ناسا تُعيد رسم خريطة أرتيميس: ستارشيب تلتحم بأوريون في مدار الأرض قبل رحلة القمر
كشفت ناسا عن تحديثات جذرية في خطط مركبات الهبوط القمرية لبرنامج أرتيميس؛ إذ ستلتحم ستارشيب بأوريون في المدار الأرضي المنخفض بدلاً من المدار القمري، فيما تتخلى بلو أوريجن عن المركبة الناقلة. وتستهدف المهمة الأولى بطاقم بشري عام 2028.

كشفت وكالة ناسا عن تحديثات جوهرية طالت خطط مركبات الهبوط القمرية ضمن برنامج أرتيميس، وذلك إثر مراجعة شاملة أجرتها كلٌّ من شركة سبيس إكس وشركة بلو أوريجن للعقبات التشغيلية التي واجهتها التصاميم السابقة. وتأتي هذه التغييرات في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى إعادة الإنسان إلى سطح القمر للمرة الأولى منذ برنامج أبولو، مع التطلع إلى تحقيق وجود بشري مستدام على القمر خلال العقد الحالي.
تمثّل التحول الأبرز في التصميم الذي قدمته سبيس إكس لمركبة ستارشيب القمرية؛ إذ أعادت الشركة رسم معمارية المهمة بالكامل. فبدلاً من الخطة الأصلية التي كانت تقضي بالتحام ستارشيب مع مركبة أوريون الفضائية في المدار الهالة القريب من القمر، ستجري عملية الالتحام الآن في المدار الأرضي المنخفض. وبعد نجاح الالتحام، تنطلق المركبتان معاً نحو القمر عبر ما يُعرف بالحقن العابر للقمر، لتتجها نحو المدار القمري المنخفض حيث تنفصل ستارشيب للنزول إلى السطح.
ولهذا التعديل تداعيات سلامة بالغة الأهمية؛ فالالتحام في المدار الأرضي المنخفض يمنح رواد الفضاء فرصة الإجهاض والعودة السريعة في أي لحظة تقريباً طوال رحلة الذهاب، خلافاً للتصميم السابق الذي كان يقتضي الانتظار أياماً في بعض الأحيان قبل تتاح نافذة عودة آمنة من المدار الهالة. وتعتمد ستارشيب المخصصة لمهمة أرتيميس 3 على نسخة V3 القياسية من خط الإنتاج مع تعديلات طفيفة، تشمل وحدة التحام دون الحاجة إلى كابينة طاقم مستقلة أو منظومات خاصة بالبيئة القمرية، مما يُقلّص التكاليف ويختصر جداول التطوير.
أما بلو أوريجن، فقد اختارت مساراً مختلفاً في مراجعة تصميم مركبة بلو مون. فقد تخلّت الشركة عن المركبة "الناقلة" التي كانت مُصمَّمة لتجميع وقود الدفع في المدار الأرضي، واستعاضت عنها بـ"مراحل انتقال مستوحاة من مارك 1"، وهي مراحل أبسط هندسياً وأقل مخاطرةً تقنية. ويُسهم هذا التبسيط في التخلص من أبرز نقاط المخاطر التطويرية التي كانت تُعقّد الجداول الزمنية وترفع التكاليف. وأعلنت بلو أوريجن أن تصنيع وحدة طاقم بلو مون مارك 2 لمهمة أرتيميس 3 قد بدأ فعلياً، مع استهداف الاستعداد للإطلاق بحلول عام 2027.
وبحسب التسلسل الزمني المُحدَّث للبرنامج، ستشهد مهمة أرتيميس 3 رحلة اختبار في المدار الأرضي المنخفض، تلتحم خلالها مركبة أوريون الفضائية بنماذج مركبتَي الهبوط من شركتَي سبيس إكس وبلو أوريجن في وقت واحد. وتُعدّ هذه المهمة اختباراً شاملاً لجميع أنظمة الالتحام والتحكم والإجراءات التشغيلية قبل الانتقال إلى العمليات القمرية الفعلية. أما مهمة أرتيميس 4 المقررة لعام 2028، فستحمل أول طاقم بشري للهبوط على سطح القمر في إطار هذا البرنامج، محققةً بذلك حلماً أمريكياً يمتد لأكثر من نصف قرن.
وتعكس هذه التعديلات درساً عملياً مستخلصاً من سنوات التطوير المتعثّر؛ فالتبسيط الهندسي ليس تراجعاً بل هو في أحيان كثيرة الطريق الأقصر نحو النجاح. وقد أسهمت الضغوط المتزايدة على الميزانيات الفيدرالية، إلى جانب المنافسة المتصاعدة من البرامج الفضائية الصينية التي تعلن صراحةً عن طموحاتها القمرية، في دفع ناسا نحو خيارات أكثر عملية وأسرع في التنفيذ.
ولا يقف العالم العربي بعيداً عن هذا الحراك الفضائي الجديد؛ إذ انضمت الإمارات العربية المتحدة إلى اتفاقيات أرتيميس مبكراً مُعلنةً التزامها بمبادئ الاستكشاف الفضائي السلمي، كما وقّعت المملكة العربية السعودية على هذه الاتفاقيات عام 2023. ويُشكّل مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي ركيزةً أساسية في خطط الإمارات للتوسع في قطاع الفضاء، فيما يتطلع هذا المركز إلى تطوير مسبار مداري للقمر ضمن خارطة طريقه الفضائية. وتُرسل التطورات المتسارعة في برنامج أرتيميس إشارةً واضحةً للمؤسسات الفضائية العربية بأن المشاركة في الاقتصاد الفضائي القمري قادمة لا محالة، مما يُحفّز الاستثمار في تأهيل الكوادر العربية لهذا القطاع المستقبلي.
ومع ذلك تظل تحديات جسيمة قائمة؛ فعملية نقل وقود الدفع في المدار تبقى من أعقد العمليات التي لم يُجرِها البشر بعد على النطاق المطلوب. وستكون مهمة أرتيميس 3 الاختبارية في المدار الأرضي المنخفض الفرصة الأولى لتجريب هذه الإجراءات بمركبات حقيقية وطواقم بشرية. ومهما كانت نتائجها، فإنها ستُلقي ضوءاً حاسماً على قدرة البشرية على إرساء وجود منتظم على الجسم السماوي الذي طالما رسم معالم الخيال الإنساني وألهم أجيالاً من المستكشفين والعلماء والشعراء على مدى آلاف السنين.
المزيد من فضاء
رياح الثقب الأسود الهائل أقوى بمئة مرة مما ظنّه العلماء
رصد علماء فلك باستخدام مهمة تصوير الأشعة السينية والمطيافية (إكسريزم) رياحاً صادرة عن ثقب أسود هائل تفوق طاقتها التقديرات السابقة بمئة مرة، وتمتد اضطراباتها نحو ثلاثمئة ألف سنة ضوئية خارج المجرة المضيفة.

الجيش الأمريكي يكشف عن أسلحة في المدار: الفضاء ساحة حرب جديدة
أعلن وزير سلاح الجو الأمريكي تروي مينك، للمرة الأولى، أن الجيش الأمريكي نشر أسلحة فضائية في مدار الأرض قادرة على الدفاع ضد أي تهديد معادٍ في الفضاء.

سبيس إكس تستعد لأول إطلاق مداري لستارشيب في 22 سبتمبر
تستعد شركة سبيس إكس لتنفيذ الرحلة الاختبارية الرابعة عشرة لصاروخها العملاق ستارشيب، في محاولة تاريخية لوضع المرحلة العلوية في مدار حول الأرض لأول مرة، مع نشر ستة وعشرين قمراً من أقمار ستارلينك الجيل الثالث.
لغز قرن: ما الذي يتخفى في سحب الزهرة ليمتص الضوء فوق البنفسجي؟
وصل علماء الفلك إلى قيود كمية دقيقة تتعلق بالمادة المجهولة التي تُشكّل الأنماط الداكنة في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة، وإن ظل هوية هذا الماصّ الغامض طيّ الكتمان.

محاكاة جديدة تكشف أن جيولوجيا الأرض وتيا حدّدت مصير تكوّن القمر
اكتشف علماء في معهد ساوثويست للأبحاث أن درجة الحرارة وخصائص مادة الأرض وتيا عند الاصطدام قبل 4.5 مليار سنة تُحدّد جوهرياً سيناريو تكوّن القمر، مما يتحدى الافتراضات السائدة في نظرية الارتطام العملاق.

علماء الفلك يرصدون إشارة هيدروجينية قديمة قد تُعيد رسم خريطة الكون
رصد فريق من علماء الفلك إشارة راديوية خافتة للهيدروجين المتعادل قادمة من مليارات السنين الضوئية باستخدام تلسكوب ميركات الجنوب أفريقي، في إثبات لجدوى تقنية رسم خرائط شدة الهيدروجين لفهم بنية الكون.