خلل خفي يهدد أربعين عاماً من فهمنا للموصلات الفائقة
تصوير ثلاثي الأبعاد بالأشعة السينية يكشف أن موصلاً فائقاً دُرس لعقود ليس متجانساً كما كان يُفترض، بل يحتوي على حدود بلورية واسعة قد تضعف توصيله الفائق.

اكتشف فريق بحثي من جامعة ورويك البريطانية خللاً بنيوياً خفياً في أحد أشهر الموصلات الفائقة التي خضعت للدراسة طوال نحو أربعين عاماً، في اكتشاف قد يفرض إعادة النظر في جانب مهم من فيزياء التوصيل الفائق عالي الحرارة. وأظهرت الدراسة، التي نُشرت في مجلة Physical Review Letters، أن هذه المادة التي كان يُفترض أنها متجانسة البنية من الداخل، تحتوي في الواقع على نسيج غير منتظم من ترتيبات ذرية مختلفة.
يقول البروفيسور مارك سن، الذي قاد الدراسة في قسم الكيمياء بجامعة ورويك، إن الافتراض السائد طوال أربعة عقود كان أن هذه المواد متماثلة التركيب في كل أجزائها. لكن النتائج الجديدة تكشف خلاف ذلك تماماً، وتفتح الباب لتفسير أحد الألغاز القديمة في هذا المجال، وهو السبب الذي يجعل بعض نماذج هذه المواد يتفوق في أداء التوصيل الفائق على نماذج أخرى مصنوعة من نفس المادة الأساسية.
الموصلات الفائقة هي مواد تفقد مقاومتها الكهربائية بالكامل عند تبريدها دون درجة حرارة حرجة معينة، مما يسمح بمرور التيار الكهربائي دون أي فقد للطاقة. وتستخدم هذه الخاصية في تطبيقات حيوية مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، ومسرعات الجسيمات، والقطارات المغناطيسية المعلّقة. وتمثل فئة الكوبريت، وهي مركبات سيراميكية أكسيدية تحتوي على النحاس، العمود الفقري لمعظم المواد المعروفة بالتوصيل الفائق عالي الحرارة، أي التي تحافظ على خصائصها الفائقة عند درجات حرارة أعلى نسبياً من الموصلات الفائقة التقليدية.
ولرصد هذا الخلل البنيوي، استخدم الباحثون تقنية متقدمة تُعرف بالتصوير الممسوح ثلاثي الأبعاد بحيود الأشعة السينية، تعمل بطريقة تشبه إلى حد ما التصوير الطبقي المحوري (CT) المستخدم في المستشفيات، لكنها تكشف عن الترتيب الذري الدقيق داخل المادة الصلبة بدلاً من الأنسجة البشرية. وأجرى الفريق قياساته في مرفق أوروبي متخصص للإشعاع السنكروتروني في فرنسا، مستفيداً من ترقية حديثة بقيمة 150 مليون يورو رفعت من دقة هذا المرفق البحثي الكبير.
كشفت القياسات عن وجود ترتيبين ذريين مختلفين بشكل طفيف داخل المادة ذاتها، بدلاً من ترتيب واحد موحّد كما كان متوقعاً. والأهم من ذلك أن الحدود الفاصلة بين هاتين المنطقتين، والمعروفة علمياً بجدران المجال، تبين أنها أوسع بمئات المرات من الحد المتوقع نظرياً، إلى درجة أنها تتصرف تقريباً كبنية مستقلة بذاتها قد تؤثر في طريقة انتقال الإلكترونات عبر المادة.
ويرى الباحثون أن هذه الحدود الواسعة قد تعمل بصورة فعلية ضد ظاهرة التوصيل الفائق نفسها، بمعنى أنها قد تعيق جزئياً تدفق التيار الكهربائي الخالي من المقاومة. وإذا صحّ هذا التفسير، فإنه يقدّم تفسيراً منطقياً لتفاوت الأداء بين نماذج مختلفة من المادة نفسها، وهو تفاوت كان يصعب تفسيره في السابق بالاعتماد فقط على التركيب الكيميائي الإجمالي.
تترتب على هذا الاكتشاف تداعيات أوسع تتجاوز هذه المادة بعينها. فالعديد من القياسات والنتائج العلمية السابقة التي اعتمدت على فرضية التجانس البنيوي قد تحتاج إلى إعادة تفسير في ضوء هذه المعطيات الجديدة. كما يرى الفريق البحثي أن بنى خفية مشابهة قد تكون موجودة في مواد كوبريتية أخرى، وربما في مواد ذات صلة تُدرس تحت ضغوط هائلة في محاولات لتحقيق التوصيل الفائق عند درجات حرارة الغرفة، وهو الهدف الأكبر الذي يسعى إليه الباحثون في هذا المجال منذ عقود.
ويشدد الفريق على أن النظريات المستقبلية التي تحاول تفسير آلية التوصيل الفائق عالي الحرارة في مواد الكوبريت لن تكون مكتملة إن لم تأخذ بعين الاعتبار هذا التعقيد البنيوي الذي ظل خفياً طوال عقود بسبب قصور تقنيات القياس التقليدية عن كشفه. ويمثل هذا البحث مثالاً على كيف يمكن لتطور الأدوات التجريبية، مثل مرافق الإشعاع السنكروتروني المتقدمة، أن يعيد فتح أسئلة كانت تُعد محسومة في الفيزياء الأساسية.
وتمتد دلالات هذا الاكتشاف إلى مشاريع طموحة في المنطقة العربية تعوّل على تقنيات الموصلات الفائقة. فمشروع نيوم في السعودية بما يضمه من مدينة «ذا لاين»، ومشاريع النقل الذكي المرتقبة، تُعدّ من المستفيدين المحتملين من تطور هذه التقنيات. كما تستثمر جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في أبحاث الفيزياء التطبيقية للمواد المتقدمة. وقد يعني هذا الاكتشاف أن بعض الموصلات الفائقة في التطبيقات الواعدة تحتوي على عيوب بنيوية لم تُكشف بعد، مما يستوجب مراجعة معايير الجودة قبل نشرها في البنى التحتية الكبرى.
وتبقى الخطوة التالية بالنسبة للباحثين هي دراسة عينات أخرى من مواد الكوبريت وموصلات فائقة أخرى بالتقنية نفسها، لمعرفة مدى انتشار هذه الظاهرة، وتحديد ما إذا كان التحكم في حجم هذه الحدود البلورية أو التخلص منها يمكن أن يفتح الطريق نحو تصنيع موصلات فائقة أكثر كفاءة في المستقبل.
المزيد من الهندسة الإلكترونية

دراسة جديدة: السبينوصور قضى معظم حياته في الماء لا على البر
باحثون من جامعة ييل يستخدمون تعلم الآلة لتحليل نسب أطراف أكثر من 11 ألف عيّنة، ويؤكدون أن السبينوصور كان مائي المعيشة بدرجة كبيرة خلال العصر الطباشيري.

علماء الفلك يكتشفون ما قد يكون أول قمر خارج المجموعة الشمسية
رصد فريق دولي بتلسكوب "في إل تي" جرماً بكتلة كوكب المشتري يدور حول قزم بني، في أول دليل محتمل على وجود قمر خارجي يتحدى تعريفات الكواكب والأقمار المعروفة.

اكتشاف ثلاثة ثقوب سوداء هائلة في مجرة من فجر الكون
رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك ثلاثة ثقوب سوداء هائلة نشطة تتغذى في آنٍ واحد داخل مجرة واحدة تبعد نحو 12.5 مليار سنة ضوئية، في أول اكتشاف موثق من نوعه في الكون المبكر باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي.
شعاب البحر الأحمر المرجانية الخارقة تبدأ بالتأثر مع تصاعد موجات الحر البحرية
شعاب مرجانية في شمال البحر الأحمر قاومت ابيضاض المرجان لعقود، لكن علماء يرصدون تراجع هذه المناعة وسط خلاف حول سببها الحقيقي الذي قد يحدد مصيرها المستقبلي.

علماء فلك يكتشفون شبكة مغناطيسية خفية فوق مناطق الشمس الهادئة
رصد تلسكوب محمول بمنطاد قبالة الغلاف الوردي للشمس نسيجاً مغناطيسياً دقيقاً ومعقداً في مناطقها الهادئة، يكشف كيف تنتقل الطاقة وتُسخَّن طبقات الشمس العليا.

كوانتينيوم تتجاوز نقطة التعادل في تصحيح الأخطاء الكمومية بفارق كبير مع هيليوس
حاسوب هيليوس الكمي من كوانتينيوم يحقق تحسناً يتجاوز عشر مرات في تصحيح الأخطاء الكمومية مع كل تكبير للكيوبت المنطقي، متجاوزاً نقطة التعادل بفارق غير مسبوق.