علماء ألمان يحوّلون خلايا الدم إلى خلايا جذعية عصبية أصغر بـ60 عاماً

فريق بحثي ألماني أعاد برمجة خلايا دم من متبرع في الثمانين من عمره لتتحول إلى خلايا جذعية عصبية يقل عمرها البيولوجي عن 20 عاماً، في نموذج مختبري واعد لفهم الشيخوخة الخلوية.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
تصور فني لخلايا جذعية في طبق مختبري

تمكّن فريق بحثي من جامعة بون ومستشفاها الجامعي في ألمانيا من إعادة برمجة خلايا دم مأخوذة من متبرع يبلغ من العمر ثمانين عاماً، وتحويلها إلى خلايا جذعية عصبية يقل عمرها البيولوجي عن عشرين عاماً، في إنجاز علمي نُشر في مجلة "Aging Cell" يفتح نافذة جديدة لفهم آليات الشيخوخة الخلوية وسبل مقاومتها.

قاد الدراسة البروفيسور أوليفر بروستله، مدير معهد علم الأحياء العصبي الترميمي في مستشفى جامعة بون، بالتعاون مع باحثين من جامعة بون وجامعة آخن للتكنولوجيا (RWTH Aachen)، من بينهم ليا جيسيكا بيرغ ويوليا فرانتسن وأندرياس بونيس وفولفغانغ فاغنر. واعتمد الفريق على أسلوب مختلف عن الطرق التقليدية لإعادة برمجة الخلايا، إذ حوّل خلايا الدم الحمراء غير الناضجة مباشرة إلى خلايا جذعية عصبية، متجاوزاً مرحلة الخلية الجذعية متعددة القدرات التي كانت تُستخدم في الأبحاث السابقة كخطوة وسيطة إلزامية.

تعتمد عملية إعادة البرمجة هذه على عوامل النسخ، وهي بروتينات متخصصة قادرة على تفعيل أو تعطيل مجموعات معينة من الجينات داخل الخلية، فتدفعها لتغيير هويتها الوظيفية بالكامل. ولتتبع التغير في العمر البيولوجي للخلايا خلال هذه العملية، استعان الباحثون بما يُعرف بالساعة فوق الجينية، وهي أداة تقيس أنماط مَثْيَلَة الحمض النووي، وهي تعديلات كيميائية تتراكم على الحمض النووي مع التقدم في العمر دون أن تغيّر تسلسله الوراثي.

وأظهرت النتائج أن عملية التجديد لم تحدث دفعة واحدة، بل تدريجياً على مدى أكثر من مئة يوم من المراقبة المخبرية، إذ لوحظ انخفاض العمر البيولوجي بنحو ستين عاماً بعد خمسين يوماً من بدء إعادة البرمجة. وتكمن أهمية هذا التدرج في أنه مكّن الباحثين من رصد اللحظة الدقيقة التي تبدأ فيها الخلية بالتحول، ومن ثم دراسة العوامل التي تسرّع هذا التحول أو تبطئه.

ولم يتوقف الباحثون عند قياس العمر الجزيئي فحسب، بل أكدوا أن الخلايا المعاد برمجتها لا تبدو شابة وفق المؤشرات الجزيئية وحدها، بل تتصرف فعلياً كخلايا شابة من الناحية الوظيفية أيضاً. ويستند هذا الاستنتاج إلى أعمال سابقة للفريق نفسه أظهرت أن الخلايا العصبية المنتجة بهذه الطريقة قادرة على الاندماج مع الخلايا العصبية القائمة فعلاً بعد زراعتها في أدمغة فئران تجارب.

وتأتي هذه الدراسة في سياق أوسع من الأبحاث العالمية حول إعادة البرمجة الخلوية، التي انطلقت أساساً من اكتشاف الباحث الياباني شينيا ياماناكا عوامل جينية قادرة على إعادة الخلايا البالغة إلى حالة جذعية متعددة القدرات، وهو إنجاز حاز عنه جائزة نوبل في الطب عام 2012. وبينما ركزت معظم الأبحاث اللاحقة على استخدام هذه العوامل بكامل قوتها لإعادة الخلية إلى نقطة الصفر الجنينية، يختبر فريق بون نهجاً أكثر اعتدالاً يستهدف تجديد الخلية جزئياً دون محو هويتها بالكامل، وهو ما قد يقلل من المخاطر المرتبطة بفقدان الخلية لذاكرتها الوظيفية أو تحولها إلى خلايا غير منضبطة النمو.

يرى الباحثون أن هذا النموذج المختبري البطيء والقابل للرصد يمثل أداة قيّمة لدراسة آلية التجدد الخلوي بحد ذاتها، بعيداً عن مجرد الوصول إلى نتيجة نهائية. فمن خلال تتبع كل مرحلة من مراحل التحول، يمكن للعلماء تحديد النقاط التي يمكن عندها التدخل لتعزيز قدرة الخلايا على التجدد أو إبطاء شيخوختها. ويعتقد الفريق أن هذا الفهم قد يساعد لاحقاً في توضيح التغيرات الخلوية المرتبطة بأمراض الدماغ التنكسية المرتبطة بالعمر، مثل مرض الزهايمر.

ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن الدراسة لا تمثل بأي حال علاجاً جاهزاً لعكس الشيخوخة لدى البشر، وأن النتائج تقتصر حتى الآن على بيئة المختبر وخلايا معزولة. فالطريق لا يزال طويلاً بين إثبات إمكانية تهيئة خلية واحدة في طبق مختبري وبين تطوير تدخل علاجي آمن وفعال على مستوى الجسم كله.

تلقت الدراسة تمويلاً من برنامج "آفاق 2020" التابع للاتحاد الأوروبي، ومؤسسة البحوث الألمانية، ووزارة البحث والتكنولوجيا والفضاء الاتحادية الألمانية، وتأتي ضمن موجة متصاعدة من الأبحاث العالمية التي تسعى لفهم الشيخوخة كعملية بيولوجية قابلة للتعديل الجزئي، لا كمصير حتمي لا رجعة فيه.

وفي المنطقة العربية، تُشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن أمراض الدماغ التنكسية كالزهايمر باتت مصدر قلق متنامٍ في دول الخليج ودول المغرب العربي، في ظل الارتفاع المتصاعد في متوسط أعمار السكان. وقد أطلقت مراكز بحثية في الإمارات والمملكة العربية السعودية، ومنها المجلس الاستشاري الطبي لمؤسسة صحة أبوظبي وعدد من المستشفيات التعليمية السعودية، برامج لدراسة الخلايا الجذعية وأمراض الأعصاب. ويرى خبراء طب الدماغ العرب أن أبحاث الشيخوخة الخلوية كهذه، وإن كانت مبكرة، قد تُرسم مستقبلاً مساراتٍ علاجية جديدة لمرضى الخرف في المنطقة إذا ما نُقلت من المختبر إلى التطبيق السريري.

ويرى مراقبون أن نتائج كهذه، وإن كانت بعيدة عن التطبيق السريري المباشر، تمنح العلماء خريطة طريق أدق لفهم اللحظة التي تنقلب فيها خلية عجوزة إلى خلية فتية من جديد.

المصدر الأصلي
ScienceDaily (University of Bonn)
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

رائد فضاء تابع لناسا يجلس متعباً على سطح يحاكي المريخ

قلوب رواد الفضاء تجتاز اختباراً حاسماً استعداداً للمريخ

دراسة أمريكية تتبعت قلوب 13 رائد فضاء خلال ستة أشهر على محطة الفضاء الدولية، ووجدت أن الرياضة المنتظمة أثناء الرحلة تحافظ على أداء القلب، الذي تجاوز اختباراً لمحاكاة جاذبية المريخ المنخفضة دون مؤشرات إجهاد تُذكر.

ScienceDaily (Circulation)
وجبة سريعة من البرغر والبطاطا المقلية وقطع الدجاج

دراسة أمريكية ضخمة: لا رابط عام بين الغذاء فائق المعالجة وسرطان القولون

تتبعت دراسة لأكثر من 460 ألف أمريكي لمدة 19 عاماً تقريباً العلاقة بين الغذاء فائق المعالجة وسرطان القولون والمستقيم، ووجدت أن اللحوم المصنّعة فقط هي من ارتبطت بزيادة المخاطر، بينما ارتبطت الألياف والحبوب الكاملة بانخفاضها.

ScienceDaily (PLOS Medicine)
شريحة لحم أحمر طازجة مطبوخة فوق طاولة

علماء يربطون سكراً غريباً في اللحوم الحمراء بارتفاع خطر السكري بنسبة 63 بالمئة

دراسة فرنسية واسعة تكشف أن السكر الحيواني "نيو5جي سي" الموجود في لحوم الأبقار والضأن قد يرفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني عبر آلية مناعية التهابية جديدة.

ScienceDaily / European Association for the Study of Diabetes
تصور علمي لجزيء الحمض النووي بجانب رسم للدماغ البشري

علماء يكتشفون سبب نجاة بعض حاملي الجين الأخطر من الزهايمر

دراسة جديدة تربط طفرة نادرة في جين الفيبرونكتين بحماية بعض حاملي متغيّر APOE ε4 من تدهور الذاكرة، وتفتح الباب أمام علاجات تستهدف الحاجز الدموي الدماغي.

ScienceDaily / Columbia University Irving Medical Center
تصور فني لدماغ بشري شفاف تنتقل فيه إشارات ضوئية متوهجة

جائزة نوبل 2026 في الطب تُكرّم علماء تحكّموا في خلايا الدماغ بالضوء

كارل ديسروث وبيتر هيغمان وجورغ ناغل يفوزون بجائزة نوبل في الطب عن تطوير علم الوراثة الضوئية، تقنية تتيح التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء.

ScienceDaily / The Conversation
جسيمات بلاستيكية دقيقة في الماء

دراسة جديدة: الماء نفسه قد يحوّل الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إلى خطر خفي

باحثون في كولومبيا وبيركلي يكشفون أن ملامسة الماء تجعل سطح الجسيمات البلاستيكية الدقيقة نشطاً كيميائياً، منتجة جذوراً حرة قد تضر بخلايا الدم والأنسجة الحية.

Wired
علماء ألمان يحوّلون خلايا الدم إلى خلايا جذعية عصبية أصغر بـ60 عاماً — ألمعي