إشارة دماغية واحدة قد تفسر أعراضاً متفرقة لمرض الفُصام
باحثون في جامعة ماكغيل يكشفون أن ضعف نشاط كهربائي في نطاق بيتا الدماغي قد يربط بين اضطرابات الإدراك والحركة والكلام لدى مرضى الفُصام.

كشفت دراسة كندية جديدة أن إشارة كهربائية دماغية واحدة قد تكون المسؤولة عن مجموعة من الأعراض التي يعاني منها مرضى الفُصام، والتي كان العلماء يعتقدون سابقاً أنها ناتجة عن مسارات بيولوجية منفصلة. وتفتح النتائج، التي نشرتها مجلة "ساينس أدفانسز" (Science Advances) في 29 أكتوبر 2026، باباً جديداً لفهم آلية هذا الاضطراب النفسي المعقد.
قاد الدراسة الباحثة هسي (تيانا) وي، الزميلة البحثية في قسم الطب النفسي بجامعة ماكغيل ومركز دوغلاس للأبحاث، بإشراف الباحثة الرئيسية لينا بالانيابام، أستاذة الطب النفسي في ماكغيل ومديرة مركز التميز للصحة النفسية للشباب في مستشفى دوغلاس. وشارك في العمل فريق من الباحثين من جامعة ماكغيل ومركز ماكونيل لتصوير الدماغ وجامعة مونتريال ومركز أبحاث المركز الصحي الجامعي في مونتريال.
استخدم الفريق تقنية التصوير العصبي المعروفة بتخطيط الدماغ المغناطيسي، وهي تقنية غير جائحة ترصد الحقول المغناطيسية الناتجة عن النشاط الكهربائي للخلايا العصبية، وتسمح بقياس هذا النشاط وتحديد موضعه بدقة زمنية عالية دون أي تدخل جراحي أو تعرض للإشعاع. وأجرت الدراسة في مركز ماكونيل لتصوير الدماغ التابع لمعهد "ذا نيورو"، وشارك فيها 25 شخصاً مصاباً بالفُصام و25 شخصاً من الأشخاص السليمين كمجموعة ضابطة، أي 50 مشاركاً في المجمل.
طلب الباحثون من المشاركين أداء مهام تتعلق بالحكم على توقيت المحفزات البصرية والسمعية، إلى جانب تحليل عينات من كلامهم للكشف عن أي اضطراب في تنظيم الأفكار أو التواصل. وأظهرت النتائج أن الأشخاص المصابين بالفُصام سجلوا نشاطاً أضعف وأبطأ في تذبذبات النطاق المعروف باسم "بيتا"، وهو نمط من النشاط الكهربائي الدماغي يرتبط بعمليات معرفية وحركية متعددة، مقارنة بالمجموعة الضابطة.
والأهم أن المشاركين الذين أظهروا أكبر درجات الخلل في هذه الإشارة كانوا أيضاً الأكثر صعوبة في تقدير توقيت المشاهد والأصوات، والأكثر عرضة لاضطراب تنظيم الكلام، والأشد من حيث حدة الأعراض الإكلينيكية بشكل عام. ويرى الباحثون أن ظهور نفس الإشارة الضعيفة في مهام الإدراك والحركة واللغة على حد سواء يشير إلى وجود عملية بيولوجية مشتركة تقف خلف هذه الأعراض المتنوعة ظاهرياً، بدلاً من كونها اضطرابات منفصلة تماماً كما كان يُفترض في السابق.
ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج، في حال تأكيدها بدراسات أوسع، في تطوير أدوات للكشف المبكر عن الأشخاص المعرضين لخطر أعلى للإصابة بنوبات الذهان، خصوصاً أن العلامات الأولى لمرض الفُصام غالباً ما تظهر في مرحلة المراهقة أو بداية مرحلة الشباب. كما قد يفتح فهم دور تذبذبات النطاق بيتا الباب لتطوير علاجات تستهدف هذا النشاط الكهربائي بعينه، كبديل أو مكمل للعلاجات الدوائية الحالية التي تركز أساساً على الناقلات العصبية الكيميائية.
مع ذلك، يشدد الباحثون على أن الدراسة لا تزال في طور أولي، وأن حجم العينة المحدود المكون من 25 مشاركاً لكل مجموعة يستدعي الحذر في تفسير النتائج. وأكدوا أن الروابط التي وجدوها بين ضعف الإشارة الدماغية وشدة الأعراض السريرية واضطراب الكلام تحتاج إلى تأكيد عبر عينات أكبر ومستقلة قبل أن يمكن اعتمادها كمعيار تشخيصي أو علاجي موثوق.
وفي السياق العربي، يستحق مرض الفصام اهتماماً بحثياً وصحياً أكبر؛ إذ تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن معدلات الإصابة في المنطقة تتراوح بين 0.8% و1.1%، ما يعني وجود أكثر من ثلاثة ملايين مريض في العالم العربي. وتعاني المنطقة من شُح الأطباء النفسيين وسيطرة الوصمة الاجتماعية التي تُعيق كثيرين عن طلب العلاج في الوقت المناسب. وتعمل مراكز بحثية عربية مثل مستشفى الطب النفسي في الكويت وقسم الطب النفسي في جامعة الملك فيصل بالسعودية على دراسة الأسباب البيولوجية للذهان. وقد تُسهم نتائج هذه الدراسة حول إشارة بيتا الدماغية في تطوير بروتوكولات تشخيص مبكر تعتمدها المراكز الطبية العربية، مما يُسهم في كسر حاجز الوصمة وتحسين نتائج العلاج.
ويأتي هذا البحث في سياق جهود علمية متزايدة لفهم الفُصام، الذي يصيب نحو واحد بالمئة من سكان العالم تقريباً، باعتباره اضطراباً له جذور بيولوجية قابلة للقياس بدلاً من اعتباره مجرد مجموعة أعراض سلوكية متفرقة. وإذا تأكدت صحة هذا النموذج، فقد يساهم في تقليل الوصم الاجتماعي المرتبط بالمرض، من خلال تقديم تفسير علمي واضح لأعراضه المتنوعة، وفتح آفاق جديدة لتشخيصه وعلاجه في وقت أقرب من بدء ظهوره.
المزيد من صحة

نموذج جديد يرجّح أن نهر "ثويتس" الجليدي يضاعف مساهمته في ارتفاع البحار
نموذج حاسوبي أمريكي يظهر أن نهر ثويتس الجليدي في أنتاركتيكا الغربية قد يرفع مستوى البحار بمقدار يفوق التقديرات السابقة بمرتين بحلول عام 2100.

رياضيون: معادلات أينشتاين قد تفسّر تسارع الكون دون طاقة مظلمة
فريق من جامعة كاليفورنيا ديفيس يقترح أن عدم استقرار رياضي في النموذج الكوني القياسي قد يفسّر تسارع تمدد الكون دون الحاجة إلى فرضية الطاقة المظلمة.

علماء يكسرون قاعدة تقليدية في الفيزياء بإنتاج أشعة سينية فائقة الطاقة
فريق بحثي في فيينا وكاليفورنيا يُظهر أن تعاون إلكترونين داخل ذرة الهيليوم يمكن أن يتجاوز الحد النظري المعروف لطاقة الأشعة السينية الناتجة عن الليزر.

مسبار جونو يكتشف أن درع المشتري المغناطيسي أعقد بكثير من درع الأرض
بيّنت بيانات مسبار ناسا جونو أن تصدي كوكب المشتري للرياح الشمسية يعتمد على موجات بلازمية متعددة التردد وصدمات صغرى، بخلاف آلية الأرض الأبسط.

الأمم المتحدة تُقر بتجاوز حتمي لحاجز 1.5 درجة للاحترار العالمي وتطرح خطة للعودة
أقرّ برنامج الأمم المتحدة للبيئة للمرة الأولى بأن تجاوز حد 1.5 درجة مئوية للاحترار العالمي أصبح أمراً حتمياً، وطرح خطة لتقليص مدة هذا التجاوز وحجمه عبر خفض الانبعاثات وإزالة مئات غيغاطن من الكربون قبل نهاية القرن.

باحثون يرصدون نوماً شبيهاً بحركة العين السريعة عند العناكب الوثّابة
رصد باحثون من جامعة بون مرحلتي نوم عند العنكبوت الوثّاب الأسترالي Portia fimbriata، إحداهما شبيهة بنوم حركة العين السريعة لدى البشر، في دراسة نُشرت بمجلة PNAS تطرح تساؤلات حول إمكانية أن تحلم العناكب دون تأكيد ذلك.