تصادم نوى الأكسجين يعيد خلق مادة بدايات الكون في تجربة أصغر وأضعف طاقة
فريق دولي في مصادم RHIC الأمريكي يرصد علامات بلازما الكواركات والغلوونات في تصادمات نوى الأكسجين الصغيرة، عند طاقة أقل بكثير من التجارب السابقة، في خطوة تحدد حدوداً جديدة لفهم مادة الكون المبكر.

تمكن فريق بحثي دولي يعمل على تجربة STAR في مصادم الأيونات الثقيلة النسبي RHIC التابع لمختبر بروكهافن الوطني الأمريكي، من رصد علامات واضحة على تشكّل بلازما الكواركات والغلوونات، وهي حالة من المادة سادت الكون في أجزاء من الثانية الأولى بعد نشأته، وذلك من خلال تصادم نوى ذرات الأكسجين في تجربة أصغر حجماً وأقل طاقة بكثير من التجارب المماثلة السابقة. ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Physical Review Letters.
وتُعد بلازما الكواركات والغلوونات حالة من المادة تتحرر فيها الكواركات والغلوونات، وهي المكونات الأساسية للبروتونات والنيوترونات، من قيودها المعتادة داخل الهدرونات، لتشكل بلازما متحركة بحرية نسبية، ويُعتقد أن هذه الحالة كانت تعبئ الكون بأكمله خلال اللحظات الأولى من عمره، قبل أن تبرد المادة وتتشكل البروتونات والنيوترونات المعروفة اليوم. ويمنح الوصول إلى هذه الحالة من المادة في المختبر، ولو للحظات قصيرة للغاية، الباحثين فرصة نادرة لدراسة خصائص مادة الكون في أولى لحظات وجوده بطريقة مباشرة وقابلة للقياس، بدلاً من الاعتماد فقط على نماذج نظرية أو ملاحظات فلكية غير مباشرة لتلك الحقبة البدائية من تاريخ الكون.
واستخدم الفريق في هذه التجربة بيانات تصادمات نوى أكسجين سُجّلت عام 2021 عند طاقة بلغت 200 مليار إلكترون فولت لكل زوج من النيوكليونات، وهي طاقة تقل كثيراً عن الطاقة التي تتجاوز خمسة آلاف مليار إلكترون فولت المستخدمة في تجارب مماثلة أُجريت في مصادم الهدرونات الكبير التابع للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن". كما تحتوي نواة الأكسجين على ثمانية بروتونات وثمانية نيوترونات فقط، مقارنة بنواة الذهب التي تحتوي على 79 بروتوناً و118 نيوتروناً، وهي النوى الأثقل التي تُستخدم عادة في مثل هذه التجارب لضمان ظهور إشارات بلازما الكواركات والغلوونات بوضوح.
ورصد الباحثون ظاهرة تُعرف بإخماد النفثات الجسيمية، حيث تفقد نفثات الجسيمات عالية الطاقة الناتجة عن التصادم جزءاً من طاقتها أثناء عبورها وسط البلازما الساخنة الكثيفة الناتجة عن التصادم، وسجّل الفريق إخماداً بنسبة 20 بالمئة في طاقة الجسيمات عالية الطاقة الناتجة، وذلك من خلال مقارنة نفثات متقابلة قرب حافة منطقة التصادم مع نفثات ناتجة من تصادمات مباشرة ومركزية، وأيضاً مع تصادمات هامشية طفيفة لا يُتوقع أن تولّد بلازما الكواركات والغلوونات أصلاً، لتكون مرجعاً للمقارنة.
وقالت الباحثة رونغ رونغ ما، الفيزيائية في تجربة STAR، إن الهدف من هذا النوع من التجارب هو تحديد أصغر نظام تصادمي ممكن يمكن رصد إشارة إخماد نفثات واضحة لا لبس فيها فيه، في حين أوضح الباحث لي يي، الذي تولى الإشراف على تحليل بيانات STAR، أن التصادمات ذات الطاقة الأعلى تزيد من احتمال تشكّل عدد أكبر من الكواركات والغلوونات، وهو ما يفسر توقع ظهور إشارة إخماد أقوى في تجارب سيرن ذات الطاقة الأعلى بكثير.
وتحمل هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تضع حداً أدنى جديداً للشروط اللازمة لتشكّل بلازما الكواركات والغلوونات في أنظمة تصادم صغيرة الحجم، في وقت ظل هذا السؤال محل نقاش علمي مستمر دون وجود إشارة قاطعة له في الأنظمة الصغيرة حتى الآن. ويساعد تحديد هذا الحد الأدنى الباحثين على رسم صورة أوضح للظروف الدقيقة التي ولدت فيها هذه الحالة من المادة في الكون المبكر، ومتى بدأت تلك الحالة في التلاشي مع تمدد الكون وبرودته التدريجية.
تشارك مؤسسات علمية عربية في شبكات البحث الفيزيائي الدولية، إذ يُشكّل مشروع مسرّع سيزامي (SESAME) في الأردن - أول مسرّع جسيمات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا - نموذجاً للتعاون العلمي الإقليمي في فيزياء الجسيمات. وتعكس هذه التجربة الأمريكية أهمية الاستثمار في البنية التحتية للبحث العلمي الأساسي، الذي يُمثّل ركيزة لمستقبل الاقتصادات المعرفية التي تسعى إليها دول الخليج ضمن مساعي التنويع الاقتصادي.
وشاركت في هذه الدراسة مؤسسات بحثية من الولايات المتحدة والصين، من بينها جامعة شاندونغ وجامعة ييل، بدعم من وزارة الطاقة الأمريكية والمؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم وجهات تمويل دولية أخرى. وجمعت تجربتا STAR وsPHENIX بيانات إضافية عن تصادمات نوى الأكسجين خلال الدورة التشغيلية الأخيرة لمصادم RHIC، التي انتهت في فبراير 2026 بعد أن عمل المصادم منذ عام 2000، على أن يخضع هذا الكمّ الإضافي من البيانات لتحليل مفصّل في الفترة المقبلة قد يرسّخ هذه النتائج أو يضيف إليها تفاصيل جديدة. ويرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في تحليل البيانات الإضافية التي جُمعت في الدورة التشغيلية الأخيرة لمصادم RHIC بمزيد من التفصيل، بهدف تضييق نطاق عدم اليقين حول الحد الأدنى الدقيق لحجم وطاقة التصادم اللازمين لتشكّل بلازما الكواركات والغلوونات، وهي معلومة تحمل قيمة نظرية كبيرة لفيزياء الجسيمات وعلم الكونيات على حد سواء.
المزيد من علوم

علماء يكتشفون جنساً جديداً من أسماك شبيهة بفرس البحر لم يرها أحد حياً
تحليل بالتصوير المقطعي الدقيق والحمض النووي يكشف أن ثلاثة أسماك نادرة من المياه العميقة قبالة جنوب أستراليا، عُرفت من سبع عينات فقط منذ 65 عاماً، تنتمي إلى جنس تطوري جديد مستقل عن فرس البحر.

باحثون يكتشفون سبيكتين معدنيتين تتحديان الكسر عند برودة الفضاء القصوى
فريق دولي من بيركلي وأكسفورد يكتشف سبيكتين من النيوبيوم والتيتانيوم تحافظان على مطيليتهما عند -253 درجة سلسيوس، بفضل آلية بلورية جديدة قد تغيّر تصميم مواد الفضاء والطاقة.

رياح المستعرات العظمى تعيق الضوء.. هابل يراجع فهم إعادة التأيين الكوني
رصد تلسكوب هابل لمجرات انفجار نجمي قريبة يكشف أن رياح المستعرات العظمى تُعيق هروب الإشعاع المؤيّن بدل أن تُسهّله، في مفارقة تُعيد النظر في فهم العلماء لإعادة التأيين الكوني.

دراسة: الاحترار العالمي يتسارع منذ 2015 بمعدل يقارب ضعف وتيرته السابقة
خلصت دراسة جديدة في مجلة Geophysical Research Letters إلى أن معدل الاحترار العالمي تسارع بشكل ملحوظ منذ عام 2015 ليبلغ نحو 0.35 درجة مئوية كل عقد، بثقة إحصائية تتجاوز 98%.

سور عمره 4000 عام في المغرب يعيد كتابة تاريخ شمال أفريقيا
تنقيبات في موقع وادي بهت بالمغرب تكشف أقدم تحصين دفاعي مؤكد في شمال أفريقيا خارج مصر، يعود لنحو 4000 عام ويغيّر فهمنا لتاريخ المنطقة.

دراسة جديدة: نظام نجمي ثنائي قريب قد يخفي كواكب صالحة للحياة
رصد علماء الفلك لمدة قرن كشف أن تذبذباً حيّر الباحثين منذ عام 1855 في نظام 70 الحواء الثنائي سببه نشاط نجمي لا كوكب عملاق، مما يفتح الباب لوجود كواكب صخرية أصغر.