مرصد جونو الصيني يُحقق قياسات نيوترينو استثنائية في 59 يوماً فحسب
حقّق مرصد جيانغمن الصيني للنيوترينو في 59 يوماً من التشغيل قياسات تفوق دقةً عقوداً من التجارب المتراكمة، وصفتها دورية Nature بأنها فجر حقبة جديدة في فيزياء الجسيمات.

يُعدّ النيوترينو من أكثر جسيمات الكون غموضاً وشحّاً في التفاعل مع المادة؛ فهو يخترق الأجسام الصلبة كالأرض والشمس كما تخترق الريح النسيج الرقيق تقريباً، مما جعل دراسته تحدياً جسيماً يستنفد جهود الفيزيائيين منذ عقود. لذا أثار الإعلان في العاشر من يونيو 2026 عن نتائج مرصد جيانغمن الصيني للنيوترينو المعروف اختصاراً بجونو، موجةً واسعة من الإثارة في الأوساط الأكاديمية العالمية.
يقع مرصد جونو على عمق 700 متر تحت الأرض في مدينة جيانغمن بمقاطعة غوانغدونغ جنوب الصين. ويتكوّن قلبه من 20000 طن من المومض السائل محاط بما يزيد على 20000 أنبوب مضاعف للفوتون قطره 50 سنتيمتراً وآلاف أخرى أصغر حجماً، تلتقط الومضات الضوئية الضعيفة الصادرة عن تفاعلات النيوترينو النادرة في داخله. ويقع الكاشف داخل حوض مائي بعمق 44 متراً يحميه من الإشعاع الكوني الخارجي الذي قد يُشوّش الإشارات.
ما أنجزه المرصد في 59 يوماً من جمع البيانات بين أغسطس ونوفمبر 2025 يتخطّى عقوداً من التجارب السابقة مجتمعةً من حيث الدقة؛ إذ حقّق تحسيناً في دقة قياس معاملات تذبذب النيوترينو بمقدار 1.6 مرة على أحسن ما سبقه. والهدف الرئيسي للمرصد هو حلّ معضلة التسلسل الهرمي لكتلة النيوترينو، أي تحديد أيّ أنواعه الثلاثة الأثقل وأيها الأخف، وهو سؤال مفتوح منذ عقود وله دلالات عميقة على نظرية فيزياء الجسيمات وبنية الكون المبكر.
أشاد الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2015 الأستاذ آرثر ماكدونالد بالإنجاز، إذ أكد أن المرصد استوفى أهدافه التصميمية مُحققاً نقاءً إشعاعياً ودقةً في قياس الطاقة استثنائيَّيْن. وذهبت افتتاحية دورية Nature إلى أن هذه النتائج تُعلن فجر حقبة جديدة من قياسات تذبذب النيوترينو الدقيقة.
ما يُضفي على هذا الإنجاز أهمية تتخطى الأوساط الأكاديمية هو أن النيوترينو لا يصدر عن المفاعلات النووية القريبة التي يعتمد عليها جونو في قياساته فحسب، بل يتدفق أيضاً من أعماق الأرض وشمسنا وانفجارات المستعرات الأعظمية. ويعني ذلك أن جونو بعد جمعه كميات كافية من البيانات سيُصبح نافذة فريدة للنظر إلى داخل الأرض وقياس نشاطها الحراري الجيوحراري، وإلى أعماق الشمس، وربما رصد موجات النيوترينو القادمة من انفجار كوني كبير في مجرّتنا قبل وصول ضوئه بساعات.
ولا يخلو الإنجاز من صلة بالعالم العربي؛ فمرفق SESAME للأبحاث في الأردن، الذي يضمّ في عضويته دولاً كمصر والأردن والبحرين والمغرب والإمارات وتونس وفلسطين، يمثّل نموذجاً رائداً للتعاون العلمي العربي في فيزياء الجسيمات. وأثبتت هذه التجربة الإقليمية أن الانخراط في أرقى مستويات الفيزياء النووية ممكن، مما يُرسّخ الأساس لشراكات مستقبلية مع مرصدية عملاقة كجونو بما يُعزّز حضور الباحثين العرب في هذا الحقل.
يُشكّل جونو جزءاً من موجة دولية من المرصدية الضخمة المخصصة للفيزياء النووية، كمرصد IceCube في القطب الجنوبي، لكنه يتميز بقدرته على قياس طيف طاقة النيوترينو بدقة تحليلية استثنائية لا تُتيحها المرصدية الأخرى. السنوات العشر القادمة من جمع البيانات ستكون محورية في الحسم بشأن الإشكاليات المفتوحة في فيزياء الجسيمات، وفي مقدمتها تسلسل كتلة النيوترينو الذي يُعدّ أحد آخر الأسئلة العالقة في النموذج القياسي للفيزياء النووية.
المزيد من علوم
الحمض النووي لإنسان دينيسوفا المنقرض لا يزال يُشكّل مناعة البشر الحديثين
باحثون من جامعة ييل يكشفون أن التزاوج القديم مع إنسان دينيسوفا أورث البشر الحديثين في أوقيانوسيا أكثر من 3100 متغيّر جيني لا يزال يؤثر في مناعتهم ضد الأمراض حتى اليوم.
علماء يحلّون معضلة تحويل CO₂ إلى وقود ويُضاعفون إنتاج الميثانول ثلاث مرات
طوّر باحثون صينيون محفزاً كيميائياً مبتكراً يتجاوز عقبة الأربعة عقود في تخليق الميثانول من ثاني أكسيد الكربون، محققاً إنتاجية ثلاثة أضعاف المحفزات التجارية الحالية.
شبكات الفطريات الجذرية تمتد تحت الأرض وتعزل 4 مليارات طن كربون سنوياً
كشفت دراسة شاملة في مجلة Science أن الشبكات الفطرية الجذرية تحت التربة تمتد بمسافة مذهلة وتحتجز 11% من انبعاثات الكربون البشرية سنوياً، لكن 95% من بؤرها الحيوية تقع خارج المناطق المحمية.