الأمم المتحدة تُقر بتجاوز حتمي لحاجز 1.5 درجة للاحترار العالمي وتطرح خطة للعودة
أقرّ برنامج الأمم المتحدة للبيئة للمرة الأولى بأن تجاوز حد 1.5 درجة مئوية للاحترار العالمي أصبح أمراً حتمياً، وطرح خطة لتقليص مدة هذا التجاوز وحجمه عبر خفض الانبعاثات وإزالة مئات غيغاطن من الكربون قبل نهاية القرن.

أقرّ برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) للمرة الأولى بأن الحفاظ على الاحترار العالمي دون حاجز 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية لم يعد هدفاً قابلاً للتحقيق، في اعتراف رسمي بواقع كانت تشير إليه القياسات العلمية منذ سنوات. ونقل التقرير الجديد بؤرة التركيز من منع تجاوز هذا الحد إلى تقليص مدة هذا التجاوز وحجمه إلى أدنى مستوى ممكن.
وكانت جميع الدول تقريباً قد وافقت عام 2015، بموجب اتفاقية باريس للمناخ، على السعي للحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة. ومنذ ذلك الحين، تعاملت معظم الدول مع هذا الهدف بوصفه غاية طموحة لا أكثر، في حين انسحبت الولايات المتحدة، أحد أكبر مصدري الانبعاثات في العالم، من الاتفاقية مرتين. وفي الوقت نفسه، استمرت درجات الحرارة العالمية بالارتفاع تبعاً للمسار المتوقع من تراكم الانبعاثات الكربونية، حتى اقتربت عملياً من حاجز 1.5 درجة.
ويختلف تحديد ما إذا كان هذا الحاجز قد جرى تجاوزه فعلياً باختلاف خط الأساس المعتمد لقياس درجات الحرارة ما قبل الصناعة، ونوع السجلات المناخية المستخدمة. فبينما تعتمد الأمم المتحدة على متوسطات حرارية تُحسب على مدى عقود، وهو ما يعني أن الحاجز لم يُتجاوز رسمياً بعد، فإن ظاهرة النينيو القوية الحالية تجعل من المؤكد عملياً أننا تجاوزناه بالفعل بحسب أي من السجلات المتاحة.
ويقول التقرير بوضوح: "عقود من العمل المناخي غير الكافي جعلت من تجاوز حد 1.5 درجة أمراً لا مفر منه، وما إذا كان هذا التجاوز مؤقتاً يتوقف بشكل حاسم على القرارات التي تُتخذ اليوم". وبذلك، فإن تجاوز الهدف لا يعني بالضرورة أن تبقى درجات الحرارة العالمية فوق هذا الحد إلى الأبد.
وبحسب آلية اتفاقية باريس، كان يُفترض أن تضع الدول الموقعة أهدافاً لخفض الانبعاثات ثم ترفع مستوى طموحها تدريجياً كلما تطورت السياسات والتقنيات، على أن تُقيَّم وتيرة التقدم عبر عمليات "حصر جرد" دورية. لكن كثيراً من الدول لم تلتزم بما تعهدت به، إذ يوضح التقرير أنه "مع اقتراب عام 2030، لم تُواءم الدول مجتمعة سياساتها مع الأهداف المتفق عليها" حتى الآن.
ووفق التقدير الأممي، فإن السياسات القائمة حالياً ستؤدي إلى احترار يبلغ نحو 2.8 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة بنهاية القرن، بينما لن تخفض أهداف اتفاقية باريس الأكثر تشدداً هذا الرقم سوى بمقدار 0.2 درجة فقط. وحتى مع إدراج التعهدات الوطنية بالحياد الكربوني من خارج إطار الاتفاقية، سيظل الاحترار المتوقع عند 2.1 درجة فوق مستويات ما قبل الصناعة. والأسوأ أن الانبعاثات ظلت شبه ثابتة بين عامي 2024 و2025، بل ارتفعت الانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري تحديداً، وإن عوّضها جزئياً تحسن في إدارة استخدامات الأراضي.
ومع ذلك، يشدد التقرير على أن الأسوأ ليس حتمياً بالضرورة، محذراً من أن "كل جزء من درجة وكل عام إضافي من الاحترار فوق 1.5 درجة يرفع خطر تغييرات لا رجعة فيها تشمل الصفائح الجليدية والتربة الصقيعية والدورة المحيطية والنظم المرجانية، إلى جانب آثار بشرية مدمرة". ويخلص إلى أن المهمة الآن ليست فقط الحفاظ على الاحترار دون درجتين مئويتين، بل تقليص مدة وحجم التجاوز وبناء مسار موثوق للعودة إلى حد 1.5 درجة بنهاية القرن.
ويطرح التقرير سيناريو يمنح فرصة بنسبة 66 في المئة لحصر الاحترار عند حد أقصى قدره 1.8 درجة مئوية، مع فرصة متساوية لخفض درجات الحرارة مجدداً دون 1.5 درجة بنهاية القرن. ويتطلب هذا المسار إزالة 320 غيغاطناً من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي بنهاية القرن، وهي كمية تقارب ما يُنبعث عالمياً خلال نحو خمس سنوات بمعدلات الانبعاث الحالية، إلى جانب خفض استخدام الفحم لتوليد الكهرباء بنسبة 75 في المئة بحلول 2035 والتخلص التدريجي منه كلياً بحلول 2040، وخفض استخدامات النفط والغاز بنسبتي 30 و35 في المئة على التوالي بحلول 2040، بما يعني تراجع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عموماً بنسبة 70 في المئة بين الآن وعام 2040.
ويشكّل هذا التقرير منعطفاً بالغ الأثر على دول المنطقة العربية التي تصنّفها الأبحاث المناخية من بين أكثر مناطق العالم عرضةً لارتفاع درجات الحرارة، إذ يرتفع متوسطها فيها بمعدل يفوق المعدل العالمي ضعفين. وتواجه منطقة الخليج العربي تحديداً درجات حرارة قياسية تجاوزت 52 درجة مئوية في بعض المحطات عام 2026، في حين تهدد شُح المياه الدول غير النفطية كالأردن واليمن والمغرب. وتضطلع دول المنطقة بدور محوري في مسار الاستجابة المناخية؛ فقد احتضنت الإمارات مؤتمر COP28 عام 2023 وتضخ استثمارات في مشاريع طاقة شمسية ضخمة، فيما تسعى المملكة العربية السعودية إلى رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 50 في المئة بحلول 2030، وهي أهداف باتت في ضوء هذا التقرير مطلوبة بصورة أكثر إلحاحاً.
وتكشف المقارنة بين هذا المسار والتعهدات الحالية للدول عن فجوة انبعاثات كبيرة، إذ لن تخفض هذه التعهدات الانبعاثات بأكثر من 12 في المئة بحلول 2035، أي أنها ستترك العالم عند ذلك التاريخ منبعثاً لنحو 16 غيغاطناً إضافياً من ثاني أكسيد الكربون مقارنة بما يتطلبه مسار التجاوز الأدنى، في حين تضيق هذه الفجوة إلى خمس غيغاطن فقط إذا اقتصر الهدف على حصر الاحترار عند درجتين مئويتين. ويلاحظ التقرير أن استخدام الفحم يتراجع لكنه ليس بالسرعة الكافية، بينما يُتوقع أن يستمر استخدام النفط والغاز بالارتفاع لعقد أو أكثر قبل أن يبدأ بالتراجع، في حين تنمو الطاقتان الشمسية والريحية بوتيرة جيدة لكنها لا تكفي لمجاراة الطلب المتصاعد على الكهرباء كنسبة من مجمل مصادر التوليد. ويختم التقرير بالتأكيد على أن الحد من الأضرار الناجمة عن عدم تحقيق الأهداف المناخية لا يزال ممكناً، لكنه يتطلب جهوداً كبرى من دول كثيرة، وهي الدول نفسها التي لم تأخذ هذه الأهداف على محمل الجد منذ البداية.
المزيد من بيئة

قرض أميركي بـ5 مليارات دولار لمحطات نووية تغذي مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
وافقت وزارة الطاقة الأميركية مبدئياً على قرض بقيمة 5 مليارات دولار لشركة Constellation Energy لرفع قدرة ثماني محطات نووية بمقدار 1.1 غيغاواط، لتزويد مراكز بيانات تابعة لغوغل وأمازون وميتا بالكهرباء اللازم لتشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي.

باحثون يرصدون نوماً شبيهاً بحركة العين السريعة عند العناكب الوثّابة
رصد باحثون من جامعة بون مرحلتي نوم عند العنكبوت الوثّاب الأسترالي Portia fimbriata، إحداهما شبيهة بنوم حركة العين السريعة لدى البشر، في دراسة نُشرت بمجلة PNAS تطرح تساؤلات حول إمكانية أن تحلم العناكب دون تأكيد ذلك.

جيمس ويب يكشف غلافاً جوياً عملاقاً يحمي كوكب حمم بركانية من نجمه
رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي غلافاً جوياً كثيفاً حول كوكب خارجي ملتهب يُدعى TOI-561 b، تُغطيه سحب سيليكات تعكس نحو 75% من ضوء نجمه كواقٍ شمسي عملاق وتنقل الحرارة إلى جانبه الليلي.

كسوف شمسي عمره 2700 عام يكشف تفاصيل جديدة عن دوران الأرض
تصحيح فلكي لموقع عاصمة صينية قديمة يعيد تفسير كسوف كلي للشمس وقع عام 709 ق.م، ويقدّم أدلة دقيقة عن تغيّر سرعة دوران الأرض ونشاط الشمس في العصور القديمة.

مختبرات الذكاء الاصطناعي الحدّي تعلن دحض فرضية الزمن الأسي في علوم الحاسوب
أعلنت OpenAI وAnthropic أن نماذجهما ساعدت في دحض فرضية الزمن الأسي، افتراض قديم في نظرية التعقيد الحاسوبي، ما أثار نقاشاً واسعاً بين علماء الحاسوب حول تداعيات الاكتشاف.

محاكاة "لومينا": إعادة بناء أول ملياري سنة من عمر الكون
فريق من مركز هارفارد وسميثسونيان للفيزياء الفلكية يطلق محاكاة كونية ضخمة تعيد تمثيل تشكّل أولى المجرات والنجوم والثقوب السوداء بعد الانفجار العظيم.