أسماك القرش والتونة في مواجهة «الخطر المزدوج»: الاحتباس الحراري يُضيّق خياراتها
دراسة أيرلندية نشرتها مجلة «Science» تكشف أن الأسماك متوسطة الحرارة الداخلية كأسماك القرش والتونة تحرق طاقةً تفوق بأربعة أضعاف نظيراتها ذوات الدم البارد، ما يجعل ارتفاع حرارة المحيطات تهديداً وجودياً.

لا يتساوى تأثير أزمة المناخ على الكائنات البحرية؛ فبينما تتكيف كثير من الأسماك مع ارتفاع درجات حرارة المحيطات ببطء، تجد فئة مختارة من كبار المفترسات—في مقدمتها أسماك القرش الكبيرة والتونة—نفسها في مأزق بيولوجي عميق. دراسة جديدة صدرت عن جامعة ترينيتي كوليدج دبلن ونُشرت في دورية «Science» في أبريل 2026 تُقدّم أول تقييم شامل لهذا الوضع.
الأسماك شبه الساخنة الدم
أكثر من 99.9% من أنواع الأسماك المعروفة هي خارجية التنظيم الحراري، أي أن درجة حرارة جسمها تساوي درجة حرارة الماء المحيط بها. لكن هناك أقل من 0.1% تُعرف بالأسماك متوسطة الحرارة الداخلية، وهي تحتفظ بدرجة حرارة داخلية أعلى من البيئة المائية بفضل آليات فسيولوجية خاصة. من بين هذه الأسماك: أسماك القرش الأبيض الكبير وقرش البسكيت الضخم، وأسماك التونة الزرقاء.
يمنحها هذا النمط البيولوجي قدرة عضلية فائقة وسرعة أعلى في البيئات الباردة—مما يجعلها صيادةً استثنائية—لكنه يُكلّفها ثمناً باهظاً: معدل الأيض لديها يبلغ قرابة أربعة أضعاف معدل الأيض لأسماك مماثلة الحجم ذات الدم البارد.
الخطر المزدوج
وجد الباحثون أن ارتفاع درجة حرارة الماء بعشر درجات مئوية يُضاعف أكثر من مرة معدل الأيض الاعتيادي لهذه الأسماك؛ أي أنها تحتاج كميات أكبر من الغذاء لمجرد البقاء حية، في الوقت الذي تتقلص فيه موارد الغذاء البحري جراء ارتفاع درجات الحرارة أيضاً. هذا ما يُطلق عليه الباحثون «الخطر المزدوج».
ويزيد الأمر تعقيداً: الأسماك متوسطة الحرارة الداخلية لديها حدود لطرد الحرارة. فسمكة قرش يبلغ وزنها طناً قد تعجز عن التخلص من الحرارة الزائدة في درجات مائية تتجاوز نحو 17 درجة مئوية. وفوق هذه العتبة، يغدو الجسم في حالة ضغط حراري مستمر.
وقال أحد مؤلفي الدراسة: «هذه الحيوانات تعمل أصلاً بهامش ضيق من الطاقة، والتغيّر المناخي يُضيّق هذا الهامش أكثر فأكثر».
ماذا يعني هذا؟
نتائج الدراسة تُبيّن أن مناطق واسعة من المحيطات—التي كانت تُشكّل موائل مثالية لهذه المفترسات الكبيرة—قد تتحول خلال العقود القادمة إلى بيئات شبه عدائية بفعل ارتفاع الحرارة. وهذا له تداعيات بيئية خطيرة، إذ تؤدي أسماك القرش والتونة أدواراً تنظيمية حيوية في سلاسل الغذاء البحرية.
لا تتناول الدراسة سلوك هجرة هذه الأنواع بعمق كافٍ، غير أن الباحثين يرون أن بعضها قد يتكيّف بالانتقال إلى مياه أكثر برودة في خطوط عرض أعلى. إلا أن هذا الخيار ليس مفتوحاً دائماً، لا سيما أن مناطق الصيد الحيوية كثيراً ما ترتبط بتوافر الفريسة في مناطق بعينها.
دعوة لتحديث النماذج المناخية
تُطالب الدراسة بإدراج التمييز بين الأسماك متوسطة وخارجية التنظيم الحراري في النماذج المستخدمة لتقييم التأثيرات المناخية على الأحياء البحرية. فالنماذج الراهنة كثيراً ما تُعامل الأسماك ككتلة واحدة، مما يُفضي إلى تقدير مجحف لدرجة تأثير الاحتباس الحراري على كبار المفترسات تحديداً.
وفي عالم يواصل فيه الاحترار العالمي مسيرته القياسية، قد تكون سمكة القرش الكبيرة أحد أبرز ضحاياه الصامتة.
المزيد من بيئة

علماء يُقلبون نظرية الاضطراب الهيدروديناميكي التي هيمنت على العلم 80 عاماً
أثبت فريق بحثي من جامعتي بيتسبرغ وتورينو إمكانية عكس اتجاه تدفق الطاقة في الأوساط المضطربة، متحدّياً نظرية كولموغوروف الكلاسيكية منذ عام 1941 وفاتحاً تطبيقات جديدة في الطب والبيئة والمناخ.

حجر رشيد نجمي يحلّ لغز الإشارات الراديوية الكونية الغامضة بعد سنوات من البحث
حدّد فلكيون أستراليون مصدر الإشارات الراديوية الكونية طويلة الأمد في نظام نجمي ثنائي كارثي يضم قزماً أبيض يسحب مادة من قزم أحمر، مُنهين لغزاً فلكياً استعصى على الحل لسنوات.

دراسة دولية تُحدّد نوعين بيولوجيين متمايزين من التوحد عبر أنماط الترابط الدماغي
حدّد باحثون دوليون في مجلة Nature Neuroscience نوعين بيولوجيين مستقلين من اضطراب طيف التوحد في دراسة على 940 طفلاً، الأول بنقص الترابط الدماغي والثاني بفرطه، مفتوحين الباب أمام تشخيص أدق وعلاج أكثر تخصيصاً.