حاسوب JUPITER الأوروبي يحطم الرقم القياسي بمحاكاة 50 بِتاً كمياً لأول مرة

أنجز فريق من مركز يوليش الألماني للحوسبة العملاقة بالتعاون مع NVIDIA محاكاةً كاملة لخمسين بِتاً كمياً على حاسوب JUPITER، وهو أول حاسوب أوروبي من مستوى الإكسا، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المُسجَّل عام 2019.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٢ مايو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٢
الوقت
قراءة 4 دقائق
حاسوب كمي ذهبي اللون يرمز إلى إنجاز JUPITER في المحاكاة الكمية

أعلن مركز يوليش للحوسبة العملاقة (Jülich Supercomputing Centre) في ألمانيا، بالتعاون مع شركة NVIDIA، تحقيق رقم قياسي عالمي جديد في مجال المحاكاة الكمية (quantum simulation)؛ إذ أصبح الفريق أوّل من ينجح في محاكاة حاسوب كمي (quantum computer) كامل من خمسين بِتاً كمياً (qubit) باستخدام حاسوب عملاق (supercomputer) كلاسيكي. وقد تحقّق الإنجاز على حاسوب JUPITER، أوّل حاسوب من مستوى الإكسا (exascale) في القارة الأوروبية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق البالغ ثمانية وأربعين بِتاً كمياً الذي أرساه الفريق ذاته عام 2019 على الحاسوب الياباني K.

ويُقصد بمستوى الإكسا قدرة المنظومة الحاسوبية على إنجاز ما يزيد على كوينتيليون عملية حسابية في الثانية الواحدة، أي أكثر من 10^18 عملية. وقد دخل JUPITER الخدمة رسمياً في سبتمبر 2025، فصار أول منظومة في أوروبا تعبر هذا الحاجز، بتمويل مشترك من المفوضية الأوروبية للحوسبة الفائقة (EuroHPC) والحكومة الاتحادية الألمانية وحكومة ولاية شمال الراين-وستفاليا. ويأتي تصميم الحاسوب وموقعه في يوليش ليكرّس الطموح الأوروبي إلى الاستقلال الحاسوبي عن المنصّات الأمريكية والصينية في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم المناخ والمحاكاة الفيزيائية.

وقد تبدو القفزة من ثمانية وأربعين إلى خمسين بِتاً كمياً صغيرةً للوهلة الأولى، غير أنها في حقيقتها قفزة هائلة؛ فكل بِت كمي إضافي يُضاعِف متطلبات الذاكرة والقدرة الحسابية تضاعفاً أُسّياً لا خطّياً. ومحاكاة خمسين بِتاً كمياً تستلزم نحو 2 بيتابايت من الذاكرة، أي ما يعادل مليوني غيغابايت، مع التعامل في كل عملية واحدة مع أكثر من 2 كوادريليون قيمة عددية مركّبة. وللمقارنة، فإن أيّ حاسوب محمول حديث لا يكاد يبلغ في أحسن أحواله محاكاة ثلاثين بِتاً كمياً، ثم تنغلق أمامه الأبواب؛ ذلك أن إضافة عشرين بِتاً كمياً فقط تعني الحاجة إلى ذاكرة تزيد بأكثر من مليون ضعف، وهو ما لا يتوفّر إلا في أكبر الحواسيب العملاقة على وجه الأرض.

اعتمد الفريق في هذا الإنجاز على سلاح تقني مزدوج. فمن جهة العتاد (hardware)، استعان بأكثر من ستة عشر ألفاً من الرقائق الهجينة (hybrid chip) من طراز NVIDIA GH200 Superchip، وهي رقائق تجمع بين وحدة المعالجة المركزية ووحدة معالجة الرسوميات في تصميم واحد متكامل، يسمح بتدفّق البيانات بين الذاكرتين دون اختناقات تُذكر، حتى حين تتجاوز البياناتُ الذاكرةَ المخصصة لوحدة الرسوميات. ومن جهة البرمجيات، طوّر الفريق نسخةً جديدة من برنامج المحاكاة المعروف بـ JUQCS-50 (اختصاراً لـ Jülich Universal Quantum Computer Simulator)، تتضمن تقنية ضغط بترميز البايت تُقلّص متطلبات الذاكرة إلى الثُمن، فضلاً عن منطق تحسين ديناميكي يُنسّق تبادل البيانات بين عُقد الحوسبة في الزمن الحقيقي.

ويفرض الإنجاز على القارئ سؤالاً جوهرياً: لماذا نُحاكي الحواسيب الكمية باستخدام حواسيب كلاسيكية أصلاً، وهل في ذلك مفارقة؟ والجواب أن عتاد الحوسبة الكمية الفعلية ما يزال يعاني معدلات خطأ مرتفعة وتحديات هندسية جسيمة في التحكم بالبتات الكمية وتبريدها وعزلها، مما يجعله غير قادر على تشغيل الخوارزميات الكمية المعقدة بصورة موثوقة. وهنا تأتي قيمة المحاكاة الكلاسيكية: فهي تُتيح للباحثين اختبار هذه الخوارزميات والتحقق من سلامتها وضبط معاملاتها الدقيقة قبل أن تتوفّر أجهزة كمية حقيقية بالقدر والاتساع الكافيين. كما أنها تُمثّل المرجع الذي يُقاس عليه أداء الأجهزة الكمية الفعلية، فيتحدّد بدقة متى تبدأ هذه الأجهزة في تقديم ميزة لا يستطيع الحاسوب الكلاسيكي مجاراتها، وهو ما يُعرف بـ"التفوّق الكمي".

اختبر الفريق على JUPITER اثنتين من أبرز الخوارزميات الكمية-الكلاسيكية الهجينة. الأولى هي حلّال المحاكاة الكمية التغايري (Variational Quantum Eigensolver)، وتُستخدم لإيجاد القيم الذاتية الدنيا للأنظمة الكيميائية والفيزيائية، أي تقدير الطاقات الأساسية للجزيئات والمواد، وهو ما يُمثّل مفتاحاً لاكتشاف أدوية جديدة وتصميم بطاريات وموصلات فائقة وعوامل حفّازة لم تكن في المتناول. والثانية هي خوارزمية التحسين الكمي التقريبي (Quantum Approximate Optimization Algorithm)، المعروفة اختصاراً بـ QAOA، وتسعى إلى إيجاد حلول تقريبية لمسائل التحسين التوافقي الصعبة في مجالات الخدمات اللوجستية وتخطيط شبكات النقل وإدارة المحافظ المالية وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى القارئ في العالم العربي، يحمل الخبر دلالةً تتجاوز المختبرات الأوروبية. فالسباق العالمي بين الحوسبة الكمية والحوسبة الكلاسيكية الفائقة سيُعيد رسم خرائط القوة الرقمية والاقتصادية في العقدين القادمين، وستجد الدول التي تعتمد على البنى التحتية الحاسوبية للآخرين نفسها في موقع تابع في صناعات الدواء والطاقة والأمن السيبراني. ومن هنا تكتسب مبادرات إقليمية كمشروع "شاهين" في السعودية ومراكز الحوسبة الفائقة في الإمارات أهميتها، باعتبارها مدخلاً ضرورياً لئلا يبقى العرب على هامش هذا التحول.

ويقول البروفيسور هانز دي ريت، أحد قادة المشروع: "بفضل JUQCS-50، صرنا قادرين على محاكاة الحواسيب الكمية الكونية بدقة عالية ومعالجة أسئلة لا يستطيع أيّ معالج كمي قائم اليوم الإجابة عنها". وسيُتاح هذا البرنامج لاحقاً للجهات البحثية والشركات الخارجية عبر منصة JUNIQ التابعة لمركز يوليش، ليكون في آنٍ معاً أداةً علمية ومعياراً يُقاس عليه الجيل القادم من الحواسيب العملاقة.

يُمثّل هذا الإنجاز درجةً جديدة في سلّم السباق المتصاعد بين الحواسيب الكلاسيكية والكمية؛ فكل رقم قياسي تبلغه المحاكاة الكلاسيكية للأنظمة الكمية يُضيّق المساحة التي يستطيع فيها الحاسوب الكمي الحقيقي إثبات تفوّقه. ومع JUPITER وخمسين بِتاً كمياً، نقترب من تلك الحافة الفاصلة أكثر مما كنّا في أيّ وقت مضى، ويصير سؤال "متى يبدأ التفوّق الكمي الفعلي؟" أقرب إلى الحسم منه إلى التكهّن.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من أجهزة

تصور فني لقمر كيوبسات مُصمَّم للكشف عن الأسلحة النووية في المدار — معهد MIT

باحثو MIT يقترحون أقماراً اصطناعية صغيرة لكشف الأسلحة النووية المدارية

نشر باحثو معهد ماساتشوستس في مجلة Nature Astronomy خطةً لنشر أقمار كيوبسات مزودة بكواشف نيوترونية قادرة على رصد الرؤوس الحربية النووية في المدار الأرضي.

SpaceNews
رسم فني لنظام نجمي ثنائي يجمع قزماً أبيض وقزماً أحمر — جامعة وارويك

علماء الفلك يكتشفون أربعة أقزام بيضاء مختبئة على مقربة من مجموعتنا الشمسية

كشف فريق بحثي دولي باستخدام مرقاب هابل عن أربعة أقزام بيضاء مخفية خلف أقزام حمراء في نظم نجمية ثنائية ضمن نطاق 65 سنة ضوئية من الشمس، أحدها على بُعد 25 سنة ضوئية فحسب.

ScienceDaily
الذكاء الاصطناعي مقابل الذكاء البشري

باحث يطعن في فرضية تورينج الكبرى: هل ضلّ الذكاء الاصطناعي طريقه منذ 75 عاماً؟

عالم الحاسوب بيتر دينينج يجادل بأن افتراضَي تورينج الأساسيين المتعلقَين بالذكاء المجرّد ومحاكاة اللغة قد وجّها البحث التقني في الاتجاه الخاطئ، وأن المعرفة الضمنية البشرية لا يمكن رقمنتها مهما اتسعت النماذج.

ScienceDaily
مسبار بيرسيفيرانس على سطح المريخ

بيرسيفيرانس يُتمّ ماراثوناً على المريخ في نصف الزمن الذي استغرقه أوبورتيونيتي

مركبة ناسا بيرسيفيرانس تُكمل 42 كيلومتراً على سطح المريخ في خمس سنوات وأربعة أشهر فحسب، متفوقةً على سجل أوبورتيونيتي الذي استغرق أكثر من 11 عاماً لتحقيق الإنجاز ذاته.

ScienceDaily
بكتيريا الأمعاء وسرطان القولون

علماء يكتشفون البوابة التي يستخدمها سُمّ بكتيري لإطلاق سرطان القولون

باحثون من جونز هوبكنز يكشفون أن سُمّ بكتيريا الأمعاء الشائعة يرتبط ببروتين كلودين-4 كبوابة دخول لتدمير حاجز القولون، مع نجاح أوّلي لـ'خداع جزيئي' في حماية الفئران.

ScienceDaily
خلايا عصبية ومرض الزهايمر

هيكل خلوي خفي في الخلايا العصبية قد يُبطئ مسار مرض الزهايمر

علماء من جامعة بنسيلفانيا يكتشفون أن انهيار هيكل شبكي دقيق يُبطّن الخلايا العصبية يُفضي إلى تراكم بروتينات الزهايمر، مما يفتح أفقاً علاجياً جديداً قائماً على تثبيت هذا الهيكل.

ScienceDaily