مسبار المثابرة يكسر الرقم القياسي للمسافة المقطوعة على كوكب آخر
تجاوز مسبار ناسا المثابرة في 11 أكتوبر رقماً قياسياً استمر عقدين، بعدما قطع أكثر من 45 كيلومتراً على سطح المريخ خلال نحو خمس سنوات ونصف فقط، بفضل نظام ملاحة ذاتية يحلل محيط المسبار ويختار مساره بنفسه.

كسر مسبار "المثابرة" (Perseverance) التابع لوكالة ناسا الرقم القياسي للمسافة المقطوعة على سطح جسم آخر غير الأرض، بعدما بلغ عداد مسافته 45.22 كيلومتراً (28.10 ميلاً) في الحادي عشر من أكتوبر الجاري، متجاوزاً بذلك الرقم السابق البالغ 45.16 كيلومتراً الذي حققه مسبار "الفرصة" (Opportunity) على مدى قرابة خمسة عشر عاماً. واللافت أن "المثابرة" أنجز هذه المسافة خلال نحو خمس سنوات ونصف فقط، أي بأقل من ثلث الوقت الذي احتاجه سلفه، في اليوم المريخي رقم 2006 منذ هبوطه.
ويتجه المسبار حالياً نحو موقع يُدعى "إيدوبي"، يقع خلف الحافة الغربية لفوهة "جزيرو" في منطقة تُعرف باسم "لاك دو شارم"، حيث يأمل العلماء العثور على أدلة على أنظمة حرارية مائية قديمة قد تكون دعمت نشأة حياة بدائية قبل مليارات السنين. ونظراً لافتقار المريخ إلى الصفائح التكتونية التي أعادت تشكيل سطح الأرض وأزالت آثار تاريخها الجيولوجي القديم، فإن صخور حافة الفوهة، التي تشكّل بعضها نتيجة ارتطامات وقعت قبل نحو أربعة مليارات سنة، محفوظة هناك بحالة أفضل بكثير مما يمكن العثور عليه على كوكبنا. وقد جمع المسبار حتى الآن 29 عينة من الصخور والتربة الكوكبية من قاع الفوهة ومن دلتا نهر قديم ومن حافتها، في وقت سبق أن رصد فيه الباحثون عند صخرة تُدعى "شلالات تشيافا" ما قد يكون توقيعاً بيولوجياً محتملاً، وإن كانوا يحذرون من أن عمليات غير حيوية يمكن أن تنتج مؤشرات مشابهة.
ويعود الفضل في هذا الإنجاز إلى نظام الملاحة الذاتية "أوتونافيف" (AutoNav)، الذي يتيح للمسبار التحرك دون الحاجة إلى تعليمات تفصيلية مرسلة من الأرض لكل خطوة. فالنظام يلتقط صوراً لمحيطه، ويبني خريطة ثلاثية الأبعاد للعوائق المحتملة، ثم يختار بنفسه أكثر الطرق أماناً للوصول إلى الوجهات التي يحددها فريق التحكم الأرضي، في عملية يصفها المهندسون بأنها "تفكير أثناء القيادة". ويستطيع المسبار قطع ما يصل إلى 412 متراً في اليوم المريخي الواحد، ويحلل النظام أكثر من 90 بالمئة من إجمالي المسافة التي يقطعها المسبار ذاتياً، مقارنة بنحو خمسة بالمئة فقط في حالة مسباري "الفرصة" و"روح" الأقدم. وللمقارنة، اكتفى أول مسبار مريخي أمريكي "سوجورنر" بتقييم عشرين نقطة قياس فقط لاختيار مساره، بينما يحلل "المثابرة" نحو 600 ألف نقطة في كل مسح للتضاريس.
وقال ستيفن لي، مدير مشروع مسباري "كيوريوسيتي" و"المثابرة" في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، إن المهمة الأصلية كانت تستهدف قطع مسافة لا تتجاوز 20 كيلومتراً فقط، وقد "تجاوز المسبار هذا الرقم بفارق كبير". أما مارك ميموني، نائب رئيس فريق العمليات الآلية، فأوضح أن البرمجيات الأحدث علّمت المسبار أن "يوجّه عجلاته بقدر أقل وأن يتدحرج أكثر"، مع مراجعة موقعه مقابل خرائط مدارية أثناء التحرك. ومن التحديات التي لا تزال قائمة، أن وهج أشعة الشمس القوية يؤثر على كاميرات الملاحة عندما يتجه المسبار نحوها، ما يضطر الفرق حالياً لإيقاف القيادة في منتصف فترة بعد الظهر في تلك الحالات، وحل هذه المشكلة قد يطيل يوم العمل الفعلي للمسبار.
ووافقت ناسا على التمديد الأول لمهمة "المثابرة"، لتستمر من أكتوبر الجاري حتى نهاية عام 2028 تقريباً، حيث سيواصل المسبار استكشاف حافة الفوهة قبل التوجه جنوباً نحو وجهة مستقبلية تُدعى "شلالات قوس قزح"، وهي كتلة من القشرة القديمة بعرض مئة متر دفعها إلى السطح الارتطام الذي شكّل فوهة "جزيرو" أصلاً. وللمقارنة التاريخية، فإن رواد بعثة "أبولو 17" قطعوا 35.7 كيلومتراً على سطح القمر عام 1972، بينما غطى المسبار السوفيتي "لونوخود 2" مسافة 39 كيلومتراً عام 1973، وهي أرقام تجاوزها "المثابرة" أيضاً. ويرى العلماء أن هذا التقدم في الملاحة الذاتية لا يمثل مجرد رقم قياسي، بل يعني فعلياً قدرة أكبر على الوصول لمزيد من التكوينات الجيولوجية ودراستها، وهو ما يصب مباشرة في هدف المهمة الأساسي: إعادة بناء تاريخ المريخ البيئي وتقييم ما إذا كان الكوكب قد وفر يوماً ظروفاً صالحة للحياة.
ويرتبط هذا الإنجاز ارتباطاً مباشراً بالطموح العربي في استكشاف الفضاء؛ فمسبار الأمل الإماراتي، الذي أُطلق عام 2021 وأتمّ رحلته إلى مدار المريخ بنجاح باهر، يمثل نموذجاً إقليمياً رائداً للحضور العربي في استكشاف الكوكب الأحمر، وإن تمحورت رسالته حول دراسة مناخه وغلافه الجوي. وتُقدّم التطورات المتلاحقة في تقنيات الملاحة الذاتية كنظام AutoNav دروساً عملية لا غنى عنها لفرق الهندسة الفضائية العربية التي تُعدّ لمشاريع استكشاف مستقبلية أكثر تعقيداً، من بينها ما تتطلع إليه المملكة العربية السعودية من إطلاق مسبارات مريخية ضمن برنامجها الفضائي الناشئ.
ويشدد مسؤولو المهمة على أن هذا الرقم القياسي ليس غاية بحد ذاته، بل انعكاس مباشر لتحسّن قدرات الملاحة الذاتية التي تمنح العلماء وصولاً أوسع إلى تضاريس كانت صعبة المنال سابقاً. ومع استمرار تطوير هذه البرمجيات، يتوقع المهندسون أن تتمكن أجيال مقبلة من المسبارات من قطع مسافات أكبر في وقت أقصر، ما يرفع كفاءة كل بعثة ويقلص الفجوة الزمنية بين الهبوط على سطح كوكب آخر وبدء جمع بيانات علمية ذات قيمة حقيقية.
المزيد من فضاء

قلوب رواد الفضاء تجتاز اختباراً حاسماً استعداداً للمريخ
دراسة أمريكية تتبعت قلوب 13 رائد فضاء خلال ستة أشهر على محطة الفضاء الدولية، ووجدت أن الرياضة المنتظمة أثناء الرحلة تحافظ على أداء القلب، الذي تجاوز اختباراً لمحاكاة جاذبية المريخ المنخفضة دون مؤشرات إجهاد تُذكر.

شركة إسبانية ناشئة تعالج أعطالاً في أول رحلة لمركبتها الفضائية للنقل المداري
شركة يو إيه آر إكس سبيس الإسبانية تتجاوز انقطاعاً في الاتصال بمركبتها أوسي-دي بعد خطأ في ضبط محطة أرضية، وتنجح في إطلاق أقمار العملاء رغم ذلك.

روكيت لاب تؤجل مجدداً أول انطلاق لصاروخها نيوترون بسبب عيب في المركبات الكربونية
تكتشف روكيت لاب فجوات هوائية في قباب خزانات الوقود الكربونية لصاروخها نيوترون الجديد، مما يدفع أول انطلاق للصاروخ متوسط الحمولة إلى عام 2027 بعد تأخيرات متكررة منذ 2021.

علماء ناسا يوضحون ما تحمله مهمة أرتميس الثالثة قبل العودة إلى القمر
عالمة في فريق أرتميس الثالثة تشرح كيف تحوّلت المهمة إلى بروفة مدارية لا هبوط قمري، وما الذي يمكن أن يتعلمه البشر من دراسة فوهات القمر القديمة عن تاريخ الأرض نفسها.

ناسا تُنعش مهمتي دافنشي وفيريتاس بعد سنوات من التهديد بالإلغاء
بعد سنوات من شبح الإلغاء وتقليص الموازنة، تتجه مهمتا دافنشي وفيريتاس التابعتان لناسا إلى الانطلاق نحو كوكب الزهرة في مطلع الثلاثينيات، وسط تفاؤل متجدد لدى علماء الكوكب الساخن.

تلسكوب رومان الفضائي يتجاوز توقعات مهندسي ناسا بنسبة تقارب 30%
ضبط دقيق لمرآة تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي رفع جودة صوره نحو 30% عن المتوقع، في خطوة تعزز قدرته على مسح السماء بحثاً عن أسرار المادة والطاقة المظلمتين.