علماء يبتكرون طريقة لكشف "الحياة المرآتية" الخطرة قبل أن تظهر أصلاً

باحثون بريطانيون يطورون أسلوباً ضوئياً للتعرف على "الحياة المرآتية" الافتراضية، كائنات معكوسة جزيئياً قد تهدد البشر والحيوانات والنظم البيئية، قبل أن يتم إنشاؤها فعلاً في المختبرات.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 4 دقائق
رسم توضيحي لجزيئات الحمض النووي بصورة مرآتية يرمز لمفهوم الحياة المرآتية

كشف فريق من الباحثين البريطانيين عن طريقة جديدة يمكن أن تساعد على الكشف عن "الحياة المرآتية"، وهي شكل افتراضي من الحياة لم يُصنع بعد، لكن بعض الخبراء يحذّرون من أنه قد يشكّل خطراً بيولوجياً جسيماً على البشر والحيوانات والنظم البيئية إذا ما أُنشئ يوماً داخل المختبرات. الدراسة، التي قادها الدكتور لويس إي. ماكنزي من قسم الكيمياء البحتة والتطبيقية في جامعة ستراثكلايد البريطانية، بالتعاون مع الباحث دومينيك جيه بلاك والبروفيسور روبرت بال من جامعة درهام، نُشرت في مجلة "رويال سوسايتي أوبن ساينس" (Royal Society Open Science) التابعة للجمعية الملكية البريطانية، ضمن عددها الصادر في أكتوبر 2026، تحت عنوان "التلألؤ المستقطب دائرياً كفحص احتياطي للمخاطر البيولوجية المحتملة لـ(الحياة المرآتية)".

تقوم فكرة "الحياة المرآتية" على مفهوم كيميائي يُعرف بالكيرالية، أو "يُدوية" الجزيئات، وهي خاصية تجعل لبعض الجزيئات صورتين متطابقتين في التركيب الذري لكنهما معكوستان مكانياً، تماماً كاليد اليمنى واليد اليسرى. وكل الكائنات المعروفة على كوكب الأرض، من البكتيريا إلى الإنسان، تبني موادها الحيوية الأساسية، كالحمض النووي والبروتينات، باتجاه كيرالي واحد وثابت. أما الحياة المرآتية فهي كائنات افتراضية تُبنى من النسخة المعكوسة مرآتياً لهذه الجزيئات نفسها.

ويرى بعض العلماء أن مثل هذه الكائنات، إن وُجدت، قد تتصرف بطرق يصعب التنبؤ بها داخل البيئات الطبيعية، وقد تتمكن من التهرّب من آليات الدفاع المناعي والبيولوجي التي طورتها الكائنات الطبيعية على مدى مليارات السنين للتعامل مع التهديدات المألوفة فقط. ولهذا السبب، أوصى بعض الباحثين سابقاً بفرض قيود على أي أبحاث تهدف إلى إنشاء كائنات مرآتية قادرة على التكاثر الذاتي، كما أن مكتب العلوم الحكومي البريطاني والمجلس الاستشاري العلمي للأمين العام للأمم المتحدة أبديا اهتماماً بالموضوع ضمن ملفات الأمن البيولوجي والسلامة البيولوجية.

يؤكد الباحثون أن احتمال ظهور حياة مرآتية في الوقت الراهن منخفض جداً، إلا أن العواقب المحتملة لو حدث ذلك قد تكون بالغة الخطورة، وهو ما يجعل التحضير المسبق لأدوات الكشف خطوة احترازية منطقية وليست استجابة لتهديد قائم فعلاً. وفي تصريح نقلته الدراسة، قال الدكتور ماكنزي إن ظهور الحياة المرآتية ليس متوقعاً في المستقبل القريب، لكن تطوير وسائل للكشف عنها الآن خطوة منطقية تماماً تسبق الحاجة إليها.

تعتمد الطريقة المقترحة على ظاهرة تُعرف بـ"التلألؤ المستقطب دائرياً"، وهي تقنية تكشف عن اتجاه الالتفاف الكيرالي للجزيئات من خلال طبيعة استقطاب الضوء الذي تصدره، بمبدأ يشبه إلى حد كبير الفكرة التي تقوم عليها نظارات السينما ثلاثية الأبعاد المستقطبة. ويقترح الفريق استخدام مجموعة من المسبارات الفلورية المتخصصة، التي ترتبط ببُنى محددة داخل الخلايا وتصدر إشارة ضوئية مستقطبة مميزة، بمثابة "بصمة جزيئية" تكشف عن طبيعة الجزيئات التي تتفاعل معها.

ولأن مسباراً واحداً قد يعطي نتائج مضلّلة في حالات معينة، يوصي الباحثون بالجمع بين عدة مسبارات تستهدف بُنى خلوية مختلفة في الوقت نفسه، لرفع دقة التمييز بين الكائنات الطبيعية وأي كائنات مرآتية مفترضة. والأهم أن هذه الطريقة يمكن اختبارها والتحقق من فعاليتها على عينات بيولوجية عادية ومتوفرة حالياً، أي من دون الحاجة إلى إنشاء أي كائن مرآتي حقيقي أولاً، وهي نقطة يصفها الباحثون بأنها جوهرية لتطوير أداة كشف احترازية بأمان.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية قابلة للدمج مستقبلاً في أجهزة مختبرية شائعة بالفعل، مثل المجاهر وكاميرات التصوير المجهري وقارئات الألواح الخلوية المستخدمة في المعامل البيولوجية. وقد سبق للبروفيسور بال أن أثبت إمكانية الكشف عن التلألؤ المستقطب دائرياً بنجاح على مستوى مختبري باستخدام أجهزة من هذا النوع. وقال بال إن أسلوب التلألؤ المستقطب دائرياً يمكن تكييفه مع أنظمة متعددة لتحليل الخلايا، بما يتيح تعميم هذا الفحص على بيئات ومختبرات مختلفة حول العالم.

مع ذلك، يوضح الباحثون أن الطريقة الكاملة للكشف عن الحياة المرآتية لم تُختبر عملياً بعد بكل مكوناتها، وأن ما نُشر حتى الآن هو تصميم نظري وتجريبي أولي يحتاج إلى مزيد من التحقق والتطوير قبل أن يصبح أداة جاهزة للاستخدام في المختبرات ومرافق البحث حول العالم. ويرى الفريق أن تطوير مثل هذه الأدوات الاستباقية، حتى في غياب تهديد فعلي قائم، يمثل نموذجاً جيداً لكيفية تعامل العلم مع المخاطر البيولوجية المستقبلية: الاستعداد لها قبل ظهورها، بدل الانتظار إلى حين وقوعها.

تنتبه المؤسسات البحثية في العالم العربي لهذا النقاش المتصاعد؛ إذ تشارك جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في أبحاث الأحياء التركيبية التي تُعدّ الحضن الأكاديمي لسؤال الحياة المرآتية، فيما يتابع خبراء الأمن البيولوجي في منظمة الإيسيسكو والجامعة الأردنية وجامعة القاهرة تطورات هذا الملف بوصفه شأناً يمسّ السلامة العامة. وتُعدّ المنطقة العربية وهي تتسارع نحو اقتصاد معرفي متقدم معنيةً بصياغة أطر تشريعية وقائية للأمن البيولوجي قبل أن تستلزمها حوادث فعلية لا مجرد سيناريوهات نظرية.

ويبقى من المهم التأكيد على أن "الحياة المرآتية" لا تزال في الوقت الحالي مجرد سيناريو نظري يناقشه العلماء في سياق تقييم المخاطر طويلة الأمد المرتبطة بتطور علم الأحياء التركيبي وأدوات التعديل الجيني، ولا يوجد أي دليل على وجود مشاريع بحثية تعمل فعلياً على إنشاء كائنات من هذا النوع في الوقت الراهن. وتهدف الدراسة الجديدة إلى إضافة أداة علمية جاهزة إلى حافظة وسائل الرصد البيولوجي، تماماً كما تُطوَّر وسائل الكشف عن الأوبئة أو المواد المسرطنة قبل انتشارها، بما يمنح الجهات البحثية والرقابية وقتاً كافياً للاستجابة إذا ظهرت مؤشرات حقيقية على هذا النوع من المخاطر في المستقبل.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

شعاب مرجانية ملونة في البحر الأحمر قبالة سواحل مصر

شعاب البحر الأحمر المرجانية الخارقة تبدأ بالتأثر مع تصاعد موجات الحر البحرية

شعاب مرجانية في شمال البحر الأحمر قاومت ابيضاض المرجان لعقود، لكن علماء يرصدون تراجع هذه المناعة وسط خلاف حول سببها الحقيقي الذي قد يحدد مصيرها المستقبلي.

Wired
خيوط مغناطيسية دقيقة مرصودة في الغلاف الوردي للشمس

علماء فلك يكتشفون شبكة مغناطيسية خفية فوق مناطق الشمس الهادئة

رصد تلسكوب محمول بمنطاد قبالة الغلاف الوردي للشمس نسيجاً مغناطيسياً دقيقاً ومعقداً في مناطقها الهادئة، يكشف كيف تنتقل الطاقة وتُسخَّن طبقات الشمس العليا.

ScienceDaily
شريحة حاسوب هيليوس الكمي من كوانتينيوم بتصميمها المعدني المعقد

كوانتينيوم تتجاوز نقطة التعادل في تصحيح الأخطاء الكمومية بفارق كبير مع هيليوس

حاسوب هيليوس الكمي من كوانتينيوم يحقق تحسناً يتجاوز عشر مرات في تصحيح الأخطاء الكمومية مع كل تكبير للكيوبت المنطقي، متجاوزاً نقطة التعادل بفارق غير مسبوق.

Ars Technica
قنينة لقاح من تقنية الرنا المرسال في مختبر طبي

لقاح شخصي من الرنا المرسال يقلّص خطر عودة الورم الميلانيني بأكثر من 40%

أظهرت تجربة سريرية في المرحلة الثالثة أن لقاحاً شخصياً من الرنا المرسال، حين يُضاف إلى العلاج المناعي بيمبروليزوماب، يقلّص بشكل ملموس خطر عودة الورم الميلانيني بعد الجراحة.

Wired
صورة مركّبة من تلسكوب جيمس ويب لعدد من النقاط الحمراء الصغيرة في الكون المبكر

نقاط حمراء صغيرة يرصدها جيمس ويب تحيّر علماء الفلك حول طبيعتها الحقيقية

يرصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي أجرامًا غامضة تُعرف بالنقاط الحمراء الصغيرة، ويتجادل علماء الفلك حول كونها ثقوبًا سوداء هائلة أم نجومًا عملاقة تحتضن ثقبًا أسود في داخلها.

Wired
صورة ثلاثية الأبعاد توضح تركيب الحمض النووي الحلزوني المزدوج

هاجينغ فيس تطلق Carbon-X: نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر يحاور الحمض النووي

أطلقت منصة Hugging Face نموذج Carbon-X، نموذجاً لغوياً جينومياً مفتوح المصدر يتيح للباحثين طرح أسئلة بلغة طبيعية عن تأثير الطفرات الجينية في التعبير الجيني والصحة.

Wired
علماء يبتكرون طريقة لكشف "الحياة المرآتية" الخطرة قبل أن تظهر أصلاً — ألمعي