التطور يتكرر في جزر غالاباغوس بمسارات جينية مختلفة: درس جديد من مختبر داروين
كشف علماء أن نباتات غالاباغوس طوّرت أشكالاً ورقية متشابهة بصورة مستقلة عبر مسارات جينية مختلفة تماماً، في نتيجة تُعمّق فهمنا لآليات التطور المتوازي.
قبل أكثر من مئة وخمسين عاماً، ألهمت جزر غالاباغوس تشارلز داروين وزوّدته بالأدلة التي صاغ على ضوئها نظريته في التطور. واليوم، تواصل هذه الجزر الاستوائية النائية في المحيط الهادئ كشف مفاجآت تطورية تتجاوز ما تخيّله حتى أكثر علماء الأحياء تفاؤلاً.
نشر فريق دولي من الباحثين بقيادة الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا دراسةً في دورية «Nature Communications» تكشف عن ظاهرة بالغة الأهمية في نباتات «سكاليسيا»، وهي عائلة من الأقحوان العملاق تنمو في غالاباغوس. تبيّن للعلماء أن الأوراق ذات الفصوص العميقة، التي تُساعد النباتات على الصمود في البيئات الجافة عبر تقليل فقدان الماء وتصريف الحرارة بكفاءة، تطوّرت باستقلالية تامة في سلالات نباتية متعددة لا قرابة وثيقة بينها.
والأكثر إثارة ليس مجرد أن الشكل ذاته نشأ مرات عدة، بل أن كل مرة جرى ذلك عبر مسار جيني مختلف تماماً. ففي حين كان العلماء يتوقعون أن الشبكة الجينية ذاتها ستُنتج السمة ذاتها، وجدوا أن جيناتٍ مختلفة تنتج الشكل الورقي ذاته في كل سلالة على حدة. وهذا يُعمّق مفهوم التطور المتوازي ويُضيف إليه بُعداً جديداً: الطبيعة تُحل المشكلة البيئية ذاتها عبر حلول متعددة لا عبر حل واحد مُعاد نسخه.
لفهم ما يعنيه ذلك، تخيّل أن مهندسين مختلفين طُلب من كل منهم تصميم جسر يتحمّل الزلازل. إن استخدم كل منهم مواد مختلفة وهندسة مختلفة لكن وصلوا إلى جسور ذات كفاءة متماثلة، فهذا يدل على أن ثمة مبادئ عميقة تقود الحل. التطور يفعل الشيء ذاته: البيئة تُحدد المواصفات، والجينات تجد المسار.
حللت الدراسة الجينومات الكاملة لجميع أنواع سكاليسيا المعروفة، وهو عمل تحليلي ضخم أتاح للباحثين رؤية شاملة نادرة. وخلصت إلى أن الإشعاع التكيفي لهذه النباتات، أي تفرعها من سلف واحد إلى أنواع متعددة لاستعمار بيئات مختلفة، يسير في طريقه مجدداً بين المجموعات المعزولة في الجزر المختلفة.
تتضمن الدراسة أيضاً دلالة عملية مهمة للحفاظ على التنوع البيولوجي. العلماء وجدوا أن مجموعات سكاليسيا المعزولة تُظهر تبايناً جينياً كبيراً يُشير إلى أنها على أعتاب الانقسام إلى أنواع جديدة في عملية تتكشّف أمام أعيننا. ويُوصي الفريق البحثي بمعالجة هذه المجموعات كوحدات تطورية مستقلة في استراتيجيات الحفاظ على التنوع البيولوجي في الجزر.
يتصل هذا الاكتشاف برؤية أشمل للتنوع البيولوجي في المنطقة العربية؛ فشبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر وبحر العرب تضمّ بؤراً للتنوع البيولوجي بالغة الأهمية، مع تكيّفات فريدة لكائنات البيئات الجافة لم تُدرَس بعمق كافٍ. وتُولي مبادرة السعودية الخضراء ورؤية 2030 اهتماماً خاصاً بمحميات طبيعية كمحمية شرما وعروق بني معارض، فيما تتواصل جهود استعادة التنوع البيولوجي في البيئات القاحلة — وهي ميادين يُقدم فيها منهج الجينومات المقارن الذي طبّقته هذه الدراسة خلفيةً علمية ذات قيمة.
تحمل هذه النتائج أيضاً دلالات لدراسة التكيف المناخي في عالم يتغير. إذا كان التطور قادراً على إنتاج حلول متشابهة لتحديات بيئية عبر مسارات جينية مختلفة، فهذا يدل على مرونة أعمق في الأنظمة الحية مما كان مفترضاً. لكنه يُنبّه في الوقت ذاته إلى أن كل مسار هشّ بطريقته الخاصة، وأن فقدان أي من هذه المجموعات يعني فقدان حل فريد لا بديل عنه. غالاباغوس تواصل درسها القديم بلغة جينية جديدة: الحياة لا تُعيد اختراع العجلة، بل تُعيد تصنيعها في كل مرة من مواد مختلفة.
المزيد من علوم

علماء يكتشفون جنساً جديداً من أسماك شبيهة بفرس البحر لم يرها أحد حياً
تحليل بالتصوير المقطعي الدقيق والحمض النووي يكشف أن ثلاثة أسماك نادرة من المياه العميقة قبالة جنوب أستراليا، عُرفت من سبع عينات فقط منذ 65 عاماً، تنتمي إلى جنس تطوري جديد مستقل عن فرس البحر.

تصادم نوى الأكسجين يعيد خلق مادة بدايات الكون في تجربة أصغر وأضعف طاقة
فريق دولي في مصادم RHIC الأمريكي يرصد علامات بلازما الكواركات والغلوونات في تصادمات نوى الأكسجين الصغيرة، عند طاقة أقل بكثير من التجارب السابقة، في خطوة تحدد حدوداً جديدة لفهم مادة الكون المبكر.

باحثون يكتشفون سبيكتين معدنيتين تتحديان الكسر عند برودة الفضاء القصوى
فريق دولي من بيركلي وأكسفورد يكتشف سبيكتين من النيوبيوم والتيتانيوم تحافظان على مطيليتهما عند -253 درجة سلسيوس، بفضل آلية بلورية جديدة قد تغيّر تصميم مواد الفضاء والطاقة.

رياح المستعرات العظمى تعيق الضوء.. هابل يراجع فهم إعادة التأيين الكوني
رصد تلسكوب هابل لمجرات انفجار نجمي قريبة يكشف أن رياح المستعرات العظمى تُعيق هروب الإشعاع المؤيّن بدل أن تُسهّله، في مفارقة تُعيد النظر في فهم العلماء لإعادة التأيين الكوني.

دراسة: الاحترار العالمي يتسارع منذ 2015 بمعدل يقارب ضعف وتيرته السابقة
خلصت دراسة جديدة في مجلة Geophysical Research Letters إلى أن معدل الاحترار العالمي تسارع بشكل ملحوظ منذ عام 2015 ليبلغ نحو 0.35 درجة مئوية كل عقد، بثقة إحصائية تتجاوز 98%.

سور عمره 4000 عام في المغرب يعيد كتابة تاريخ شمال أفريقيا
تنقيبات في موقع وادي بهت بالمغرب تكشف أقدم تحصين دفاعي مؤكد في شمال أفريقيا خارج مصر، يعود لنحو 4000 عام ويغيّر فهمنا لتاريخ المنطقة.