أضخم حدث بركاني في تاريخ الأرض غيّر تركيبة قشرة المحيط من أعماقها
دراسة يابانية تكشف باستخدام الموجات الزلزالية أن البركانية الهائلة التي شكّلت هضبة أونتونج جاوا قبل 110 ملايين سنة أعادت تركيب الصفيحة المحيطية كيميائياً وفيزيائياً عبر عملية إعادة تخصيب.

قبل نحو 110 إلى 120 مليون سنة، اندلع أضخم بركاني يعرفه تاريخ الأرض الجيولوجي؛ لم تكن مجرد ثورات بركانية متفرقة، بل نوبة ضخمة من تدفق الصهارة شكّلت ما يُعرف اليوم بهضبة أونتونج جاوا في أعماق المحيط الهادئ. وكانت العلوم تظنّ أن هذا الحدث لم يفعل أكثر من إضافة طبقات صخرية بركانية فوق الصفيحة المحيطية. لكن دراسة حديثة من جامعة علوم أوكاياما اليابانية كشفت أن ما حدث كان أعمق من ذلك بكثير.
باستخدام الموجات الزلزالية أداةً للاستبصار في أعماق القشرة الأرضية المحيطية، رسم الباحثون صورةً تفصيلية لبنية الصفيحة المحيطية تحت هضبة أونتونج جاوا. وكان ما وجدوه مفاجئاً: الصفيحة لا تُظهر مجرد طبقات أفقية متراكمة من الصخر البركاني، بل تتخلّلها شبكة من أسراب الحواجز الصخرية تمتد عمودياً عبرها، وهي قنوات صهارية جامدة نتجت عن اندفاع الصهارة عبر الشقوق.
الأهم من الشكل هو التأثير الكيميائي. تكشف سرعات الموجات الزلزالية المنخفضة بشكل لافت عن أن الصهارة الصاعدة لم تكتفِ بالتصلّب في هذه الشقوق، بل أعادت تركيب المادة الصخرية الأصيلة للصفيحة عبر عملية إعادة التخصيب؛ إذ استعادت الصخور مكوّنات كيميائية كانت قد فقدتها خلال دورة الصفيحة الطبيعية.
تحكم عملية إعادة التخصيب هذه مبادئ الكيمياء الصخرية: الصهارة الصاعدة القادمة من عمود الوشاح تحمل معها عناصر جديدة كالحديد والمغنيسيوم، وحين تُخترق بها صخور الصفيحة القديمة المُستنفدة، تتحوّل هذه الصخور من صخور مُستنفدة إلى مادة مُخصَّبة غنيّة بهذه العناصر.
ما الذي يعنيه ذلك لفهمنا لكوكبنا؟ يُؤشّر هذا الاكتشاف على أن الحوادث البركانية الهائلة لم تُعِد رسم سطح الأرض فحسب، بل ربما أسهمت في تغيير دورة عناصر بعينها بين القشرة والوشاح. وهذا يُعيد النظر في نماذجنا لتطوّر البنية الداخلية للأرض على مدى مئات الملايين من السنين.
تُستحضر هضبة أونتونج جاوا كثيراً في سياق البحث عن المحرّكات الجيولوجية لتغيرات المناخ الكبرى في الماضي؛ فحجم الصهارة المنبثقة يومها كان ضخماً كفايةً ليُطلق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ربما أسهمت في تغييرات مناخية حادة خلال الحقبة الكريتاسية.
أداة مقاييس الزلازل المُستخدمة في هذا البحث هي في حد ذاتها قفزة تقنية جديرة بالإشارة؛ إذ أتاح تحليل الموجات الزلزالية نوعاً من المقطع الجيولوجي الثلاثي الأبعاد للصفيحة المحيطية العميقة دون أن تطأ يد باحث مباشرةً تلك الأعماق السحيقة. إنه علم يقرأ تاريخ الأرض من نبضات أرضها ذاتها.
لا تبعد هذه النتائج عن الاهتمامات العلمية العربية؛ إذ تعكف الهيئة السعودية للمسح الجيولوجي على رسم خرائط تفصيلية لبنية القشرة العربية، فيما يُسهم باحثون من جامعة الكويت وجامعة السلطان قابوس في دراسة الأنشطة البركانية التاريخية لشبه الجزيرة العربية ومنطقة الحرّة البركانية في المدينة المنورة. وتعتمد شركات التنقيب النفطي الخليجية الكبرى كأرامكو وأدنوك تقنيات التصوير الزلزالي الثلاثي الأبعاد المشابهة في استكشاف الطبقات الصخرية العميقة، مما يجعل المنهجية التي قدّمتها هذه الدراسة ذات قيمة تطبيقية مباشرة للقطاع الطاقوي العربي.
يأمل الباحثون أن تُفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة لفهم دور الحوادث البركانية الكبرى في تشكيل التوازنات الجيوكيميائية للأرض، وربما تُلقي الضوء على كيفية تنظيم الغلاف الجوي لتركيزات ثاني أكسيد الكربون على المدى الجيولوجي الطويل.
المزيد من علوم

تفتّت كويكب قبل 800 مليون سنة أشعل موجة قصف كونية طالت الأرض والقمر والمريخ
دراسة من معهد ساوث ويست تربط تفتّت كويكب أولاليا منذ 800 مليون سنة بموجة قصف كونية واسعة أصابت الأرض والقمر والمريخ، متزامنةً مع حقبة تبريد حاد وتحولات بيولوجية مثيرة.

دراسة: المحليات الاصطناعية بكثرة تُسرّع التدهور المعرفي بما يعادل عام ونصف
بحث يتابع نحو 13 ألف شخص لثماني سنوات يُثبت ارتباط الاستهلاك المرتفع للمحليات الاصطناعية كالأسبارتام والإريثريتول بتراجع أسرع في الذاكرة والتفكير، بفارق يُقدَّر بـ1.6 سنة من شيخوخة الدماغ.

علماء يكشفون طبيعة النيزك الذي أنهى عصر الديناصورات قبل 66 مليون سنة
دراسة دولية تُحدّد نوع النيزك الذي أسفر عن الانقراض الجماعي للديناصورات مُشيرةً إلى أنه كوندريت كربوني نادر، وأن الغبار والحطام لا الكبريت كان السلاح الأفتك في تلك الكارثة الكونية.

تلسكوب جيمس ويب يرصد كيف يتغذّى الثقب الأسود الهائل بصور غير مسبوقة
تلسكوب جيمس ويب يُقدّم أوضح صورة حتى الآن لآلية تغذية الثقب الأسود الهائل في مجرة NGC 4696 كاشفاً عن قرص دوران عملاق وخيوط غازية تُعيد تدوير المادة في دورة كونية مغلقة.

محليات اصطناعية: تأثيرات مفاجئة على بكتيريا الأمعاء وتفاعلات مع الأدوية
دراسة كامبريدج تكشف أن ثلاثة أرباع المحليات الاصطناعية المُختبرة تؤثر على نمو البكتيريا المعوية، مع رصد أكثر من مائة تفاعل جديد حين تُمزج بمنتجات شائعة وأدوية معتمدة.

كاميرا «بلاتون» الثورية ترصد الجسيمات غير المرئية في الفراغ ثلاثي الأبعاد
باحثون سويسريون يُطوّرون كاشف جسيمات مبتكراً يدمج كاميرا المجال الضوئي والذكاء الاصطناعي لتتبع مسارات النيوترينوات والمادة المظلمة بدقة دون الملليمتر، مع تطبيقات واعدة في التصوير الطبي.