزها عن حالات السكون العرضي التي قد تحدث لأسباب أخرى غير النوم.

وتوصل الفريق إلى أن عناكب Portia fimbriata تمرّ بمرحلتين مميزتين من النوم، إحداهما تشبه نوم حركة العين السريعة من حيث ظهور حركة العين والارتعاش العضلي في أثناء فترات الراحة. وبما أن بنية عين هذا العنكبوت لا تسمح بتحريك مقلة العين كما في الإنسان، فإن الباحثين لاحظوا الظاهرة من خلال حركة الأنابيب الشبكية الداخلية المرتبطة بالعين وارتعاش الزوائد والأرجل. ومع ذلك، شدّد الفريق على أن هذه العلامات السلوكية لا تكفي وحدها لإثبات أن العنكبوت يحلم، لأن الدراسة لم تتمكن من قياس النشاط الدماغي مباشرة، واعتمدت بالكامل على الرصد السلوكي الخارجي.

ويرى الباحثون أن اكتشاف مرحلة نوم سلوكية شبيهة بنوم حركة العين السريعة عند مفصليات الأرجل البعيدة تطوريًا عن الإنسان يطرح تساؤلات أعمق حول مدى قِدم هذه الظاهرة في شجرة الحياة، وحول ما إذا كانت بعض أشكال المعالجة الذهنية أثناء النوم، كالتي قد ترتبط بالإدراك وتثبيت الذكريات عند البشر، موجودة أيضًا بشكل أبسط عند كائنات بهذا الحجم الصغير. فالعناكب القافزة معروفة أصلًا برؤية حادة وسلوك صيد معقد نسبيًا، مما يجعلها مرشحة مثيرة للاهتمام لدراسة العلاقة بين النوم والإدراك. وتشير هذه النتائج أيضًا إلى أن النوم بمراحله المتعددة قد لا يكون حكرًا على الكائنات ذوات الأجهزة العصبية المعقدة، بل قد يكون سمة أعمق في تاريخ تطور الحياة على الأرض مما كان يُعتقد سابقًا.

يخطط الفريق البحثي لمتابعة العمل في اتجاهات عدة، منها مقارنة أنماط النوم بين أنواع مختلفة من العناكب، ودراسة الفرق بين سلوك النوم في المختبر وفي البيئة الطبيعية، وفحص العلاقة المحتملة بين جودة النوم والقدرات الإدراكية لدى هذه الكائنات. كما يعتزم الباحثون دراسة تأثير التغيّر المناخي والضوء الاصطناعي الليلي المتزايد في البيئات الحضرية على أنماط نوم مفصليات الأرجل، بالنظر إلى حساسية هذه الكائنات للتغيرات البيئية الدقيقة، وإلى أن تغير درجات الحرارة ومستويات الإضاءة الليلية قد يؤثران في أنظمتها الحيوية الداخلية بطرق لم تُفهم بعد بشكل كامل.

ورغم أن هذا البحث يبدو بعيداً عن اهتمامات العالم العربي للوهلة الأولى، إلا أنه يلتقي مع توجهات متنامية في مجال علوم الأعصاب والأحياء المقارنة في جامعات المنطقة؛ فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية وجامعات الإمارات ومصر تضم مختبرات بحثية في علم الأحياء السلوكي. ويزداد الاهتمام العلمي في المنطقة بفهم أنظمة النوم لدى الكائنات الحية، لا سيما أن البيئات الحارة والجافة في الخليج تؤثر بصورة خاصة في إيقاعات النوم البيولوجية لكثير من الكائنات، ومنها الحشرات والمفصليات ذات الأهمية الاقتصادية والبيئية.

وتبقى الخلاصة العلمية في هذه المرحلة محصورة في حدودها الدقيقة: لم يثبت أن العناكب تحلم، بل ثبت أن لديها ما يشبه سلوكيًا مرحلة نوم حركة العين السريعة، وهي ملاحظة كافية لإعادة النظر في فهمنا لتطور النوم عمومًا. فإذا كانت كائنات صغيرة كهذه، تفتقر إلى دماغ معقد كدماغ الإنسان، تعرض علامات شبيهة بهذه المرحلة من النوم، فقد يكون هذا السلوك أقدم وأكثر انتشارًا في عالم الحيوان مما كان يُفترض، وقد يتطلب إعادة تعريف ما نعنيه أساسًا بمصطلح الحلم نفسه.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصوّر فني للكوكب الخارجي TOI-561 b، وهو كوكب حمم بركانية يحيط به غلاف جوي كثيف يعكس ضوء نجمه القريب

جيمس ويب يكشف غلافاً جوياً عملاقاً يحمي كوكب حمم بركانية من نجمه

رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي غلافاً جوياً كثيفاً حول كوكب خارجي ملتهب يُدعى TOI-561 b، تُغطيه سحب سيليكات تعكس نحو 75% من ضوء نجمه كواقٍ شمسي عملاق وتنقل الحرارة إلى جانبه الليلي.

ScienceDaily
رسم توضيحي لكسوف شمسي كلي يظهر فيه قرص الشمس محجوباً بالقمر مع بروز الهالة الشمسية المحيطة به

كسوف شمسي عمره 2700 عام يكشف تفاصيل جديدة عن دوران الأرض

تصحيح فلكي لموقع عاصمة صينية قديمة يعيد تفسير كسوف كلي للشمس وقع عام 709 ق.م، ويقدّم أدلة دقيقة عن تغيّر سرعة دوران الأرض ونشاط الشمس في العصور القديمة.

ScienceDaily
شعارا شركتي OpenAI وAnthropic الرائدتين في مجال الذكاء الاصطناعي

مختبرات الذكاء الاصطناعي الحدّي تعلن دحض فرضية الزمن الأسي في علوم الحاسوب

أعلنت OpenAI وAnthropic أن نماذجهما ساعدت في دحض فرضية الزمن الأسي، افتراض قديم في نظرية التعقيد الحاسوبي، ما أثار نقاشاً واسعاً بين علماء الحاسوب حول تداعيات الاكتشاف.

TechCrunch
تصور حاسوبي لتوزيع المادة المظلمة وسرعة الغاز الكوني ضمن محاكاة لومينا للكون المبكر

محاكاة "لومينا": إعادة بناء أول ملياري سنة من عمر الكون

فريق من مركز هارفارد وسميثسونيان للفيزياء الفلكية يطلق محاكاة كونية ضخمة تعيد تمثيل تشكّل أولى المجرات والنجوم والثقوب السوداء بعد الانفجار العظيم.

ScienceDaily
كتل الجليد البحري في القطب الشمالي قرب سفالبارد في النرويج

دراسة: ذوبان الجليد البحري الشتوي في القطب الشمالي قد يفوق التوقعات بكثير

تكشف دراسة في كامبردج، بالاستناد إلى رسوبيات بحرية عمرها ستة آلاف عام، أن فقدان الجليد البحري الشتوي قد يتجاوز تقديرات النماذج المناخية الحالية بمليون كيلومتر مربع.

ScienceDaily
الدرع الحراري ثلاثي الأبعاد المصنوع من الألمنيوم والمطاط

درع حراري ثلاثي الأبعاد يخفي الأجسام عن كاميرات الأشعة تحت الحمراء

طوّر باحثون أمريكيون ودنماركيون أول درع حراري ثلاثي الأبعاد يعيد توجيه الحرارة حول الأجسام ليخفيها عن كاميرات التصوير الحراري من كل الاتجاهات.

ScienceDaily