نقاط حمراء صغيرة يرصدها جيمس ويب تحيّر علماء الفلك حول طبيعتها الحقيقية

يرصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي أجرامًا غامضة تُعرف بالنقاط الحمراء الصغيرة، ويتجادل علماء الفلك حول كونها ثقوبًا سوداء هائلة أم نجومًا عملاقة تحتضن ثقبًا أسود في داخلها.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
Wired ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 4 دقائق
صورة مركّبة من تلسكوب جيمس ويب لعدد من النقاط الحمراء الصغيرة في الكون المبكر

يرصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي، منذ أن بدأ تصوير أعمق مناطق الكون في عام 2023، أجرامًا غريبة تُعرف بـ"النقاط الحمراء الصغيرة"، تنتشر بكثافة في معظم الصور العميقة التي يجمعها المرصد، لكن علماء الفلك لا يزالون منقسمين حول طبيعتها الحقيقية. فبينما يرى بعضهم أنها ثقوب سوداء هائلة الكتلة تتغذى بسرعة قياسية في الكون المبكر، يعتقد آخرون أنها كيان فلكي غير مألوف يُعرف باسم "نجم الثقب الأسود"، وهو غلاف غازي ضخم يخفي بداخله ثقبًا أسود ينمو في صمت. هذا الجدل، الذي تناولته مجلة Wired، يمثل أحد أكثر الألغاز حيرةً في علم الفلك منذ انطلاق جيمس ويب.

هذه النقاط مضغوطة للغاية، وتظهر غالبًا بحجم بكسل واحد تقريبًا في الصور، إلا أنها شديدة السطوع والاحمرار. في البداية، ظن الباحثون أنها مجرات بعيدة للغاية، لكن سطوعها الاستثنائي كان يستوجب نموًا سريعًا يصعب تفسيره فيزيائيًا، فاتجه معظمهم إلى فرضية بديلة ترى أنها ثقوب سوداء هائلة الكتلة يحجب الغبار الكوني جزءًا من ضيائها فيصبغه بالأحمر.

لكن مشكلة أساسية ظلت عالقة: الثقوب السوداء الهائلة المعروفة، كتلك الموجودة في مراكز الكوازارات، تُصدر عادة أشعة سينية وتتذبذب في سطوعها بسبب نشاطها المستمر، بينما لا تُظهر غالبية النقاط الحمراء الصغيرة أي إشعاع من هذا النوع، ولا يُلاحظ عليها أي تذبذب يُميّز الثقوب السوداء النشطة عادة.

في ربيع عام 2025، قدّم فريقان بحثيان مستقلان رصدًا دقيقًا لطيف بعض هذه النقاط: أحدهما بقيادة الفلكية آنا دي غراف من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك ضمن مسح "روبيز"، والآخر بقيادة روهان نايدو من جامعة هاواي ضمن مسح "موم". اكتشف الفريقان ما يُعرف بـ"انقطاع بالمر"، وهي بصمة طيفية ترتبط عادة بأسطح نجمية كثيفة لا بأقراص تراكم حول الثقوب السوداء. استنادًا إلى ذلك، طرح الفريقان فرضية "نجم الثقب الأسود": جرم هائل يتكوّن من غلاف غازي من الهيدروجين تبلغ حرارته نحو خمسة آلاف كلفن، يحيط بثقب أسود في مركزه، على نحو قد يفسر في الوقت نفسه غياب الأشعة السينية وقلة التذبذب في السطوع. نشر الفريقان نتائجهما يوم 20 مارس 2025، إلى جانب فريق ثالث توصل إلى استنتاجات مشابهة.

غير أن الباحث فاديم روساكوف من جامعة مانشستر طرح تفسيرًا مغايرًا لنفس الملاحظات، معتبرًا أن اتساع خطوط الطيف قد ينتج عن ظاهرة "تبعثر الإلكترونات" داخل سحابة غازية كثيفة، لا عن حركة غاز سريعة حول ثقب أسود عادي، وهو تفسير يُضعف في رأيه فرضية وجود ثقب أسود "عارٍ" في مركز هذه الأجرام. من جهته، رأى نايدو أن هذه الأجرام قد تمثّل "بذور" الثقوب السوداء الهائلة التي نراها اليوم في مراكز المجرات الناضجة.

في المقابل، يرفض فلكيون آخرون، من بينهم روبرتو مايوليني من جامعة كامبريدج وبييرو مادو من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، فرضية "نجم الثقب الأسود" من أساسها، ويرون أن الثقب الأسود الهائل التقليدي يكفي لتفسير كل الملاحظات، وأن اللون الأحمر ناتج فقط عن زاوية الرصد: فحين يُحجب الثقب الأسود بحلقة كثيفة من الغاز والغبار على شكل كعكة دائرية، يبدو أحمر اللون، بينما تظهر أجرام مشابهة تُرصد من زاوية مباشرة، وتُعرف بـ"النقاط الزرقاء الصغيرة"، بلون أزرق لأن ضوءها لا يمر عبر ذلك الحجاب الغباري. ويقول عالم الفلك مورو جيافاليسكو من جامعة ماساتشوستس في أمهرست إنه لا يرى سببًا علميًا حاسمًا يدعو إلى تفضيل أحد النموذجين على الآخر، في حين تصف آنا-كريستينا آيلرز من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الأجواء العلمية المحيطة بالنقاش بأنها "مستقطبة للغاية".

أضاف إلى الجدل تشابه سلوك هذه الأجرام مع نموذج نظري أقدم يُعرف بـ"شبه النجم"، اقترحه عالم الفلك ميتشل بيغلمان عام 2006 بالتعاون مع مارتا فولونتيري ومارتن ريس، لوصف أجرام غازية فائقة الكتلة تحتضن ثقوبًا سوداء ناشئة في داخلها. وفي عام 2025، طبّق بيغلمان وزميله جيسون دكستر هذا النموذج على النقاط الحمراء الصغيرة، ثم توصل فريق جيافاليسكو عام 2026 إلى أن نموذج "شبه النجم" يطابق أطياف هذه الأجرام بدقة أكبر من النموذجين المتنافسين الآخرين.

وفي أغسطس 2026، أظهر مسح أجراه ديل كوسيفسكي من كلية كولبي أن النقاط الحمراء الصغيرة تصبح أكثر ندرة مع تقدّم عمر الكون إلى ما بين ملياري وثلاثة مليارات سنة بعد الانفجار العظيم، في مؤشر مبكر على أن هذه الظاهرة قد تمر بما يشبه "طور بلوغ" عابر ثم تتراجع. وبعد أسابيع قليلة، في الثامن من سبتمبر 2026، نشر نايدو ودي غراف وآيلرز وزملاؤهم تحليلًا جديدًا يقدّر أن الثقوب السوداء الكامنة داخل هذه الأجرام أخف كتلة بكثير من الثقوب السوداء المكشوفة المعروفة، وأن كتلة "نجوم الثقب الأسود" المفترضة قد تصل إلى نحو مليون كتلة شمسية.

يُولي علماء الفلك العرب اهتماماً متزايداً لمخرجات تلسكوب جيمس ويب؛ فمركز الفلك الوطني التابع لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) يشارك في برامج تحليل بيانات الكون المبكر، فيما يضم مركز الشارقة الدولي لعلوم الفلك اختصاصيين في فيزياء المجرات البعيدة. ويتصل هذا الاكتشاف بإرث حضاري عميق، إذ أرسى علماء عرب كعبد الرحمن الصوفي وابن يونس في القرنين التاسع والعاشر الميلادي أسس رصد الأجرام الخافتة البعيدة، وجاء جيمس ويب ليكمل ما بدأوه بأدوات عصرهم بمليارات السنوات الضوئية عمقاً أبعد.

ويرى كوسيفسكي أن كلا الفريقين قد يكون محقًا جزئيًا، وأن النقاط الحمراء الصغيرة قد تمثّل مزيجًا من الظاهرتين معًا لا تفسيرًا واحدًا حاسمًا. وحتى تُحسم هذه المسألة، تبقى هذه النقاط الصغيرة التي تنقّط صور جيمس ويب الفضائي أحد أكثر الألغاز الكونية إلهامًا لعلماء الفلك، وشاهدًا على أن أبسط التفاصيل في صور الكون العميق قد تحمل أسرارًا جوهرية عن طريقة نشأة أضخم الثقوب السوداء في الكون.

المصدر الأصلي
Wired
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

شعاب مرجانية ملونة في البحر الأحمر قبالة سواحل مصر

شعاب البحر الأحمر المرجانية الخارقة تبدأ بالتأثر مع تصاعد موجات الحر البحرية

شعاب مرجانية في شمال البحر الأحمر قاومت ابيضاض المرجان لعقود، لكن علماء يرصدون تراجع هذه المناعة وسط خلاف حول سببها الحقيقي الذي قد يحدد مصيرها المستقبلي.

Wired
خيوط مغناطيسية دقيقة مرصودة في الغلاف الوردي للشمس

علماء فلك يكتشفون شبكة مغناطيسية خفية فوق مناطق الشمس الهادئة

رصد تلسكوب محمول بمنطاد قبالة الغلاف الوردي للشمس نسيجاً مغناطيسياً دقيقاً ومعقداً في مناطقها الهادئة، يكشف كيف تنتقل الطاقة وتُسخَّن طبقات الشمس العليا.

ScienceDaily
شريحة حاسوب هيليوس الكمي من كوانتينيوم بتصميمها المعدني المعقد

كوانتينيوم تتجاوز نقطة التعادل في تصحيح الأخطاء الكمومية بفارق كبير مع هيليوس

حاسوب هيليوس الكمي من كوانتينيوم يحقق تحسناً يتجاوز عشر مرات في تصحيح الأخطاء الكمومية مع كل تكبير للكيوبت المنطقي، متجاوزاً نقطة التعادل بفارق غير مسبوق.

Ars Technica
صورة لقمر المريخ فوبوس مأخوذة بكاميرا هايرايز من مسبار استطلاع المريخ التابع لناسا

اليابان تطلق بعثة إم إم إكس لإعادة عينة من قمر المريخ فوبوس

أطلقت اليابان بعثة إم إم إكس بصاروخ H3 من تانيغاشيما في مهمة غير مسبوقة للهبوط على قمر المريخ فوبوس وجمع عينة من تربته وإعادتها إلى الأرض عام 2031، لحل لغز نشأة أقمار الكوكب الأحمر.

Ars Technica
صورة عالية الدقة للكويكب بنو كما رصدتها مركبة أوزوريس-ريكس التابعة لناسا

عينات الكويكب بنو تكشف سراً عمره 4.5 مليار سنة عن نشأة المجموعة الشمسية

تحليل عينات أعادتها مهمة أوزوريس-ريكس من الكويكب بنو يكشف أنه تشكّل من مزيج نادر لمواد من الداخل والخارج في المجموعة الشمسية قبل 4.5 مليار سنة.

ScienceDaily
رسم توضيحي لجزيئات الحمض النووي بصورة مرآتية يرمز لمفهوم الحياة المرآتية

علماء يبتكرون طريقة لكشف "الحياة المرآتية" الخطرة قبل أن تظهر أصلاً

باحثون بريطانيون يطورون أسلوباً ضوئياً للتعرف على "الحياة المرآتية" الافتراضية، كائنات معكوسة جزيئياً قد تهدد البشر والحيوانات والنظم البيئية، قبل أن يتم إنشاؤها فعلاً في المختبرات.

ScienceDaily