جائزة نوبل 2026 في الطب تُكرّم علماء تحكّموا في خلايا الدماغ بالضوء

كارل ديسروث وبيتر هيغمان وجورغ ناغل يفوزون بجائزة نوبل في الطب عن تطوير علم الوراثة الضوئية، تقنية تتيح التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
تصور فني لدماغ بشري شفاف تنتقل فيه إشارات ضوئية متوهجة

مُنحت جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2026 لثلاثة علماء هم كارل ديسروث، وبيتر هيغمان، وجورغ ناغل، تقديراً لعملهم على "القنوات الأيونية البوابية بالضوء وعلم الوراثة الضوئية"، وهي تقنية أحدثت نقلة جوهرية في فهم الباحثين لآليات عمل الدماغ وفتحت آفاقاً جديدة في علاج أمراض عصبية متعددة.

وتعود جذور هذا الاكتشاف إلى بحث أساسي أجراه هيغمان، من جامعة همبولت في برلين، وناغل، من جامعة فورتسبورغ، حول الطريقة التي تستشعر بها طحالب أحادية الخلية تُعرف باسم "كلاميدوموناس" وجود الضوء. وتوصل الباحثان إلى أن هذه الطحالب تعتمد على بروتين واحد يُدعى "قناة الرودوبسين"، إذ يؤدي سقوط الضوء على جزيء الريتينالديهيد المدمج داخل هذا البروتين إلى تغيير شكله، فتنفتح قناة أيونية في غشاء الخلية تسمح بدخول أيونات موجبة الشحنة كالصوديوم، فتُنتج إشارة كهربائية تساعد الطحلب على السباحة نحو الضوء.

وأدرك الباحثون لاحقاً أن زرع بروتين "قناة الرودوبسين" داخل الخلايا العصبية يمكن أن يتيح تشغيل تلك الخلايا باستخدام الضوء فقط، وهي الفكرة التي طوّرها كارل ديسروث، الطبيب النفسي والمهندس الحيوي في جامعة ستانفورد، لتتحول إلى تقنية علم الوراثة الضوئية المتكاملة التي نعرفها اليوم. وتعتمد هذه التقنية على نقل الجين المسؤول عن إنتاج بروتين "قناة الرودوبسين" إلى الخلايا المستهدفة، غالباً عبر فيروس مُعطَّل، ثم تنشيط تلك الخلايا بالضوء، باستخدام ألياف ضوئية مزروعة في الحيوانات التجريبية غالباً.

وقد أظهرت دراسة أُجريت في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2012، وشارك فيها ديسروث نفسه، كيف يمكن وسم خلايا دماغية مرتبطة بالذاكرة كانت نشطة خلال تعرّض فأر لصدمة كهربائية خفيفة، ثم إعادة تنشيط تلك الخلايا تحديداً بالضوء في وقت لاحق، فتجمّد الفأر كما لو كان يستحضر الذكرى المرتبطة بالخوف من جديد. وتُستخدم تقنية علم الوراثة الضوئية اليوم على نطاق واسع كأداة بحثية أساسية لدراسة كيفية تنظيم الدوائر العصبية للذاكرة والنوم والإدراك الحسي والحركة.

وعلى الصعيد العلاجي، تخضع هذه التقنية حالياً لتجارب سريرية في مراحلها الأولى على مرضى يعانون من تنكس الشبكية، حيث تُضاف بروتينات حساسة للضوء إلى خلايا شبكية ما زالت سليمة، في محاولة لاستعادة جزء من قدرة المريض على الرؤية. كما يبحث علماء آخرون في إمكانية توسيع استخدامها لعلاج مرض باركنسون والصرع في المستقبل.

وتلفت هذه الجائزة الانتباه إلى قيمة البحث العلمي القائم على حب الاستطلاع المحض، فقد بدأ هذا المسار البحثي بسؤال أساسي حول كيفية سباحة الطحالب نحو الضوء، من دون أي تطبيق طبي واضح في ذلك الوقت. ويرى روبرت لوكاس، أستاذ علم الأعصاب في جامعة مانشستر، أن نجاح علم الوراثة الضوئية يمثل "دليلاً على أهمية الاستمرار في طرح الأسئلة لمجرد فهم العالم من حولنا"، نظراً لصعوبة التنبؤ المسبق بالتطبيقات التي قد تنتج عن أبحاث أساسية تبدو بعيدة في ظاهرها عن الاستخدام الطبي المباشر.

وتُلهم هذه الجائزة مجتمع الأعصاب والأبحاث الطبية في العالم العربي؛ إذ تضم مراكز بحثية مثل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية وجامعة خليفة في الإمارات فرقاً تعمل في أبحاث علم الأعصاب الحيوي. وعلى الصعيد الإكلينيكي، تُعاني وحدات علاج الصرع ومراكز الأمراض العصبية في مستشفيات القاهرة وبيروت والرياض من شُح الأدوات التشخيصية والعلاجية المتقدمة، مما يجعل أي تقنية تُسرّع الكشف عن الدوائر العصبية المسببة للصرع أو مرض باركنسون ذات قيمة استراتيجية للمنظومة الصحية العربية وللباحثين العرب الساعين للمشاركة في مسارات البحث الطبي الرائدة.

وتُجسّد هذه الجائزة، على مستوى أوسع، نمطاً متكرراً في تاريخ العلوم، حيث تتحول اكتشافات أساسية متواضعة الطموح الأولي إلى أدوات ثورية تُعيد تشكيل مجالات بحثية كاملة. وقد أصبح علم الوراثة الضوئية اليوم من أهم الأدوات المستخدمة في المختبرات العصبية حول العالم، ويُنتظر أن يستمر في تقديم إسهامات جديدة في فهم الدماغ البشري وتطوير علاجات مستقبلية لأمراضه.

المصدر الأصلي
ScienceDaily / The Conversation
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

شريحة لحم أحمر طازجة مطبوخة فوق طاولة

علماء يربطون سكراً غريباً في اللحوم الحمراء بارتفاع خطر السكري بنسبة 63 بالمئة

دراسة فرنسية واسعة تكشف أن السكر الحيواني "نيو5جي سي" الموجود في لحوم الأبقار والضأن قد يرفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني عبر آلية مناعية التهابية جديدة.

ScienceDaily / European Association for the Study of Diabetes
شعاب مرجانية مبيضة بجانب شعاب سليمة ملونة تحت الماء

لمسة واحدة قد تُعيد الحياة للشعاب المرجانية المبيضة في سبعة أسابيع فقط

دراسة جديدة تكشف أن تلامس الشعاب المرجانية المبيضة شدة مع نسخ سليمة مطابقة جينياً يُسرّع تعافيها بشكل غير متوقع، في أسرع حالة تعافٍ موثقة حتى الآن.

ScienceDaily / Stanford Doerr School of Sustainability
تصور علمي لجزيء الحمض النووي بجانب رسم للدماغ البشري

علماء يكتشفون سبب نجاة بعض حاملي الجين الأخطر من الزهايمر

دراسة جديدة تربط طفرة نادرة في جين الفيبرونكتين بحماية بعض حاملي متغيّر APOE ε4 من تدهور الذاكرة، وتفتح الباب أمام علاجات تستهدف الحاجز الدموي الدماغي.

ScienceDaily / Columbia University Irving Medical Center
تصور فني لانهيار جبلي يتسبب في تسونامي داخل مضيق جليدي في ألاسكا

تسونامي ألاسكا العملاق دفع المياه إلى ارتفاع 481 متراً فوق سفح الجبل

انهيار جبلي ناتج عن ذوبان نهر جليدي في ألاسكا تسبب في ثاني أكبر تسونامي مسجل في التاريخ، ويدعو علماء إلى إنشاء نظام إنذار مبكر من هذا النوع من الكوارث.

ScienceDaily / The Conversation
تصور رقمي لعصبونات شبكة عصبية اصطناعية متصلة

جدل واسع: هل نماذج الذكاء الاصطناعي أسهل فهماً مما يُظن؟

باحث سابق في أوبن إيه آي ينشر دراسة مطوّلة يرى فيها أن الشبكات العصبية قد تكون أقرب للفهم من المتوقع، في وقت يحتدم الجدل حول قابلية مراقبة أنظمة الذكاء الاصطناعي.

MIT Technology Review
باحثون يفحصون شعاباً مرجانية مقاومة للحرارة في جزيرة تاتاكوتو ببولينيزيا الفرنسية

إعادة توحيش الجزر المرجانية قد تساعدها على مجاراة ارتفاع مستوى البحر

دراسة على 28 جزيرة مرجانية تكشف أن الطيور البحرية والنباتات الأصلية والشعاب السليمة تشكل منظومة متكاملة قادرة على تعزيز نمو الجزر في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر.

Ars Technica