طفرات سرطان الدم مرتبطة بمرض الزهايمر: اكتشاف يفتح آفاقاً علاجية جديدة

دراسة من مستشفى بوسطن للأطفال تكشف أن طفرات جينية تُحرّك سرطانات الدم توجد في خلايا المناعة الدماغية لدى مرضى الزهايمر، مما يُلمّح إلى نهج علاجي جديد باستخدام أدوية السرطان وفحوصات دم مبكرة للكشف عن المرض.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٤ يونيو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
صورة مجهرية للحمض النووي والدماغ البشري توضح الطفرات الجينية

كشفت دراسة علمية رائدة نشرتها مجلة Cell في يونيو 2026 أن الطفرات الجينية المرتبطة بسرطانات الدم قد تؤدي دوراً محورياً في الإصابة بمرض الزهايمر، وهو اكتشاف يُعيد رسم خارطة فهمنا لأحد أكثر الأمراض العصبية تدميراً في العالم، ويُلمح إلى إمكانية الاستفادة من أدوية السرطان الموجودة في علاج هذا الداء العسير.

أجرى الدراسة فريق بحثي من مستشفى بوسطن للأطفال بقيادة الطبيب والباحث كريستوفر والش، إذ حلّل الباحثون 149 جيناً مرتبطاً بالسرطان في عيّنات من أنسجة الدماغ لـ190 مريضاً بالزهايمر، مقارنةً بـ121 شخصاً سليماً. وكشفت النتائج أن عيّنات مرضى الزهايمر تحتوي على طفرات جينية أكثر بكثير، وتتركز بصورة لافتة في خمسة جينات محرّكة للسرطان تحديداً.

والأكثر إثارةً للدهشة كان ما وجده الباحثون عند فحص عيّنات الدم للمرضى أنفسهم: تطابق في الطفرات الجينية بين ما وُجد في الدماغ وما في الدم. فالخلايا الدبقية الصغيرة، وهي خلايا المناعة المقيمة في الدماغ التي تتولى حمايته من الالتهابات والضرر، كانت تحمل الطفرات ذاتها التي تحرّك سرطانات الدم كاللمفوما وسرطان الدم اللوكيميا.

يرسم الباحثون سيناريو بيولوجياً مذهلاً لتفسير هذه الظاهرة: مع التقدم في السن أو إثر إصابات دماغية، يضعف الحاجز الدموي الدماغي، وهو الجدار الدقيق الذي يحمي الدماغ من المواد الضارة المتدفقة في مجرى الدم. هذا الضعف يفتح ثغرات تتسلل منها خلايا دم مناعية حاملة لطفرات جينية إلى داخل الدماغ، حيث تتحول تدريجياً إلى خلايا شبيهة بالخلايا الدبقية الصغيرة. وبفضل الميزة البيولوجية التي تمنحها إياها تلك الطفرات، تتكاثر هذه الخلايا المتحوّلة وتتوسع، مُطلِقةً حالةً من الالتهاب العصبي المزمن الذي يُدمّر الخلايا العصبية ويُعجّل بالتنكس العصبي.

قال الباحثون إن «مرض الزهايمر يشبه إلى حدٍّ ما السرطان، إذ تحرّكه الطفرات الجينية ذاتها التي تقود سرطانات الدم»، وهي عبارة تُلخّص حجم الأهمية العلمية لهذا الاكتشاف. فهذا الاكتشاف يُطيح بالحواجز التقليدية بين تخصصات طب الأورام وطب الأعصاب، ويفتح باباً نحو نهج علاجي مُدمج لم يكن متصوَّراً من قبل.

تتفرع من هذه الدراسة آفاق تطبيقية واعدة في اتجاهين متوازيين. أولهما: إمكانية تطوير اختبارات فحص مبكر معتمدة على عيّنات الدم، إذ يمكن نظرياً الكشف عن الطفرات الجينية في دم الأشخاص قبل أن تظهر عليهم أي أعراض للزهايمر، مما يفتح المجال للتدخل الوقائي المبكر. وثانيهما: إعادة توظيف الأدوية السرطانية الموجودة؛ فبما أن الطفرات المكتشفة هي ذاتها التي تُعالَج في سرطانات الدم، فإن الأدوية التي أثبتت فاعليتها في الأورام قد تُوقف أو تُبطئ التنكس العصبي في الدماغ.

هذا الاكتشاف يأتي في وقت بالغ الأهمية؛ إذ يُصنَّف مرض الزهايمر بوصفه أحد أكبر التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات المتقدمة في العمر حول العالم، وتبلغ تكاليفه السنوية مئات المليارات من الدولارات دون أن يتوفر حتى اليوم علاج ناجع يوقف مساره. وتُشير التقديرات إلى أن أكثر من 55 مليون شخص يعيشون مع الخرف عالمياً، يُمثّل الزهايمر ما يزيد على 60% منهم.

وتحمل هذه الدراسة أهمية خاصة للمنطقة العربية التي تعاني من ارتفاع ملحوظ في أعداد مرضى الزهايمر مع تقدم الفئات العمرية؛ إذ تُشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المصابين بالخرف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2050. وتعمل مؤسسات كمستشفى الملك فيصل التخصصي بالمملكة العربية السعودية وجامعة الإمارات على توطين أبحاث الأمراض العصبية بهدف فهم السمات الوراثية الخاصة بالمجتمعات العربية. وقد يُتيح ربط الكشف المبكر عن طفرات الدم ببروتوكولات تشخيصية جديدة تُطوَّر محلياً تقديمَ رعاية أكثر دقةً لمرضى الزهايمر العرب مستقبلاً.

بيد أن الدراسة تُؤكد أنها لا تزال في مرحلة الاستكشاف والفهم، وأن المسافة بين هذا الاكتشاف البيولوجي وتطبيقات علاجية أو تشخيصية واسعة النطاق لا تزال تستلزم سنوات من البحث والتجارب السريرية. فمعرفة أن الطفرات الجينية موجودة شيء، وإثبات العلاقة السببية المباشرة بينها وبين المرض وتصميم التدخل الملائم شيء آخر. ومع ذلك، يتفق المختصون على أن فتح هذا الباب البحثي يمثّل نقطة تحول حقيقية في مسيرة فهم الزهايمر، ربما تُفضي في نهاية المطاف إلى علاج ناجح لهذا المرض الذي طال انتظار حله.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
اقرأ أيضًا

المزيد من صحة

تساقط كتل الجليد من أحد المتجمدات في ألاسكا

دراسة في نيتشر: كل درجة مئوية إضافية تُمدّد ذوبان جليديات ألاسكا ثلاثة أسابيع

رصدت جامعتا كارنيغي ميلون وألاسكا أكثر من 3000 جليد متحرك بالرادار الفضائي 8 سنوات، وخلصتا إلى أن كل درجة مئوية في ارتفاع حرارة الصيف تُطيل موسم الذوبان ثلاثة أسابيع، مع فقدان 28% من الغطاء الثلجي الواقي خلال موجات الحر.

ScienceDaily
تمثيل بصري للتزامن الكمومي أحادي الاتجاه

تزامن كمومي أحادي الاتجاه: خطوة نحو حواسيب كمومية أكثر موثوقية

علماء مركز RIKEN للحوسبة الكمومية في اليابان يحققون إنجازاً في التزامن الكمومي للفونونات يعمل في اتجاه واحد فقط، مما يمنح المنظومات الكمومية مقاومةً أعلى للضوضاء وعيوب التصنيع.

ScienceDaily
صورة ثلاثية الأبعاد تُظهر ارتباط الجسم المضاد بجزيئة الفنتانيل

لقاح تجريبي يعد بإيقاف جرعات الفنتانيل الزائدة قبل وقوعها

باحثو معهد سكريبس يطورون لقاحاً يدرّب جهاز المناعة على التعرف على طيف واسع من مشتقات الفنتانيل، وتجارب على الحيوانات تُظهر نتائج واعدة بخفض تركيز المادة في الدماغ بنسبة 70%.

ScienceDaily