جيمس ويب يكشف غلافاً جوياً عملاقاً يحمي كوكب حمم بركانية من نجمه

رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي غلافاً جوياً كثيفاً حول كوكب خارجي ملتهب يُدعى TOI-561 b، تُغطيه سحب سيليكات تعكس نحو 75% من ضوء نجمه كواقٍ شمسي عملاق وتنقل الحرارة إلى جانبه الليلي.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 4 دقائق
تصوّر فني للكوكب الخارجي TOI-561 b، وهو كوكب حمم بركانية يحيط به غلاف جوي كثيف يعكس ضوء نجمه القريب

رصد فريق من علماء الفلك، باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي، غلافاً جوياً كثيفاً يُحيط بكوكب خارجي ملتهب يُعرف باسم TOI-561 b، يقع على مسافة نحو 280 سنة ضوئية من الأرض. ويُصنَّف هذا الكوكب الصخري ضمن فئة الأرض الفائقة، ويُغطي سطحه محيط من الصخر المنصهر بفعل قربه الشديد من نجمه، إلا أن الرصدات الجديدة أظهرت أنه يحتفظ بغلاف جوي رغم الحرارة الهائلة التي يتعرض لها، في مفاجأة تتحدى ما كانت النظريات الفلكية تتوقعه لكواكب من هذا النوع، التي يُفترض أن تكون جرداء تماماً من أي غلاف غازي.

قاد الدراسة فريق بحثي برئاسة البروفيسورة ليزا دانغ من جامعة واترلو في كندا، بمشاركة باحثين من جامعة برمنغهام البريطانية وجهات أخرى. واستخدم الباحثون مطياف نيرسبك المثبّت على تلسكوب جيمس ويب لرصد الكوكب عبر تقنية منحنى الطور، التي تقيس تغيّر سطوع الجسم الفلكي وحرارته على مدى دورانه الكامل حول نجمه. واستمرت عملية الرصد نحو 37 ساعة متواصلة، غطّت ما يقارب أربع دورات كاملة للكوكب حول نجمه، وهي مدة طويلة نسبياً تتيح رسم صورة دقيقة لتوزّع الحرارة بين جانبيه النهاري والليلي.

وجاءت النتيجة الأهم مثيرة للحيرة في البداية: فقد ظهر الجانب النهاري من الكوكب أبرد مما تتوقعه النماذج الفلكية لكوكب صخري داكن يدور بالقرب الشديد من نجمه بهذا الشكل. ولأن مثل هذه الكواكب تكون عادة مقفلة مديّاً، بحيث يواجه جانب واحد منها نجمه بثبات دائماً بينما يغرق الجانب الآخر في ظلام مستمر، كان من المتوقّع أن يسجّل جانبها النهاري حرارة قصوى تقترب من حرارة سطوح الكواكب العارية من أي غلاف جوي. الفارق بين الحرارة المتوقعة والحرارة المرصودة فعلاً دفع الباحثين إلى استنتاج وجود طبقة غازية تعيد توزيع الطاقة وتعكس جزءاً كبيراً من الإشعاع النجمي.

وبيّنت القياسات أن كوكب الحمم البركانية هذا يعكس نحو 75% من ضوء نجمه الساقط عليه، وهي نسبة انعكاس أو ألبيدو تقترب من تلك التي يسجلها كوكب الزهرة في مجموعتنا الشمسية، المعروف بغلافه السحابي الكثيف العاكس للضوء. ويرى الباحثون أن التفسير الأكثر ترجيحاً لهذه الانعكاسية العالية هو تشكّل سحب من السيليكات، أي جسيمات دقيقة من ثاني أكسيد السيليكون وسيليكات المغنيسيوم، تتكاثف فوق الجانب النهاري للكوكب. وتعمل هذه السحب بمثابة "واقٍ شمسي عملاق"، إذ تعكس جانباً كبيراً من الإشعاع النجمي الشديد قبل أن يصل إلى سطح الكوكب المنصهر، وهو ما يُفسّر جزئياً برودة الجانب النهاري النسبية مقارنة بالتوقعات.

ولا يقتصر دور الغلاف الجوي على الحماية من الإشعاع فحسب، بل يبدو أنه ينقل أيضاً كميات من الحرارة من الجانب النهاري الملتهب نحو الجانب الليلي المظلم، في عملية تُذكّر بما يحدث في الأجواء الكثيفة لكواكب أخرى. وهذا الانتقال الحراري يساعد على تخفيف وطأة الحرارة القصوى على الجانب المواجه للنجم، ويوزّع الطاقة بشكل أكثر توازناً على سطح الكوكب الملتهب.

ويطرح وجود هذا الغلاف الجوي أصلاً تساؤلاً علمياً عميقاً: كيف يمكن لكوكب قريب جداً من نجمه، ويتلقى كمّيات هائلة من الإشعاع القادر على تمزيق أي غلاف غازي خفيف، أن يحافظ على أجوائه؟ يرى الفريق البحثي أن الإجابة قد تكمن في محيط الصهارة الذي يغطي سطح الكوكب بالكامل؛ فهذا البحر من الصخر المنصهر يمكن أن يكون مصدراً مستمراً لتجديد الغلاف الجوي، عبر إطلاق غازات جديدة بالتبخّر المستمر، لتعويض ما يفقده الكوكب بفعل الإشعاع النجمي القوي.

ومع ذلك، لا يزال التركيب الكيميائي الدقيق لهذا الغلاف الجوي مجهولاً حتى الآن. ويضع الباحثون احتمالين رئيسيين: أن يكون الغلاف غنياً بثاني أكسيد الكربون على غرار كوكب الزهرة، أو أن يكون مكوّناً أساساً من ثاني أكسيد الكبريت كما هو الحال في الغلاف الجوي الرقيق لقمر المشتري البركاني آيو. ويخطط الفريق لإجراء رصدات إضافية بتلسكوب جيمس ويب عند أطوال موجية أطول، بهدف تحديد التركيب الفعلي لهذا الغلاف الغريب وحسم الجدل حول طبيعته.

وقالت البروفيسورة ليزا دانغ، التي قادت المشروع البحثي، إن فريقها "قاس كيف تغيّرت سطوعة الكوكب وحرارته طوال دورانه الكامل حول نجمه"، في إشارة إلى الدقة التي وفّرتها تقنية منحنى الطور لرصد هذه التغيرات على مدى ساعات طويلة من المراقبة المستمرة. من جانبها، وصفت الدكتورة أنجالي بييت، الأستاذة المساعدة في علم الفلك بجامعة برمنغهام والمشاركة في الدراسة، النتائج بأنها مفاجئة، قائلة إن اكتشاف الفريق "يتحدى النظريات الحالية" المتعلقة بقدرة الكواكب الصخرية الحارة جداً على الاحتفاظ بأغلفة جوية.

يحمل هذا الاكتشاف أهمية خاصة لبرامج الفضاء العربية الصاعدة؛ فمسبار المريخ الإماراتي رصد بدوره تفاصيل دقيقة في الغلاف الجوي المريخي، ويمثّل جسراً بين الطموح العربي والبحث الفلكي العالمي. كما تعمل وكالة الفضاء السعودية على تطوير كفاءات بحثية محلية في علوم الكواكب، فيما تنتظر المنطقة إطلاق برنامج استكشاف الكويكبات الإماراتي. وإن كشف تلسكوب جيمس ويب أن كوكباً صخرياً ملتهباً يحتفظ بغلافه الجوي خلافاً لكل التوقعات، فذلك يذكّر العلماء العرب بأن الكون يخبّئ دائماً مفاجآت تستحق الرصد والبحث، وأن مساهمتهم في هذا الميدان باتت ممكنة وضرورية.

نُشرت نتائج الدراسة في مجلة The Astronomical Journal العلمية المحكّمة، وتصدّر قائمة مؤلفيها الباحث صامويل بوشيه، بمشاركة 17 باحثاً آخر من عدة مؤسسات بحثية. وتفتح هذه النتائج نافذة جديدة لفهم كيمياء وفيزياء الكواكب الصخرية فائقة الحرارة القريبة من نجومها، وهي فئة واسعة الانتشار من الكواكب الخارجية التي اعتقد العلماء لفترة طويلة أنها عاجزة عن الاحتفاظ بأي أجواء غازية، قبل أن يأتي تلسكوب جيمس ويب الفضائي ليقلب هذا الافتراض رأساً على عقب.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

صورة مقرّبة لعنكبوت وثّاب من نوع Portia fimbriata أثناء فترة راحته

باحثون يرصدون نوماً شبيهاً بحركة العين السريعة عند العناكب الوثّابة

رصد باحثون من جامعة بون مرحلتي نوم عند العنكبوت الوثّاب الأسترالي Portia fimbriata، إحداهما شبيهة بنوم حركة العين السريعة لدى البشر، في دراسة نُشرت بمجلة PNAS تطرح تساؤلات حول إمكانية أن تحلم العناكب دون تأكيد ذلك.

ScienceDaily
رسم توضيحي لكسوف شمسي كلي يظهر فيه قرص الشمس محجوباً بالقمر مع بروز الهالة الشمسية المحيطة به

كسوف شمسي عمره 2700 عام يكشف تفاصيل جديدة عن دوران الأرض

تصحيح فلكي لموقع عاصمة صينية قديمة يعيد تفسير كسوف كلي للشمس وقع عام 709 ق.م، ويقدّم أدلة دقيقة عن تغيّر سرعة دوران الأرض ونشاط الشمس في العصور القديمة.

ScienceDaily
شعارا شركتي OpenAI وAnthropic الرائدتين في مجال الذكاء الاصطناعي

مختبرات الذكاء الاصطناعي الحدّي تعلن دحض فرضية الزمن الأسي في علوم الحاسوب

أعلنت OpenAI وAnthropic أن نماذجهما ساعدت في دحض فرضية الزمن الأسي، افتراض قديم في نظرية التعقيد الحاسوبي، ما أثار نقاشاً واسعاً بين علماء الحاسوب حول تداعيات الاكتشاف.

TechCrunch
تصور حاسوبي لتوزيع المادة المظلمة وسرعة الغاز الكوني ضمن محاكاة لومينا للكون المبكر

محاكاة "لومينا": إعادة بناء أول ملياري سنة من عمر الكون

فريق من مركز هارفارد وسميثسونيان للفيزياء الفلكية يطلق محاكاة كونية ضخمة تعيد تمثيل تشكّل أولى المجرات والنجوم والثقوب السوداء بعد الانفجار العظيم.

ScienceDaily
كتل الجليد البحري في القطب الشمالي قرب سفالبارد في النرويج

دراسة: ذوبان الجليد البحري الشتوي في القطب الشمالي قد يفوق التوقعات بكثير

تكشف دراسة في كامبردج، بالاستناد إلى رسوبيات بحرية عمرها ستة آلاف عام، أن فقدان الجليد البحري الشتوي قد يتجاوز تقديرات النماذج المناخية الحالية بمليون كيلومتر مربع.

ScienceDaily
رقاقات ومعدات حوسبة للذكاء الاصطناعي التابعة لسبيس إكس

سبيس إكس تؤمّن 40 مليار دولار لشراء رقاقات الذكاء الاصطناعي عبر آبولو

أعلنت سبيس إكس عن اتفاقية تمويل بقيمة 40 مليار دولار مع آبولو لتأجير معدات حوسبة وذكاء اصطناعي، في أكبر صفقة من نوعها بعيداً عن أسواق الدين التقليدية.

TechCrunch