باحثون يكتشفون سبيكتين معدنيتين تتحديان الكسر عند برودة الفضاء القصوى
فريق دولي من بيركلي وأكسفورد يكتشف سبيكتين من النيوبيوم والتيتانيوم تحافظان على مطيليتهما عند -253 درجة سلسيوس، بفضل آلية بلورية جديدة قد تغيّر تصميم مواد الفضاء والطاقة.

توصل فريق بحثي دولي يضم علماء من جامعة كاليفورنيا في بيركلي ومختبر لورنس بيركلي الوطني وجامعة أكسفورد إلى اكتشاف سبيكتين تجريبيتين من النيوبيوم والتيتانيوم تحافظان على مرونتهما وقابليتهما للتشوه عند درجات حرارة بالغة البرودة تصل إلى 20 كلفن، أي نحو -253 درجة سلسيوس، من دون أن تظهر عليهما أي علامة على التحول إلى سلوك قصف مفاجئ. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature.
تنتمي السبيكتان إلى فئة الفلزات ذات التركيب المكعبي المتمركز الجسمي، وهي فئة تشمل فلزات شائعة كالحديد والتنغستن والكروم، وتُعرف عادة بأنها عرضة لانتقال مفاجئ من حالة المطيلية إلى حالة القصافة عند خفض درجة الحرارة بشكل كبير. ويُعد هذا الانتقال أحد أكبر القيود التي تحد من استخدام هذه الفلزات في البيئات البالغة البرودة، مثل مكونات الصواريخ أو أنظمة الطاقة الفائقة التوصيل أو محركات الطائرات.
في الفلزات التقليدية، يحدث التشوه عبر حركة عيوب خطية في البنية البلورية تُعرف بالانزلاقات البلورية، لكن هذه الحركة تصبح أكثر صعوبة كلما انخفضت درجة الحرارة، وهو ما يفسر الميل إلى الكسر المفاجئ بدل التشوه التدريجي. أما السبيكتان الجديدتان، فتسلكان مساراً مختلفاً تماماً: فعند خفض الحرارة، تتشكل داخلهما مناطق صغيرة على المستوى النانوي تُعرف بالتوأمة البلورية، إلى جانب تحول طوري محلي في البنية البلورية نفسها.
وحين تصل هذه المناطق الجديدة إلى حدود الحبيبات البلورية الفاصلة بين البلورات المجهرية المتجاورة، تتولد تراكمات من الإجهاد الداخلي تدفع بدورها إلى تكوين انزلاقات بلورية جديدة، فتتمكن المادة من التشوه بدلاً من أن تنكسر. وبهذا، يشير الباحثون إلى أن توليد عيوب جديدة في البنية البلورية قد يكون بنفس أهمية سهولة حركة العيوب الموجودة أصلاً، في تفسير مرونة المادة عند البرودة الشديدة.ويأتي هذا الاكتشاف في وقت تتصاعد فيه الحاجة إلى مواد أكثر متانة لدعم التوسع في مشاريع الطاقة النظيفة والنقل الجوي والفضائي، حيث تُستخدم فلزات ذات التركيب المكعبي المتمركز الجسمي على نطاق واسع في صناعة الصلب والسبائك الصناعية الثقيلة بفضل توفرها وتكلفتها المعقولة مقارنة بفلزات أخرى. لكن ضعفها التقليدي أمام البرودة الشديدة ظل يحد من استخدامها في تطبيقات حساسة كخزانات الوقود الكريوجيني أو مكونات المفاعلات الفائقة التوصيل التي تعمل عند درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق.
وقال الباحث دونغ ليو من جامعة أكسفورد، المشارك في قيادة الدراسة، إن انتقال المطيلية إلى القصافة اعتُبر لعقود طويلة قيداً جوهرياً في فلزات هذه الفئة البلورية، في حين أوضح الباحث ديفيد كوك، المشارك في الدراسة أثناء عمله في بيركلي والمنتقل حالياً إلى جامعة كامبريدج، أن التركيز التقليدي في هذا المجال كان يقوم على مدى سهولة حركة الانزلاقات البلورية الموجودة بالفعل داخل المادة، بينما تكشف هذه الدراسة أهمية نشوء عيوب جديدة كمسار موازٍ للتشوه.
اعتمد الفريق البحثي، الذي شاركت فيه أيضاً جامعات بريستول وكاليفورنيا في إيرفاين وتكساس إي أند إم ونانيانغ التقنية، إلى جانب مصدر الهندسة النيوترونية البريطاني ومختبر باسيفيك نورث وست الوطني، على تبريد العينات بغاز الهيليوم وشدّها داخل جهاز اختبار ميكانيكي، مع تسليط حزم من النيوترونات عليها لرصد ما يجري في بنيتها الداخلية خلال التشوه. ثم استُكملت النتائج بتحليل مجهري إلكتروني وتحليل ذري دقيق ونماذج حاسوبية لفهم آلية التشوه بدقة أكبر.
تحمل هذه النتائج أهمية مباشرة لصناعات تتطلب مكونات معدنية قادرة على الصمود في بيئات حرارية قاسية، مثل أنظمة الطاقة والنقل والفضاء الجوي، حيث تتعرض بعض المكونات لتقلبات حادة بين الحرارة الشديدة والبرودة القصوى. فتوفر هذه السبائك الجديدة، بفضل آليتها البلورية المزدوجة القائمة على التوأمة النانوية والتحول الطوري، بديلاً أكثر متانة وأماناً من الفلزات التقليدية المعرضة للكسر المفاجئ في مثل هذه الظروف.ويشير الباحثون أيضاً إلى أن فهم هذه الآلية المزدوجة، القائمة على التوأمة البلورية النانوية والتحول الطوري الموضعي، قد يساعد مهندسي المواد على تصميم سبائك جديدة من البداية بخصائص محسوبة مسبقاً، بدلاً من الاعتماد على التجربة والخطأ كما جرت العادة في تطوير المواد المعدنية. وتفتح هذه المقاربة كذلك المجال لإعادة النظر في فلزات أخرى من هذه الفئة البلورية كانت تُعتبر محكومة بقيود صارمة عند البرودة القصوى، في ضوء ما كشفته هذه الدراسة من إمكانية التحكم في سلوكها عبر التعامل مع بنيتها الداخلية بدقة أكبر.
وتعكس هذه النتائج أهمية مباشرة لبرامج الفضاء العربية الصاعدة، في مقدمتها مسبار المريخ الإماراتي الذي أثبت قدرة الهندسة العربية على التعامل مع بيئات الفضاء القاسية، ومشروع القمر العربي الذي أرسل المركبة راشد إلى سطح القمر. كما تسعى المملكة العربية السعودية إلى بناء صناعات فضائية متكاملة ضمن رؤية 2030، مما يجعل التقدم في مواد هيكلية قادرة على تحمل درجات الحرارة المتطرفة ذا قيمة مباشرة لمهندسي الفضاء ومصممي الصواريخ ومصانع الفضاء الجوي في المنطقة.
ويرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في استكشاف إمكانية تطبيق هذه الآلية نفسها على فئات أخرى من السبائك، بهدف تصميم مواد جديدة تجمع بين القوة والمتانة والمرونة عند درجات الحرارة المتطرفة، بما يفتح الباب أمام حلول هندسية أكثر كفاءة لمكونات تعمل في الفضاء أو في أنظمة الطاقة الفائقة التوصيل التي تتطلب درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق.
المزيد من علوم

علماء يكتشفون جنساً جديداً من أسماك شبيهة بفرس البحر لم يرها أحد حياً
تحليل بالتصوير المقطعي الدقيق والحمض النووي يكشف أن ثلاثة أسماك نادرة من المياه العميقة قبالة جنوب أستراليا، عُرفت من سبع عينات فقط منذ 65 عاماً، تنتمي إلى جنس تطوري جديد مستقل عن فرس البحر.

تصادم نوى الأكسجين يعيد خلق مادة بدايات الكون في تجربة أصغر وأضعف طاقة
فريق دولي في مصادم RHIC الأمريكي يرصد علامات بلازما الكواركات والغلوونات في تصادمات نوى الأكسجين الصغيرة، عند طاقة أقل بكثير من التجارب السابقة، في خطوة تحدد حدوداً جديدة لفهم مادة الكون المبكر.

رياح المستعرات العظمى تعيق الضوء.. هابل يراجع فهم إعادة التأيين الكوني
رصد تلسكوب هابل لمجرات انفجار نجمي قريبة يكشف أن رياح المستعرات العظمى تُعيق هروب الإشعاع المؤيّن بدل أن تُسهّله، في مفارقة تُعيد النظر في فهم العلماء لإعادة التأيين الكوني.

دراسة: الاحترار العالمي يتسارع منذ 2015 بمعدل يقارب ضعف وتيرته السابقة
خلصت دراسة جديدة في مجلة Geophysical Research Letters إلى أن معدل الاحترار العالمي تسارع بشكل ملحوظ منذ عام 2015 ليبلغ نحو 0.35 درجة مئوية كل عقد، بثقة إحصائية تتجاوز 98%.

سور عمره 4000 عام في المغرب يعيد كتابة تاريخ شمال أفريقيا
تنقيبات في موقع وادي بهت بالمغرب تكشف أقدم تحصين دفاعي مؤكد في شمال أفريقيا خارج مصر، يعود لنحو 4000 عام ويغيّر فهمنا لتاريخ المنطقة.

دراسة جديدة: نظام نجمي ثنائي قريب قد يخفي كواكب صالحة للحياة
رصد علماء الفلك لمدة قرن كشف أن تذبذباً حيّر الباحثين منذ عام 1855 في نظام 70 الحواء الثنائي سببه نشاط نجمي لا كوكب عملاق، مما يفتح الباب لوجود كواكب صخرية أصغر.