شعاب البحر الأحمر المرجانية الخارقة تبدأ بالتأثر مع تصاعد موجات الحر البحرية
شعاب مرجانية في شمال البحر الأحمر قاومت ابيضاض المرجان لعقود، لكن علماء يرصدون تراجع هذه المناعة وسط خلاف حول سببها الحقيقي الذي قد يحدد مصيرها المستقبلي.
تُعرف الشعاب المرجانية في شمال البحر الأحمر، قبالة سواحل مصر، بلقب «المرجان الخارق» لقدرتها الاستثنائية على مقاومة ابيضاض الشعاب المرجانية الذي دمّر أنظمة مرجانية بأكملها حول العالم خلال العقود الأخيرة. لكن موجات الحر البحرية التي ضربت المنطقة في صيفي 2023 و2024 بدأت تكشف أن حتى هذه الشعاب الصامدة ليست محصّنة إلى الأبد، في وقت يختلف فيه العلماء حول السبب الحقيقي وراء مقاومتها، وهو سؤال يرى الباحثون أن الإجابة عنه قد تكون المفتاح لحماية هذه الشعاب في المستقبل.
تمثّل الشعاب المرجانية أقل من واحد في المائة من مساحة قاع المحيطات، لكنها توفر الملجأ والغذاء لما يزيد على ربع أنواع الكائنات البحرية المعروفة، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة. وبينما تعرّضت شعاب مرجانية حول العالم لموجات ابيضاض جماعي متكررة بفعل الاحتباس الحراري، ظلت شعاب البحر الأحمر الشمالية استثناءً لافتاً، إلى درجة أن بعض العلماء يعدّونها من آخر المعاقل المحتملة للمرجان إذا استمر ارتفاع حرارة المحيطات على مستوى العالم.
غير أن مسحاً أجرته جمعية حماية البيئة والحفاظ على الغردقة (HEPCA) بقيادة الباحث محمود حنفي من جامعة قناة السويس، رصد خلال عام 2024 ابيضاضاً متفرقاً في مواقع متعددة بالبحر الأحمر. وفي حين لم تتأثر في الشمال سوى أقل من عُشر المستعمرات المرجانية التي شملها المسح، ارتفعت هذه النسبة في المناطق الجنوبية إلى نحو النصف. ويرى الباحثون أن استقرار سطح البحر بشكل غير معتاد لقرابة ستة أسابيع خلال موجة الحر، إلى جانب انخفاض غير معتاد في مستوى المياه في تموز/يوليو من العام نفسه، قد زادا من الإجهاد الحراري الواقع على الشعاب الضحلة.
ويدور بين العلماء خلاف حول العامل الأهم في تفسير التحمّل الحراري لهذه الشعاب. فالباحث إسلام عثمان من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) يربط هذه القدرة بتاريخ تطوري طويل، حيث يرى أن المرجان دخل البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب الحار جنوباً، الذي عمل كمصفاة طبيعية لم تسمح بالعبور إلا للأنواع والأنماط الجينية الأكثر تحملاً للحرارة على مدى آلاف السنين. ويؤكد عثمان أن ارتفاع درجة الحرارة كان العامل الأساسي في ابيضاض 2024، مع تسليمه بأن هدوء البحر قد يكون فاقم الظاهرة، لكنه يرى أن فرضية الدوران المائي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
في المقابل، يرى محمود حنفي أن الدوران المائي في شمال البحر الأحمر هو العامل الأكثر تأثيراً، حيث تتسبب التيارات المتغيرة في اختلاط رأسي ينقل مياهاً أكثر برودة من الأعماق إلى السطح، فتخفّف بذلك من حدة الإجهاد الحراري على المرجان. ويستند تقرير جمعية الغردقة إلى أن ضعف هذا الدوران كان من العوامل التي ساهمت في ابيضاض 2024. ويشير التقرير العلمي إلى أن التفسيرين -التطوري والمتعلق بالدوران المائي- ليسا متناقضين بالضرورة، بل قد يتكاملان، وأن فهم الوزن النسبي لكل عامل منهما يمكن أن يساعد في التنبؤ بمدى هشاشة هذه الشعاب أمام موجات الحر المقبلة.
على صعيد التعافي، قدّرت جمعية الغردقة بعد مرور عام كامل على موجة ابيضاض 2024 أن نسبة التعافي تراوحت بين 75 و88 في المائة، بحسب نوع المرجان وموقعه، وهي نسبة تتفوق بوضوح على معدلات التعافي البطيئة التي سُجّلت في مناطق مرجانية أخرى حول العالم تعرضت لظواهر مشابهة. وتعمل الحكومة المصرية على تعزيز حماية هذه الشعاب عبر إنشاء محميات بحرية جديدة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العالمي للشعاب المرجانية، في إطار مشروعات للحفاظ على هذه الأنظمة البيئية وإدارتها بشكل مستدام.
ويحذّر إسلام عثمان من أن جهود الحفاظ على الشعاب تحتاج إلى تمويل مستقر وطويل الأمد لتحقق أثرها المطلوب، بينما يشدد محمود حنفي على أن الإجراءات المحلية للحفاظ على البيئة، مهما بلغت فاعليتها، لا تستطيع بمفردها إيقاف ارتفاع حرارة المحيطات عالمياً، وأن الحل الجذري الوحيد يبقى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم.
ويبقى القلق الأكبر لدى الباحثين أن التغير المناخي نفسه قد يُحدث خللاً في أنماط الدوران المائي التي يُعتقد أنها تحمي شعاب البحر الأحمر حالياً، وهو ما قد يقوّض هذه المناعة الاستثنائية مع مرور الوقت. فبينما تبدو هذه الشعاب اليوم نموذجاً نادراً للمرونة المناخية في مواجهة أزمة عالمية، يرى العلماء أن استمرار هذه الميزة ليس مضموناً، وأن حمايتها تتطلب فهماً أعمق لأسباب صمودها، إلى جانب خفض حقيقي وعاجل للانبعاثات التي تقف خلف ارتفاع حرارة المحيطات في المقام الأول.
المزيد من بيئة

علماء فلك يكتشفون شبكة مغناطيسية خفية فوق مناطق الشمس الهادئة
رصد تلسكوب محمول بمنطاد قبالة الغلاف الوردي للشمس نسيجاً مغناطيسياً دقيقاً ومعقداً في مناطقها الهادئة، يكشف كيف تنتقل الطاقة وتُسخَّن طبقات الشمس العليا.

كوانتينيوم تتجاوز نقطة التعادل في تصحيح الأخطاء الكمومية بفارق كبير مع هيليوس
حاسوب هيليوس الكمي من كوانتينيوم يحقق تحسناً يتجاوز عشر مرات في تصحيح الأخطاء الكمومية مع كل تكبير للكيوبت المنطقي، متجاوزاً نقطة التعادل بفارق غير مسبوق.

نقاط حمراء صغيرة يرصدها جيمس ويب تحيّر علماء الفلك حول طبيعتها الحقيقية
يرصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي أجرامًا غامضة تُعرف بالنقاط الحمراء الصغيرة، ويتجادل علماء الفلك حول كونها ثقوبًا سوداء هائلة أم نجومًا عملاقة تحتضن ثقبًا أسود في داخلها.

عينات الكويكب بنو تكشف سراً عمره 4.5 مليار سنة عن نشأة المجموعة الشمسية
تحليل عينات أعادتها مهمة أوزوريس-ريكس من الكويكب بنو يكشف أنه تشكّل من مزيج نادر لمواد من الداخل والخارج في المجموعة الشمسية قبل 4.5 مليار سنة.

علماء يبتكرون طريقة لكشف "الحياة المرآتية" الخطرة قبل أن تظهر أصلاً
باحثون بريطانيون يطورون أسلوباً ضوئياً للتعرف على "الحياة المرآتية" الافتراضية، كائنات معكوسة جزيئياً قد تهدد البشر والحيوانات والنظم البيئية، قبل أن يتم إنشاؤها فعلاً في المختبرات.

خزان ضخم من الصهارة يتجدد تحت كالديرا كيكاي اليابانية الخارقة
مسوحات زلزالية يابانية تكشف إعادة تزوّد خزان ضخم من الصهارة تحت كالديرا كيكاي، أحد أعنف البراكين الخارقة، نحو 7300 عام بعد ثورانه الكارثي، في مؤشر يساعد على فهم تعافي البراكين الخارقة الكبرى حول العالم.