دراسة جديدة: السبينوصور قضى معظم حياته في الماء لا على البر

باحثون من جامعة ييل يستخدمون تعلم الآلة لتحليل نسب أطراف أكثر من 11 ألف عيّنة، ويؤكدون أن السبينوصور كان مائي المعيشة بدرجة كبيرة خلال العصر الطباشيري.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
رسم توضيحي لديناصور السبينوصور وهو يسبح في الماء

كشفت دراسة جديدة أجراها فريق من علماء جامعة ييل الأمريكية أن ديناصور السبينوصور، أحد أكبر الديناصورات اللاحمة المعروفة، كان يقضي الجزء الأكبر من حياته مغمورًا في الماء، في تأكيد جديد يرجّح كفة الفرضية القائلة بأن هذا الحيوان الضخم كان مائي المعيشة بدرجة كبيرة، خلافًا لما اعتاد العلماء افتراضه عن معظم الديناصورات. نُشرت الدراسة في مجلة "Current Biology" وقادها الباحث كاليب غوردون، الذي أنهى رسالة الدكتوراه في جامعة ييل وينتقل الآن للعمل باحثًا في متحف فلوريدا للتاريخ الطبيعي، بمشاركة أستاذ علوم الأرض والكواكب في ييل بهارت-أنجان بهولار، وزملاء آخرين من جامعتي ييل وبرينستون.

عاش السبينوصور في شمال أفريقيا خلال العصر الطباشيري، منذ ما يقارب 113 إلى 94 مليون سنة، وقد اشتهر بجمجمته الطويلة الشبيهة بجماجم التماسيح وأشواكه الظهرية البارزة التي تشكل شراعًا ضخمًا على ظهره. ومنذ اكتشاف أول هيكل عظمي منه، تضاربت التصورات حول طبيعة حياته: هل كان كاسحًا بريًا يقتنص فرائسه من ضفاف الأنهار، أم كائنًا شبه مائي يصطاد في الماء كما تفعل التماسيح الحديثة؟

للإجابة عن هذا السؤال، لم يعتمد الفريق البحثي على فحص بقايا السبينوصور نفسها فقط، بل طوّر منهجية جديدة تدمج بين علم الحفريات التقليدي وتقنيات تعلم الآلة، إلى جانب أسلوب إحصائي يعود أصله إلى الأربعينيات من القرن الماضي، كان يُستخدم أصلًا لتمييز إشارات الرادار الحقيقية عن التشويش. طبّق الباحثون هذه الأدوات على قياسات أكثر من 11 ألف عيّنة من الحيوانات الحية والمنقرضة، بهدف تدريب نموذج قادر على التمييز بين الكائنات البرية والمائية وشبه المائية بالاعتماد على نسب أطرافها فقط.

أظهرت النتائج أن نسب الطرف الأمامي كانت من أدق المؤشرات على نمط حياة الكائن، حيث تمكّن النموذج من التنبؤ بوجود زعانف من نسيج رخو وبالطبيعة المائية الكاملة أو شبه الكاملة للكائن بدقة تجاوزت 90 بالمئة. وعند تطبيق هذا النموذج على بيانات السبينوصور، أكدت النتائج أنه كان يقضي الجزء الأكبر من وقته مغمورًا في الماء، بما يدعم فرضية سبق أن طرحها بعض الباحثين استنادًا إلى تحليل كثافة عظامه وتركيب جسمه العام.

لكن الدراسة لم تتوقف عند السبينوصور، بل قارنت حالته بحالة الميسوصور، وهو جنس من الزواحف البحرية الصغيرة البدائية التي عاشت في جنوب أفريقيا وشرق أمريكا الجنوبية خلال العصر البرمي، منذ نحو 290 إلى 274 مليون سنة، ويُعد من أقدم السلويات المعروفة التي حاولت العودة إلى الحياة المائية. وخلافًا للتوقعات، بيّن التحليل أن الميسوصور، على الرغم من تكيفه مع الماء، كان يقضي وقتًا معتبرًا على البر ولم يصل إلى درجة التكيف المائي الكامل.

والأهم من ذلك أن الدراسة توصلت إلى أن جميع الزواحف البحرية التي عاشت خلال العصر البرمي، وهي الحقبة الأخيرة من العصر الحجري القديم، كانت تعود إلى البر بشكل منتظم، حتى تلك التي بدت الأكثر تكيفًا مع الحياة المائية من بين أقرانها. وهذا يعني أن مسار التكيف الكامل مع البيئة المائية، كما نراه اليوم في الحيتان والدلافين مثلًا، لم يكن مسارًا بسيطًا أو خطيًا، بل تطور بدرجات متفاوتة عبر عشرات الملايين من السنين، وبعضها لم يصل أبدًا إلى درجة الانفصال الكامل عن البر.

يرى الباحثون أن هذه النتائج تعيد صياغة الصورة الذهنية الشائعة عن "السلويات المائية"، وتقترح أن سلوك الكائن وبيئته يمكن استنتاجهما من تركيب جسمه بدقة أعلى مما كان متاحًا سابقًا، بفضل الجمع بين أدوات التحليل الإحصائي الكلاسيكية وخوارزميات تعلم الآلة الحديثة. كما تفتح هذه المنهجية الباب لإعادة تقييم حيوانات منقرضة أخرى يُشك في طبيعتها المائية، مثل بعض الديناصورات الأخرى أو الزواحف البحرية القديمة التي لا تزال تصنيفاتها البيئية مثار جدل بين المتخصصين.

يشير الفريق إلى أن الخطوة التالية في بحثهم ستتجه نحو توسيع قاعدة البيانات لتشمل مزيدًا من الأنواع المنقرضة، بهدف بناء خريطة أوسع لتطور الحياة المائية بين الفقاريات عبر التاريخ الجيولوجي، وفهم أفضل للعوامل التي تدفع كائنًا بريًا إلى التحول التدريجي نحو حياة مرتبطة بالماء.

ولا يخلو هذا الاكتشاف من أهمية خاصة لمنطقة شمال أفريقيا، إذ قضى السبينوصور حياته في أراضٍ تمتد اليوم عبر المغرب والجزائر ومصر. وقد أسهمت منطقة «كيم بريبير» في المغرب تحديداً في تقديم بعض أهم حفريات هذا الكائن، ما يجعل دول المغرب العربي جزءاً أصيلاً من الإرث الأحفوري لأضخم الديناصورات اللاحمة. ويُجري علماء من المغرب ومصر حالياً أبحاثاً ميدانية في التكوينات الجيولوجية الطباشيرية بهاتين الدولتين، في إسهام مباشر في فهم بيئة الديناصور الذي سكن هذه الأرض قبل نحو مئة مليون سنة.

وتُعد هذه الدراسة مثالًا لافتًا على كيف يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة أن تضيف بُعدًا جديدًا إلى علم الحفريات، علمٍ طويلًا ما اعتمد بشكل حصري على الملاحظة المباشرة والمقارنة التشريحية، لتساعد الباحثين على استخلاص معلومات أدق من حفريات يصعب تفسيرها بالطرق التقليدية وحدها.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

رسم توضيحي لمنظومة سي دي-35 2722 يظهر النجم والقزم البني والتابع الخارجي المرشّح

علماء الفلك يكتشفون ما قد يكون أول قمر خارج المجموعة الشمسية

رصد فريق دولي بتلسكوب "في إل تي" جرماً بكتلة كوكب المشتري يدور حول قزم بني، في أول دليل محتمل على وجود قمر خارجي يتحدى تعريفات الكواكب والأقمار المعروفة.

ScienceDaily
رسم توضيحي لمجرة بعيدة تحتوي على ثلاثة ثقوب سوداء هائلة نشطة

اكتشاف ثلاثة ثقوب سوداء هائلة في مجرة من فجر الكون

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك ثلاثة ثقوب سوداء هائلة نشطة تتغذى في آنٍ واحد داخل مجرة واحدة تبعد نحو 12.5 مليار سنة ضوئية، في أول اكتشاف موثق من نوعه في الكون المبكر باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي.

ScienceDaily
مادة موصلة فائقة تطفو فوق مغناطيس بفعل خاصية الطفو المغناطيسي

خلل خفي يهدد أربعين عاماً من فهمنا للموصلات الفائقة

تصوير ثلاثي الأبعاد بالأشعة السينية يكشف أن موصلاً فائقاً دُرس لعقود ليس متجانساً كما كان يُفترض، بل يحتوي على حدود بلورية واسعة قد تضعف توصيله الفائق.

ScienceDaily
شعاب مرجانية ملونة في البحر الأحمر قبالة سواحل مصر

شعاب البحر الأحمر المرجانية الخارقة تبدأ بالتأثر مع تصاعد موجات الحر البحرية

شعاب مرجانية في شمال البحر الأحمر قاومت ابيضاض المرجان لعقود، لكن علماء يرصدون تراجع هذه المناعة وسط خلاف حول سببها الحقيقي الذي قد يحدد مصيرها المستقبلي.

Wired
خيوط مغناطيسية دقيقة مرصودة في الغلاف الوردي للشمس

علماء فلك يكتشفون شبكة مغناطيسية خفية فوق مناطق الشمس الهادئة

رصد تلسكوب محمول بمنطاد قبالة الغلاف الوردي للشمس نسيجاً مغناطيسياً دقيقاً ومعقداً في مناطقها الهادئة، يكشف كيف تنتقل الطاقة وتُسخَّن طبقات الشمس العليا.

ScienceDaily
شريحة حاسوب هيليوس الكمي من كوانتينيوم بتصميمها المعدني المعقد

كوانتينيوم تتجاوز نقطة التعادل في تصحيح الأخطاء الكمومية بفارق كبير مع هيليوس

حاسوب هيليوس الكمي من كوانتينيوم يحقق تحسناً يتجاوز عشر مرات في تصحيح الأخطاء الكمومية مع كل تكبير للكيوبت المنطقي، متجاوزاً نقطة التعادل بفارق غير مسبوق.

Ars Technica