قلوب رواد الفضاء تجتاز اختباراً حاسماً استعداداً للمريخ

دراسة أمريكية تتبعت قلوب 13 رائد فضاء خلال ستة أشهر على محطة الفضاء الدولية، ووجدت أن الرياضة المنتظمة أثناء الرحلة تحافظ على أداء القلب، الذي تجاوز اختباراً لمحاكاة جاذبية المريخ المنخفضة دون مؤشرات إجهاد تُذكر.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
رائد فضاء تابع لناسا يجلس متعباً على سطح يحاكي المريخ

كشفت دراسة أمريكية جديدة أن قلوب رواد الفضاء تتكيف جيداً مع أشهر طويلة في انعدام الجاذبية، وأنها قادرة على التعامل بكفاءة مع محاكاة الجاذبية المنخفضة على سطح المريخ، خصوصاً عند مواظبة الرواد على ممارسة الرياضة بانتظام أثناء رحلتهم. ونُشرت الدراسة في مجلة "Circulation" تحت عنوان "تأثير الرحلات الفضائية الطويلة على بنية القلب ووظيفته"، وأجراها فريق مشترك من كلية فاينبرغ للطب في جامعة نورث وسترن، ومركز جنوب غرب تكساس الطبي، وكلية ماكغفرن للطب في جامعة تكساس هيوستن، بقيادة الدكتور جيمس توماس.

وتابع الباحثون قلوب ثلاثة عشر رائد فضاء خلال إقامتهم على محطة الفضاء الدولية لفترات بلغت نحو ستة أشهر تقريباً، باستخدام فحوصات مخطط صدى القلب، وهي فحوصات تصويرية تعتمد الموجات فوق الصوتية لدراسة بنية القلب وحركته وكفاءة ضخه للدم. وتميزت الدراسة بأسلوب عملي: فقد أجرى الرواد أنفسهم عمليات المسح لبعضهم بعضاً كل بضعة أسابيع أثناء وجودهم في المدار، بينما يتابع الدكتور توماس التسجيلات من الأرض ويوجههم مباشرة أثناء إجراء الفحص.

وخلال رحلاتهم، التزم الرواد ببرنامج "تدابير الرياضة المضادة" الخاص بناسا، الذي يتضمن ممارسة الرياضة لمدة تصل إلى ساعتين يومياً، موزعة بين ثلاثين إلى خمس وأربعين دقيقة من تمارين التحمل، وستين إلى خمس وسبعين دقيقة من تمارين المقاومة. وبعد عودتهم إلى الأرض، أجرى الباحثون اختباراً خاصاً يتمثل في إمالة الرواد إلى وضعية مرتفعة بزاوية 22 درجة من وضع الاستلقاء، لمحاكاة جاذبية المريخ التي تبلغ نحو 38 بالمئة فقط من جاذبية الأرض.

وأظهرت النتائج أن الأسبوعين الأولين في الفضاء شهدا انخفاضاً في معدل امتلاء القلب وفي حجم الضربة القلبية، أي كمية الدم التي يضخها القلب في كل نبضة واحدة، وهو تراجع متوقع ناتج عن إعادة توزيع سوائل الجسم في بيئة انعدام الجاذبية. غير أن هذه المؤشرات عادت تدريجياً نحو مستوياتها الطبيعية التي كانت عليها قبل الرحلة مع استمرار المهمة. أما في اختبار محاكاة جاذبية المريخ، فقد أدت قلوب الرواد أداءً مماثلاً لأدائها وهم واقفون على الأرض قبل الانطلاق، دون أن تظهر أي علامات واضحة على الإجهاد.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن الممارسة المنتظمة للرياضة تساعد فعلياً في حماية القلب من آثار الجاذبية المنعدمة أو الخمول البدني الطويل، وهي حالة تُعرف علمياً بـ"تراجع اللياقة القلبية". كما تحمل النتائج دلالة عملية مباشرة: فهي تشير إلى أن الرواد قد يكونون قادرين على العمل الفعلي على سطح المريخ دون أن تشكل جاذبيته المنخفضة عبئاً قلبياً خطيراً عليهم، شريطة الحفاظ على نظام رياضي صارم خلال الرحلة الطويلة التي تستغرق عادة أشهراً عدة في الفضاء قبل الوصول إلى الكوكب الأحمر.

ومع ذلك، يشدد فريق البحث على أن حجم العينة المدروسة صغير نسبياً، إذ اقتصر على ثلاثة عشر رائداً فقط، وأن اختبار جاذبية المريخ كان محاكاة أرضية باستخدام تقنية الإمالة، وليس اختباراً فعلياً في بيئة مريخية حقيقية. ومع هذا التحفظ، تُعد النتائج من أكثر الدراسات تفصيلاً حتى الآن حول استعداد الجهاز القلبي الوعائي البشري لرحلات الفضاء الطويلة الأمد، في وقت تستعد فيه وكالات فضاء عدة، من بينها ناسا، لتخطيط بعثات مأهولة محتملة إلى المريخ خلال العقود القادمة، ما يجعل فهم استجابة القلب البشري لهذه البيئة القاسية أحد الاعتبارات الطبية الحاسمة في تصميم أي بعثة من هذا النوع.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ظل التخطيط الجاري لبعثات طويلة الأمد إلى القمر ضمن برنامج أرتميس، والتي قد تشكل محطة اختبار وسيطة قبل أي رحلة فعلية إلى المريخ.

ويتصل هذا البحث مباشرة بالطموحات الفضائية العربية المتصاعدة؛ إذ سبق أن أبهر رائد الفضاء الإماراتي سلطان النيادي العالم بإقامته على محطة الفضاء الدولية لستة أشهر متواصلة، وهي المدة ذاتها التي اعتمدتها هذه الدراسة لرصد التحولات في القلب. وفيما تتأهب الإمارات والسعودية لبعثات فضائية مستقبلية طموحة، يغدو فهم صحة رواد الفضاء خلال الرحلات الطويلة عاملاً استراتيجياً يعني الكوادر الطبية وقيادات وكالات الفضاء العربية على حد سواء، لا سيما أن برامج التدريب البدني الخاصة بالرواد تحتاج إلى أسس علمية متينة لضمان سلامة رواد الفضاء العرب في المستقبل.

ويرى الباحثون أن تطوير بروتوكولات رياضية مخصصة، إلى جانب أدوات مراقبة قلبية محمولة يسهل استخدامها ذاتياً في الفضاء دون تدخل طبي متخصص، سيكون عنصراً أساسياً في أي تصميم مستقبلي لمركبات الفضاء العميق، نظراً لصعوبة التدخل الطبي الفوري في حال حدوث مضاعفات قلبية بعيداً عن الأرض.

المصدر الأصلي
ScienceDaily (Circulation)
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من صحة

مسبار المثابرة التابع لناسا على سطح المريخ

مسبار المثابرة يكسر الرقم القياسي للمسافة المقطوعة على كوكب آخر

تجاوز مسبار ناسا المثابرة في 11 أكتوبر رقماً قياسياً استمر عقدين، بعدما قطع أكثر من 45 كيلومتراً على سطح المريخ خلال نحو خمس سنوات ونصف فقط، بفضل نظام ملاحة ذاتية يحلل محيط المسبار ويختار مساره بنفسه.

ScienceDaily (NASA/JPL-Caltech)
وجبة سريعة من البرغر والبطاطا المقلية وقطع الدجاج

دراسة أمريكية ضخمة: لا رابط عام بين الغذاء فائق المعالجة وسرطان القولون

تتبعت دراسة لأكثر من 460 ألف أمريكي لمدة 19 عاماً تقريباً العلاقة بين الغذاء فائق المعالجة وسرطان القولون والمستقيم، ووجدت أن اللحوم المصنّعة فقط هي من ارتبطت بزيادة المخاطر، بينما ارتبطت الألياف والحبوب الكاملة بانخفاضها.

ScienceDaily (PLOS Medicine)
تصور فني لخلايا جذعية في طبق مختبري

علماء ألمان يحوّلون خلايا الدم إلى خلايا جذعية عصبية أصغر بـ60 عاماً

فريق بحثي ألماني أعاد برمجة خلايا دم من متبرع في الثمانين من عمره لتتحول إلى خلايا جذعية عصبية يقل عمرها البيولوجي عن 20 عاماً، في نموذج مختبري واعد لفهم الشيخوخة الخلوية.

ScienceDaily (University of Bonn)
رسم توضيحي لمركبة النقل المداري أوسي-دي في الفضاء

شركة إسبانية ناشئة تعالج أعطالاً في أول رحلة لمركبتها الفضائية للنقل المداري

شركة يو إيه آر إكس سبيس الإسبانية تتجاوز انقطاعاً في الاتصال بمركبتها أوسي-دي بعد خطأ في ضبط محطة أرضية، وتنجح في إطلاق أقمار العملاء رغم ذلك.

SpaceNews
شريحة لحم أحمر طازجة مطبوخة فوق طاولة

علماء يربطون سكراً غريباً في اللحوم الحمراء بارتفاع خطر السكري بنسبة 63 بالمئة

دراسة فرنسية واسعة تكشف أن السكر الحيواني "نيو5جي سي" الموجود في لحوم الأبقار والضأن قد يرفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني عبر آلية مناعية التهابية جديدة.

ScienceDaily / European Association for the Study of Diabetes
تصور علمي لجزيء الحمض النووي بجانب رسم للدماغ البشري

علماء يكتشفون سبب نجاة بعض حاملي الجين الأخطر من الزهايمر

دراسة جديدة تربط طفرة نادرة في جين الفيبرونكتين بحماية بعض حاملي متغيّر APOE ε4 من تدهور الذاكرة، وتفتح الباب أمام علاجات تستهدف الحاجز الدموي الدماغي.

ScienceDaily / Columbia University Irving Medical Center
قلوب رواد الفضاء تجتاز اختباراً حاسماً استعداداً للمريخ — ألمعي