في أعماق القطب الشمالي: علماء يحفرون ذاكرة الأرض بحثاً عن مناخ المستقبل

أجرى علماء على متن سفينة بحثية نرويجية رحلة استكشافية إلى القطب الشمالي صيف 2025 لاستخراج نوى رسوبية من قاع المحيط تمتد لملايين السنوات، بهدف فهم تاريخ الجليد البحري والتنبؤ بمستقبل المناخ القطبي.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢١ أبريل ٢٠٢٦
القراءات
٥
الوقت
قراءة دقيقتين
سفينة بحثية في المحيط المتجمد الشمالي وسط كتل الجليد

على متن السفينة البحثية النرويجية كرونبرينس هوكون، أبحر الدكتور يوخن كنيس وفريقه من علماء المناخ والجيولوجيا صيف عام 2025 إلى أقصى نقطة شمالية على كوكبنا، بحثاً عن إجابات لسؤال علمي يُقلق خبراء المناخ: هل كان القطب الشمالي يوماً خالياً من الجليد في تاريخه القريب؟ وما الذي ينتظرنا حين يتكرر ذلك في المستقبل المنظور؟

لاحظ كنيس، الذي سبق له زيارة المنطقة ذاتها عام 1996، غياباً لافتاً لصوت طحن الجليد المعتاد على بدن السفينة، وأوضح أن ما كان يُعيق الملاحة قبل ثلاثة عقود أصبح اليوم ممراً مائياً شبه مفتوح. ليس هذا مجرد ملاحظة عابرة، بل توصيف لتحول بيئي عميق؛ فمنذ بدء رصد الأقمار الاصطناعية للجليد البحري في أواخر السبعينيات، انكمشت مساحة الجليد الصيفي في القطب الشمالي بأكثر من 40%، وهو ما يعادل اختفاء مساحة مائية بحجم البحر الأبيض المتوسط.

تتمحور الرحلة العلمية حول استخراج نوى رسوبية من قاع المحيط بأعماق تصل إلى 22 متراً في كل موقع. هذه الأسطوانات الرفيعة من الطمي والرمل والمعادن المتراكمة عبر آلاف السنين تُشكّل أرشيفاً طبيعياً بالغ الدقة لتاريخ المناخ الأرضي، وتمتد بعض العيّنات المجموعة إلى عمق زمني يُقدَّر بمليوني سنة.

يعتمد الفريق العلمي على أدوات تحليل متعددة لفكّ رموز هذه الأرشيفات الطبيعية. تشمل هذه الأدوات التأريخ بالمغناطيسية الأرضية الراسبة، وقياس نسب تحلل العناصر المشعة، وتحليل جزيئات IP25 التي تُنتجها حصراً طحالب الجليد البحري؛ فوجود هذه الجزيئات في طبقة رسوبية معينة يعني أن المنطقة كانت مُجمَّدة في ذلك العصر، وغيابها يدل على خلو المياه من الجليد. فضلاً عن ذلك، تُقدّم أصداف الأحياء المجهرية المسماة فورامينيفيرا معلومات كيميائية ثرية حول درجات حرارة المياه القديمة.

يُموَّل المشروع البحثي بمبلغ 12.5 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحديداً دراسة الفترة الواقعة قبل نحو 120 ألف سنة حين كانت درجات الحرارة العالمية أعلى مما هي عليه اليوم بمقدار درجتين مئويتين تقريباً. يعتقد العلماء أن القطب الشمالي كان خالياً من الجليد الصيفي خلال تلك الفترة، وإذا صحّ ذلك فإن مستوى البحار كان أعلى بعدة أمتار، مما يُلقي ضوءاً ثاقباً على ما قد يواجهه ساكنو المدن الساحلية في العقود المقبلة.

تكتسب هذه البيانات أهمية بالغة بالنظر إلى وتيرة التغير المناخي الراهنة. فنماذج المناخ الحاسوبية تتنبأ بأن القطب الشمالي قد يشهد أول صيف خالٍ من الجليد في غضون عقدين إلى ثلاثة عقود، وهو حدث لم تشهده الأرض منذ مئات آلاف السنين. غير أن النماذج الحالية لا تزال تفتقر إلى قدر كافٍ من البيانات الدقيقة لتتنبأ بدقة تامة بتسلسل الأحداث وتداعياتها.

تمتد تداعيات ذوبان الجليد البحري لتطال أنظمة بيئية وبشرية متشابكة؛ من تغير مسارات التيارات المحيطية التي تتحكم في مناخ أوروبا وشمال أمريكا، إلى تهديد التنوع البيولوجي للمنطقة القطبية، مروراً بانفتاح ممرات ملاحية جديدة تُعيد رسم خريطة التجارة الدولية.

يأمل الدكتور كنيس وزملاؤه أن تُتيح لهم العيّنات الرسوبية المجموعة رسم صورة أوضح لما حدث في تلك الفترات الدافئة السابقة، وبالتالي تزويد صانعي السياسات بنماذج مناخية أدق وأكثر موثوقية، تُساعد في التخطيط للاستجابة لأحداث تبدو حتمية في أفق الحضارة الإنسانية.

المصدر الأصلي
MIT Technology Review
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من بيئة

تصور فني لقمر كيوبسات مُصمَّم للكشف عن الأسلحة النووية في المدار — معهد MIT

باحثو MIT يقترحون أقماراً اصطناعية صغيرة لكشف الأسلحة النووية المدارية

نشر باحثو معهد ماساتشوستس في مجلة Nature Astronomy خطةً لنشر أقمار كيوبسات مزودة بكواشف نيوترونية قادرة على رصد الرؤوس الحربية النووية في المدار الأرضي.

SpaceNews
رسم فني لنظام نجمي ثنائي يجمع قزماً أبيض وقزماً أحمر — جامعة وارويك

علماء الفلك يكتشفون أربعة أقزام بيضاء مختبئة على مقربة من مجموعتنا الشمسية

كشف فريق بحثي دولي باستخدام مرقاب هابل عن أربعة أقزام بيضاء مخفية خلف أقزام حمراء في نظم نجمية ثنائية ضمن نطاق 65 سنة ضوئية من الشمس، أحدها على بُعد 25 سنة ضوئية فحسب.

ScienceDaily
الذكاء الاصطناعي مقابل الذكاء البشري

باحث يطعن في فرضية تورينج الكبرى: هل ضلّ الذكاء الاصطناعي طريقه منذ 75 عاماً؟

عالم الحاسوب بيتر دينينج يجادل بأن افتراضَي تورينج الأساسيين المتعلقَين بالذكاء المجرّد ومحاكاة اللغة قد وجّها البحث التقني في الاتجاه الخاطئ، وأن المعرفة الضمنية البشرية لا يمكن رقمنتها مهما اتسعت النماذج.

ScienceDaily
مسبار بيرسيفيرانس على سطح المريخ

بيرسيفيرانس يُتمّ ماراثوناً على المريخ في نصف الزمن الذي استغرقه أوبورتيونيتي

مركبة ناسا بيرسيفيرانس تُكمل 42 كيلومتراً على سطح المريخ في خمس سنوات وأربعة أشهر فحسب، متفوقةً على سجل أوبورتيونيتي الذي استغرق أكثر من 11 عاماً لتحقيق الإنجاز ذاته.

ScienceDaily
بكتيريا الأمعاء وسرطان القولون

علماء يكتشفون البوابة التي يستخدمها سُمّ بكتيري لإطلاق سرطان القولون

باحثون من جونز هوبكنز يكشفون أن سُمّ بكتيريا الأمعاء الشائعة يرتبط ببروتين كلودين-4 كبوابة دخول لتدمير حاجز القولون، مع نجاح أوّلي لـ'خداع جزيئي' في حماية الفئران.

ScienceDaily
خلايا عصبية ومرض الزهايمر

هيكل خلوي خفي في الخلايا العصبية قد يُبطئ مسار مرض الزهايمر

علماء من جامعة بنسيلفانيا يكتشفون أن انهيار هيكل شبكي دقيق يُبطّن الخلايا العصبية يُفضي إلى تراكم بروتينات الزهايمر، مما يفتح أفقاً علاجياً جديداً قائماً على تثبيت هذا الهيكل.

ScienceDaily