فيزيائيون يصنعون كوناً مصغّراً في المختبر ويرصدون نشوء الزمن من دون ساعة
بنى فيزيائي بريطاني نظاماً من آلاف الذرات شديدة البرودة يتمدد وينكمش كنموذج مصغر للكون، وأظهرت التجربة أن الزمن يمكن أن ينشأ من التغيرات الداخلية للنظام نفسه دون الحاجة إلى ساعة خارجية.

نشر الفيزيائي جيوفاني بارونتيني، من جامعة برمنغهام البريطانية، دراسة جديدة في مجلة "فيزيكال ريفيو ريسيرش" بعنوان "اختبار مشكلة الزمن باستخدام الذرات شديدة البرودة"، أعلنت ساينس ديلي عن تفاصيلها في 30 أكتوبر 2026، كشف فيها عن بناء نظام مصغّر مكوَّن من نحو 24 ألف ذرة مبرَّدة إلى درجات حرارة تقترب من الصفر المطلق، صُمِّم ليحاكي عمليتي التمدد والانكماش الكونيين، في خطوة وصفها الباحث بأنها تقدّم "أول دليل تجريبي محكوم يُثبت أن الزمن يمكن أن ينشأ من التغيرات الحاصلة داخل نظام ما"، لا من وجود ساعة خارجية مستقلة تقيسه.
وتنطلق الدراسة من فكرة نظرية مثيرة للجدل مفادها أن الزمن قد لا يكون خاصية أساسية وجوهرية للواقع، بل قد ينشأ بدلاً من ذلك من التغيرات الحاصلة داخل الكون نفسه. وتستند هذه الفكرة إلى معادلة "ويلر-ديويت"، وهي إطار نظري يحاول دمج ميكانيكا الكم مع الجاذبية الكمية لوصف الكون بأكمله بوصفه نظاماً كمياً واحداً. وتحمل هذه المعادلة إشكالية جوهرية، إذ يمكن وصف الكون بموجبها كحالة كمية ثابتة لا تتغير، خالية من أي متغير زمني واضح، وهو ما يطرح سؤالاً عميقاً حول كيفية ترتيب الأحداث زمنياً دون وجود ساعة خارجية تقيس تعاقبها، وهي معضلة يعرفها الفيزيائيون باسم "مشكلة الزمن".
وللتحقق من هذه الفرضية عملياً، برَّد بارونتيني الذرات إلى درجة حرارة تقارب بضع مليارات من درجة فوق الصفر المطلق، واستخدم شعاعي ليزر بترددين مختلفين لتشكيل حاجز رقيق يقسّم النظام المعزول إلى منطقة "مضيئة" خاضعة للمراقبة، ومنطقة "مظلمة" غير مرصودة، مع إمكانية انتقال الذرات بين المنطقتين. وجرى تصميم المنطقة المضيئة بحيث تمر بدورات متكررة من التمدد، بما يحاكي الانفجار العظيم، والانكماش، بما يحاكي سيناريو "الانسحاق العظيم" الافتراضي، مع التأكيد على أن التجربة لا تمثّل إعادة فعلية لأحداث كونية حقيقية، بل نموذجاً كمياً مبسَّطاً لها.
ولقياس تقدّم الزمن داخل هذا النظام، تتبّع بارونتيني التغيرات في كيفية توزّع الذرات داخل المنطقة المضيئة، مستخدماً مفهوم "الإنتروبيا" كأساس لما أسماه "الزمن الإنتروبي". فكلما تغيّر توزّع الذرات أو تمدد، تقدّمت "الساعة الداخلية" للنظام، وعندما ظل التوزيع ثابتاً دون تغيير، توقف تقدّم هذا المقياس الزمني الداخلي، مع التأكيد على أن الزمن الحقيقي لم يتوقف فعلياً داخل المختبر بأي حال. وأظهرت النتائج أن "الزمن الإنتروبي" يتحرك في اتجاه واحد يحافظ على ما يُعرف بـ"سهم الزمن"، ويضبط تسلسل الأحداث بصورة صحيحة طوال دورات التمدد والانكماش، مع تسارعه أو تباطئه تبعاً لمعدل تغيّر الإنتروبيا.
وأظهر بارونتيني أيضاً أنه يمكن إعادة صياغة نسخة من معادلة شرودنغر، المعادلة الأساسية في ميكانيكا الكم التي تصف تطور الحالة الكمية لأي نظام فيزيائي مع الزمن، باستخدام هذا "الزمن الإنتروبي" بدلاً من الزمن التقليدي، بما يعني أن هذه الساعة الداخلية يمكن أن تُستخدم فعلياً لإجراء تنبؤات دقيقة، تماماً كما يُستخدم الزمن التقليدي في ميكانيكا الكم القياسية، في حين ظل النظام ملتزماً بالمعادلات الكمية المعروفة، لكن بوصف مختلف لكيفية تطوره.
وأوضح بارونتيني أن هذا البحث لا يثبت أن الزمن وهمٌ أو أن الكون يفتقر إلى زمن أساسي، بل يقدّم دليلاً تجريبياً على إمكانية وصف الزمن بطريقة بديلة. وقال بارونتيني: "في بعض نظريات الكون، وخصوصاً نظريات الجاذبية الكمية، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية مدمجة"، مضيفاً أن السؤال الأعمق الذي يظل مطروحاً هو لماذا يتدفق الزمن من الماضي إلى المستقبل، في حين أن معظم القوانين الفيزيائية الأساسية تعمل بالتساوي في كلا الاتجاهين.
وتحمل هذه النتائج دلالةً خاصة للوعي العلمي في الوطن العربي؛ فالتساؤل عن ماهية الزمن والمكان حضر في إرث المتكلمين والفلاسفة العرب كالكندي وابن رشد وإخوان الصفا. واليوم، تستقطب جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) كفاءات في الفيزياء النظرية، كما تدعم مؤسسة محمد بن راشد للفضاء أبحاثاً في العلوم الأساسية. ويمثّل هذا البحث نموذجاً ملهماً للطلاب العرب الملتحقين ببرامج الفيزياء النظرية في جامعات المنطقة والعالم.
ويخطط الباحث لتوسيع هذه المقاربة في أبحاث مستقبلية لتشمل أنظمة كمية أكثر تعقيداً، بما قد يتيح نمذجة جوانب من الانفجار العظيم أو الانسحاق العظيم الافتراضي أو حتى الثقوب السوداء، فضلاً عن اختبار تفسيرات منافسة لكيفية نشوء الزمن، في مسعى علمي يواصل محاولة سبر أحد أعمق الأسئلة الفلسفية والفيزيائية التي لا تزال تحير العلماء حتى اليوم.
المزيد من علوم

نماذج المناخ تتجاهل حلقات تغذية راجعة خطيرة قد تسرّع الاحترار العالمي
يحذّر باحثون من أن نماذج المناخ الرسمية لا تأخذ في الحسبان بالكامل تأثير حلقات التغذية الراجعة الناتجة عن الصقيع الذائب وحرائق الغابات، التي قد تضيف ما يصل إلى 0.4 درجة مئوية من الاحترار الإضافي هذا القرن.

باحث هندي يتجاوز قيداً حسابياً صمد في علوم الحاسوب منذ عام 1996
طوّر باحث في معهد آي آي تي غاندي نغار الهندي خوارزمية جديدة توسّع نطاق تقدير أقصر المسارات بين النقاط القريبة في الشبكات الكبيرة، متجاوزاً قيداً نظرياً صمد قرابة ثلاثين عاماً.

نموذج جديد يرجّح أن نهر "ثويتس" الجليدي يضاعف مساهمته في ارتفاع البحار
نموذج حاسوبي أمريكي يظهر أن نهر ثويتس الجليدي في أنتاركتيكا الغربية قد يرفع مستوى البحار بمقدار يفوق التقديرات السابقة بمرتين بحلول عام 2100.

رياضيون: معادلات أينشتاين قد تفسّر تسارع الكون دون طاقة مظلمة
فريق من جامعة كاليفورنيا ديفيس يقترح أن عدم استقرار رياضي في النموذج الكوني القياسي قد يفسّر تسارع تمدد الكون دون الحاجة إلى فرضية الطاقة المظلمة.

علماء يكسرون قاعدة تقليدية في الفيزياء بإنتاج أشعة سينية فائقة الطاقة
فريق بحثي في فيينا وكاليفورنيا يُظهر أن تعاون إلكترونين داخل ذرة الهيليوم يمكن أن يتجاوز الحد النظري المعروف لطاقة الأشعة السينية الناتجة عن الليزر.

مسبار جونو يكتشف أن درع المشتري المغناطيسي أعقد بكثير من درع الأرض
بيّنت بيانات مسبار ناسا جونو أن تصدي كوكب المشتري للرياح الشمسية يعتمد على موجات بلازمية متعددة التردد وصدمات صغرى، بخلاف آلية الأرض الأبسط.