رياح المستعرات العظمى تعيق الضوء.. هابل يراجع فهم إعادة التأيين الكوني
رصد تلسكوب هابل لمجرات انفجار نجمي قريبة يكشف أن رياح المستعرات العظمى تُعيق هروب الإشعاع المؤيّن بدل أن تُسهّله، في مفارقة تُعيد النظر في فهم العلماء لإعادة التأيين الكوني.

كشفت رصود جديدة بتلسكوب هابل الفضائي عن مفارقة تُهدد أحد أكثر التفسيرات رسوخاً لواحدة من أهم المراحل في تاريخ الكون: إعادة التأيين الكوني. فبدلاً من أن تساعد الرياح المجرية الناتجة عن انفجارات المستعرات العظمى الإشعاع فوق البنفسجي على الهروب من المجرات الفتية، أظهرت الدراسة أن هذه الرياح تزيد من حجب هذا الإشعاع بدل أن تُفسح له الطريق. نُشرت النتائج في مجلة Nature Astronomy، وشارك في إجرائها نحو ثلاثين باحثاً من أكثر من اثنتي عشرة مؤسسة حول العالم.
إعادة التأيين الكوني هي المرحلة التي أزالت فيها الإشعاعات الصادرة عن أولى النجوم والمجرات الإلكترونات من ذرات الهيدروجين المتعادل الذي كان يملأ الفضاء بين المجرات في الكون الفتي، فسمحت للضوء فوق البنفسجي بالانتشار بحرية بعد أن كان محجوباً. بدأت هذه العملية قبل نحو ثلاثة عشر مليار سنة، ويصفها الباحث كودي كار، من جامعة ميشيغان، بأنها "آخر تحوّل طوري كبير شهده الكون". ورغم أهمية هذه المرحلة في تشكيل بنية الكون كما نعرفها اليوم، ظل العلماء يتساءلون عن هوية الأجرام التي زوّدت الكون بهذا الإشعاع المؤيّن، وكيف تمكّن جزء كافٍ منه من الهروب من المجرات التي وُلد فيها أصلاً.
لدراسة هذا اللغز، وجّه فريق البحث، الذي قاده كار وشارك فيه كبيران من العلماء وهما ستيفان مكاندليس من جامعة جونز هوبكنز ورنيوي تسن من جامعة تشجيانغ، تلسكوب هابل نحو مجموعة من مجرات انفجار نجمي قريبة نسبياً من الأرض. وتُعرف هذه المجرات بمعدلات تكوّن نجمي مرتفعة للغاية، ما يجعلها نظائر حديثة مناسبة لدراسة المجرات التي كانت نشطة في عصر إعادة التأيين المبكر. حلّل الباحثون أطياف هذه المجرات، حيث يترك الغاز الممتص للضوء بصمات واضحة في الطيف تكشف عن سرعة الرياح الخارجة منها واتجاهها.
وعند مقارنة سرعات هذه الرياح بكمية الإشعاع المؤيّن الذي يهرب فعلياً من كل مجرة، توصل الفريق إلى نتيجة مفاجئة: المجرات التي تحمل أسرع الرياح هي نفسها التي يهرب منها أقل قدر من هذا الإشعاع. وهذا يتعارض تماماً مع التفسير السائد الذي افترضه العلماء منذ سنوات، والذي يقول إن الرياح الناتجة عن انفجارات المستعرات العظمى، وهي الانفجارات الهائلة التي تخلّف بعض النجوم الضخمة عند موتها، تشق قنوات داخل الغاز المحيط بالمجرة، فتفتح للإشعاع فوق البنفسجي طريقاً للهروب إلى الوسط بين المجرات وتفكيك ذرات الهيدروجين المتعادل هناك.
لكن الرصود الجديدة تشير إلى عكس ذلك تماماً. فبحسب مكاندليس، يبدو أن الطاقة التي تضخّها المستعرات العظمى في محيط المجرة "تُحرّك الغاز والغبار المجاور وتزيد من تغطيته للمجرة، لا أن تُقلّصها"، وهو ما يعني أن هذه الرياح تحجب الإشعاع المؤيّن بدل أن تُسهّل هروبه. ويرى الفريق أن التفسير الأقرب إلى الواقع هو أن الإشعاع الصادر عن النجوم الفتية الضخمة يهرب من المجرة في وقت مبكر جداً، قبل أن تنفجر تلك النجوم وتُطلق رياحها القوية. وبعبارة كار: "الطريقة التي كانت هذه المجرات تُسرّب من خلالها الإشعاع المؤيّن لم تكن كما توقعنا... رصودنا تُظهر أن هذه الفوتونات تهرب قبل تشكّل الرياح المجرية أصلاً".
وتحمل هذه النتيجة دلالة مهمة لعلم الكونيات الحسابي، إذ يرى تسن أن المستعرات العظمى تؤدي دوراً محورياً في المحاكاة الهيدروديناميكية الكونية التي يستخدمها العلماء لتفسير كيفية هروب الإشعاع المؤيّن من المجرات، وبالتالي فإن أي تصحيح لهذا الدور قد يفرض إعادة ضبط نماذج حاسوبية بأكملها تحاول إعادة بناء تاريخ الكون المبكر.
مع ذلك، يُشدد الباحثون على أن هذا الاكتشاف لا يُغلق الملف نهائياً بشأن الأسباب الحقيقية لإعادة التأيين الكوني، بل يفتح الباب لمراجعة أعمق. ويخطط الفريق للتقدّم بطلب لمزيد من وقت رصد تلسكوب هابل لاختبار هل يتكرر هذا النمط في مجرات أخرى غير تلك التي شملتها الدراسة الحالية، إذ إن تعميم النتيجة يتطلب عينة أوسع من مجرات انفجار النجوم تمتد عبر خصائص وبيئات مختلفة.
ويُظهر هذا العمل مجدداً أن أبسط المجرات القريبة ما تزال تحمل مفاتيح لفهم أبعد لحظات الكون المبكر وأكثرها غموضاً، وأن الصورة المتداولة عن دور المستعرات العظمى في تشكيل الكون المرئي قد تحتاج إلى مراجعة جوهرية في ضوء بيانات رصدية جديدة ودقيقة.
تتمتع المنطقة العربية بموروث تاريخي عريق في علم الفلك، إذ أسهم علماء العصر الإسلامي الذهبي في تأسيس الفلك الحديث، وظلت أسماء نجوم عديدة عربية الأصل مستخدمة في لغة الفلك العالمية حتى اليوم. وفي العصر الحديث، يُشارك المركز الوطني لعلوم الفضاء والتقنية الإماراتي في الأبحاث الفلكية الدولية، فيما تعمل المملكة العربية السعودية على تطوير برامج رصد فلكي ضمن مبادرات المدينة الوطنية للفضاء. وتُضيف اكتشافات كهذه، التي تُعيد رسم فهمنا للكون المبكر، بُعداً علمياً يستلهم الباحثون العرب من إرثهم الفلكي في التعامل معه.
وتستند هذه النتائج إلى بيانات دقيقة جُمعت بتمويل من جامعة تشجيانغ وبرنامجها البحثي الرائد، إضافة إلى المؤسسة الوطنية الصينية للعلوم الطبيعية، ووزارة العلوم والابتكار الإسبانية، وبرنامج آفاق أوروبا 2020، ووكالة ناسا والمؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم، في تعاون دولي واسع يعكس الأهمية التي توليها الأوساط العلمية لفهم هذه الحقبة المحورية من تاريخ الكون.
المزيد من علوم

علماء يكتشفون جنساً جديداً من أسماك شبيهة بفرس البحر لم يرها أحد حياً
تحليل بالتصوير المقطعي الدقيق والحمض النووي يكشف أن ثلاثة أسماك نادرة من المياه العميقة قبالة جنوب أستراليا، عُرفت من سبع عينات فقط منذ 65 عاماً، تنتمي إلى جنس تطوري جديد مستقل عن فرس البحر.

تصادم نوى الأكسجين يعيد خلق مادة بدايات الكون في تجربة أصغر وأضعف طاقة
فريق دولي في مصادم RHIC الأمريكي يرصد علامات بلازما الكواركات والغلوونات في تصادمات نوى الأكسجين الصغيرة، عند طاقة أقل بكثير من التجارب السابقة، في خطوة تحدد حدوداً جديدة لفهم مادة الكون المبكر.

شركة ساتليت تختبر بنجاح تحويل الأقمار الصناعية إلى مراكز بيانات افتراضية
أنهت شركة ساتليت الناشئة اختباراً استمر 13 شهراً بدعم من وكالة ناسا وجامعة هيوستن، يحوّل الأقمار الصناعية القائمة إلى شبكة حوسبة موزعة في الفضاء، في خطوة نحو مراكز بيانات مدارية مستقبلية.

باحثون يكتشفون سبيكتين معدنيتين تتحديان الكسر عند برودة الفضاء القصوى
فريق دولي من بيركلي وأكسفورد يكتشف سبيكتين من النيوبيوم والتيتانيوم تحافظان على مطيليتهما عند -253 درجة سلسيوس، بفضل آلية بلورية جديدة قد تغيّر تصميم مواد الفضاء والطاقة.

دراسة: الاحترار العالمي يتسارع منذ 2015 بمعدل يقارب ضعف وتيرته السابقة
خلصت دراسة جديدة في مجلة Geophysical Research Letters إلى أن معدل الاحترار العالمي تسارع بشكل ملحوظ منذ عام 2015 ليبلغ نحو 0.35 درجة مئوية كل عقد، بثقة إحصائية تتجاوز 98%.

سور عمره 4000 عام في المغرب يعيد كتابة تاريخ شمال أفريقيا
تنقيبات في موقع وادي بهت بالمغرب تكشف أقدم تحصين دفاعي مؤكد في شمال أفريقيا خارج مصر، يعود لنحو 4000 عام ويغيّر فهمنا لتاريخ المنطقة.