كسوف شمسي عمره 2700 عام يكشف تفاصيل جديدة عن دوران الأرض

تصحيح فلكي لموقع عاصمة صينية قديمة يعيد تفسير كسوف كلي للشمس وقع عام 709 ق.م، ويقدّم أدلة دقيقة عن تغيّر سرعة دوران الأرض ونشاط الشمس في العصور القديمة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 4 دقائق
رسم توضيحي لكسوف شمسي كلي يظهر فيه قرص الشمس محجوباً بالقمر مع بروز الهالة الشمسية المحيطة به

توصل فريق بحثي ياباني-بريطاني إلى تصحيح علمي مهم في تفسير سجل فلكي صيني عمره نحو 2700 عام، بعد اكتشاف خطأ طفيف في تحديد موقع مدينة تشوفو، عاصمة إقليم لو القديم في الصين، أدى طويلاً إلى الاعتقاد بأن كسوف الشمس الكلي الذي رصده الصينيون في 17 يوليو من عام 709 قبل الميلاد لم يكن يمكن رؤيته من تلك المدينة أصلاً. وبتصحيح هذا الخطأ، الذي لم يتجاوز ثمانية كيلومترات فقط، أثبت الباحثون أن الحدث كان مرئياً بالفعل، وفتحوا الباب لاستخلاص معطيات دقيقة عن سرعة دوران الأرض ونشاط الشمس في تلك الحقبة البعيدة من التاريخ.

يعود الحدث إلى سجل مدوّن في وثيقة صينية قديمة تُعرف باسم حوليات الربيع والخريف، التي جُمعت بعد الكسوف بما يتراوح بين مائتين وثلاثمائة عام. وكان علماء الفلك في البلاط الصيني القديم يرصدون الظواهر السماوية بدقة، ليس لأغراض علمية بحتة فحسب، بل لأنها كانت تُفسَّر غالباً على أنها نذر أو علامات ذات دلالة سياسية ودينية. هذا الحرص التاريخي على التوثيق هو ما مكّن الباحثين اليوم من إعادة بناء الحدث بدقة متناهية بعد آلاف السنين.

قاد الدراسة الباحث هيساشي هاياكاوا من جامعة ناغويا اليابانية، الذي أوضح أن تصحيح موقع تشوفو سمح للفريق بقياس دوران الأرض خلال الكسوف الكلي بدقة أكبر من أي وقت سابق. وبالاستناد إلى البيانات المصححة، قدّر الباحثون قيمة ما يُعرف فلكياً بدلتا تي، وهي مقياس يعبّر عن الفرق بين الزمن الفلكي النظري والزمن الفعلي الذي تستغرقه الأرض لإتمام دورانها، بما يتراوح بين 20264 و21204 ثانية لتلك الفترة. وتُستخدم هذه القيمة لتتبع كيف تغيّرت سرعة دوران الأرض ببطء عبر آلاف السنين، وهي معلومة أساسية لفهم العلاقة بين طول اليوم على الأرض والعمليات الفيزيائية الداخلية والخارجية التي تؤثر فيه على مدى العصور. وعلّق الباحث ميتسورو سوما من المرصد الفلكي الوطني الياباني بأن البيانات المصححة تُسهم في تدارك أخطاء في تحديد المواقع الجغرافية شابت دراسات سابقة لدوران الأرض.

ولم تتوقف أهمية السجل الصيني عند دوران الأرض فحسب، بل امتدت إلى تاريخ النشاط الشمسي. فقد لفت الباحثون إلى مقطع لاحق في وثيقة تاريخية صينية أخرى تُعرف باسم هان شو، يصف الشمس خلال تلك الفترة بأنها كانت صفراء تماماً من أعلى وأسفل، وهو وصف يعتقد الباحثون أنه قد يمثل إشارة مبكرة إلى الهالة الشمسية، الطبقة الخارجية المتوهجة التي تحيط بالشمس وتظهر بوضوح أثناء الكسوف الكلي. ومع ذلك، شدد الفريق على أن هذا التفسير يبقى غير مؤكد، لأن النص المذكور كُتب بعد الكسوف بنحو سبعة قرون كاملة.

وإذا صحّت هذه القراءة، فإنها تشير إلى أن الشمس كانت في طور العودة إلى نشاط منتظم بعد فترة طويلة من الهدوء المغناطيسي عُرفت باسم الحد الأدنى الشمسي الكبير النيو-أشوري، التي امتدت تقريباً بين عامي 808 و717 قبل الميلاد، وربما كانت في تلك اللحظة قريبة من ذروة دورتها الشمسية التي تتكرر كل نحو إحدى عشرة سنة. ويرى الباحث ماثيو أوينز من جامعة ريدينغ البريطانية أن مثل هذه السجلات التاريخية تمنح وسيلة مستقلة للتحقق من دقة نماذج النشاط الشمسي الحديثة، إذ تتقاطع مع إعادة بناء مستويات النشاط الشمسي القديمة المعتمدة على التأريخ بالكربون المشع في حلقات نمو الأشجار.

ويختصر الباحث منغ جين من مختبر لوكهيد مارتن للفيزياء الشمسية والفلكية أهمية هذا الاكتشاف بقوله إن بعض أسلافنا كانوا مراصدين بارعين للغاية للسماء، في إشارة إلى الدقة اللافتة التي دوّن بها الصينيون القدامى ذلك الحدث قبل آلاف السنين دون أي أدوات فلكية حديثة.

لا تبعد هذه القصة عن التراث العربي والإسلامي في علم الفلك؛ فقد كان علماء العرب والمسلمون في العصور الوسطى من أدق مراقبي السماء، كابن يونس المصري وابن الهيثم البصري اللذين سجّلا حسابات فلكية بالغة الدقة في مراصد القاهرة وبغداد. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام باحثين عرب لإعادة فحص السجلات الفلكية الإسلامية بحثاً عن بيانات تاريخية لم تُستثمر علمياً بعد، فضلاً عن أن وكالة الفضاء الإماراتية التي أثبتت حضورها في رصد الفضاء عبر مسبار المريخ قادرة على الإسهام في هذا النوع من الأبحاث المشتركة بين التاريخ والفيزياء الفلكية.

تكمن القيمة العلمية لهذه الدراسة، التي نُشرت في مجلة أبحاث الفيزياء الفلكية، في أنها تُظهر كيف يمكن للسجلات التاريخية المكتوبة أن تتحول إلى أداة علمية دقيقة حين تُدرس بعناية وتُصحَّح أخطاؤها الجغرافية والزمنية. فبفضل مراجعة بسيطة لموقع جغرافي يعود إلى أكثر من سبعة وعشرين قرناً، تمكّن الفريق البحثي من تقديم نقطة بيانات نادرة وموثوقة تساعد العلماء على رسم خريطة أدق لتطور دوران الأرض ونشاط الشمس معاً عبر التاريخ البشري المسجَّل. وتندرج هذه النتائج في سياق أوسع من الجهود العلمية الرامية إلى تتبع التغيرات البطيئة في طول اليوم الأرضي عبر آلاف السنين، بالاستفادة من سجلات فلكية قديمة من حضارات متعددة حول العالم، بما يمنح الباحثين فهماً أعمق لحركة الأرض وتفاعلها المستمر مع الشمس والقمر على نطاقات زمنية بعيدة الأمد.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

صورة مقرّبة لعنكبوت وثّاب من نوع Portia fimbriata أثناء فترة راحته

باحثون يرصدون نوماً شبيهاً بحركة العين السريعة عند العناكب الوثّابة

رصد باحثون من جامعة بون مرحلتي نوم عند العنكبوت الوثّاب الأسترالي Portia fimbriata، إحداهما شبيهة بنوم حركة العين السريعة لدى البشر، في دراسة نُشرت بمجلة PNAS تطرح تساؤلات حول إمكانية أن تحلم العناكب دون تأكيد ذلك.

ScienceDaily
تصوّر فني للكوكب الخارجي TOI-561 b، وهو كوكب حمم بركانية يحيط به غلاف جوي كثيف يعكس ضوء نجمه القريب

جيمس ويب يكشف غلافاً جوياً عملاقاً يحمي كوكب حمم بركانية من نجمه

رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي غلافاً جوياً كثيفاً حول كوكب خارجي ملتهب يُدعى TOI-561 b، تُغطيه سحب سيليكات تعكس نحو 75% من ضوء نجمه كواقٍ شمسي عملاق وتنقل الحرارة إلى جانبه الليلي.

ScienceDaily
شعارا شركتي OpenAI وAnthropic الرائدتين في مجال الذكاء الاصطناعي

مختبرات الذكاء الاصطناعي الحدّي تعلن دحض فرضية الزمن الأسي في علوم الحاسوب

أعلنت OpenAI وAnthropic أن نماذجهما ساعدت في دحض فرضية الزمن الأسي، افتراض قديم في نظرية التعقيد الحاسوبي، ما أثار نقاشاً واسعاً بين علماء الحاسوب حول تداعيات الاكتشاف.

TechCrunch
تصور حاسوبي لتوزيع المادة المظلمة وسرعة الغاز الكوني ضمن محاكاة لومينا للكون المبكر

محاكاة "لومينا": إعادة بناء أول ملياري سنة من عمر الكون

فريق من مركز هارفارد وسميثسونيان للفيزياء الفلكية يطلق محاكاة كونية ضخمة تعيد تمثيل تشكّل أولى المجرات والنجوم والثقوب السوداء بعد الانفجار العظيم.

ScienceDaily
كتل الجليد البحري في القطب الشمالي قرب سفالبارد في النرويج

دراسة: ذوبان الجليد البحري الشتوي في القطب الشمالي قد يفوق التوقعات بكثير

تكشف دراسة في كامبردج، بالاستناد إلى رسوبيات بحرية عمرها ستة آلاف عام، أن فقدان الجليد البحري الشتوي قد يتجاوز تقديرات النماذج المناخية الحالية بمليون كيلومتر مربع.

ScienceDaily
رقاقات ومعدات حوسبة للذكاء الاصطناعي التابعة لسبيس إكس

سبيس إكس تؤمّن 40 مليار دولار لشراء رقاقات الذكاء الاصطناعي عبر آبولو

أعلنت سبيس إكس عن اتفاقية تمويل بقيمة 40 مليار دولار مع آبولو لتأجير معدات حوسبة وذكاء اصطناعي، في أكبر صفقة من نوعها بعيداً عن أسواق الدين التقليدية.

TechCrunch