مرايا متحوّلة الشكل في تلسكوب رومان الفضائي قد تكشف عوالم شبيهة بالمشتري

يحمل تلسكوب ناسا 'نانسي غريس رومان' أول كورونوغراف فضائي نشط مزوداً بمرايا قابلة للتشكيل تُتيح إسكات ضوء النجوم ورصد الكواكب الخارجية بحساسية تفوق السابق بألف مرة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٣ يوليو ٢٠٢٦
القراءات
٣
الوقت
قراءة 3 دقائق
تلسكوب رومان الفضائي مع الكورونوغراف النشط

يستعد تلسكوب الفضاء 'نانسي غريس رومان' التابع لوكالة ناسا الأمريكية لكتابة فصل جديد في تاريخ الفلك، حين يتحول أول كورونوغراف فضائي نشط في العالم إلى عيون بشرية تتطلع عبر مليارات السنين الضوئية بحثاً عن كواكب خارجية شبيهة بالمشتري.

يعاني علماء الفلك منذ عقود من مشكلة أساسية: الضوء النجمي الساحق الذي يحجب رؤية الكواكب المحيطة بالنجوم، إذ يفوق سطوع النجم سطوع الكوكب الدائر حوله بنحو مليار مرة. الكورونوغراف هو الجهاز الذي يُقلّص هذا التباين الهائل، غير أن كورونوغرافات هابل وجيمس ويب كانت ثابتة وغير تكيفية، تعمل بالطريقة ذاتها بصرف النظر عن ظروف الرصد المتغيرة.

تلسكوب رومان يُطلق نهجاً مختلفاً كلياً. يضم الكورونوغراف مرآتين قابلتين للتشكيل، تحتوي كل منهما على شبكة مشغّلات بأبعاد 48×48 وحدة. يستطيع كل مشغّل تحريك سطح المرآة بمقدار يصل إلى نصف ميكرومتر، بخطوات لا تتجاوز 10 بيكومترات أي نحو عُشر قطر ذرة الهيدروجين الواحدة. هذا المستوى الاستثنائي من الضبط يُشكّل ما يُعرف بالتحكم في الجبهة الموجية: قياس أي ضوء نجمي متبقٍّ قبل كل جلسة رصد، ثم تعديل أسطح المرايا لإلغائه بدقة متناهية.

يخلق هذا النظام ما يصفه مهندسو ناسا بـ'المنطقة الحلقية حول النجم'، وهي نطاق داكن يُسكت فيه الوهج النجمي تاركاً الكواكب الخافتة تبرز من حوله. في هذه المنطقة المحررة من الضوء الساطع، يصبح ممكناً التقاط الضوء المنعكس عن كواكب تدور على مسافات محددة من نجومها. تُشير تقديرات الفريق الهندسي إلى أن الحساسية ستتحسن بما يعادل ألف مرة مقارنة بالكورونوغرافات الفضائية الحالية.

تتركز الجهود في المرحلة الأولى على رصد كواكب خارجية شبيهة بالمشتري، أي عمالقة غازية ناضجة تدور في مدارات بعيدة حول نجوم تشبه شمسنا. وعلى الرغم من أن هذه الكواكب ستبدو في الصور مجرد تجمعات ضبابية من البيكسلات لا أجراماً مفصّلة، فإن ذلك يكفي لتحليل الطيف الضوئي المنعكس عنها وتحديد مكوّنات غلافاتها الجوية، بل وربما الاستدلال على طبيعة أسطحها.

تُضاف إلى الكورونوغراف كاميرا واسعة الحقل بدقة 300 ميغابيكسل، تُوفّر صوراً أوسع بمئة مرة مما يلتقطه هابل عند مستوى دقة مماثل. هذا التوليف بين الكورونوغراف النشط والكاميرا الشاملة يمنح العلماء أداة رصد غير مسبوقة في تاريخ الفلك الفضائي.

يُطرح سؤال مشروع: لماذا لم يكن هذا ممكناً مع تلسكوب جيمس ويب الذي أذهلنا بصور الكون العميق؟ الجواب يكمن في طبيعة الكورونوغراف ذاته؛ فتلسكوب ويب مُصمَّم بالدرجة الأولى للرصد في الأشعة تحت الحمراء ويحمل كورونوغرافاً ثابتاً يفتقر إلى الديناميكية التكيفية التي يمتلكها رومان. النهج التكيفي لرومان يُعوّضه باستمرار عن تشوهات الضوء الناجمة عن حرارة الأجسام وتذبذب الضوء.

صدى المهمة في العالم العربي

يتردد صدى مهمة تلسكوب رومان في مجتمع علمي عربي يُعيد اكتشاف إرثه الفلكي العريق؛ فالحضارة العربية التي أرست قواعد الفلك الرصدي في القرون الوسطى وخلّدت أسماءها في نجوم لا تزال تُعرف بتسمياتها العربية كـ'الدبران' و'بيتلجوز'، تقف اليوم في مرحلة إحياء فضائي طموح. مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي ووكالة الفضاء السعودية يُراقبان عن كثب تطور مهام كشف الكواكب الخارجية، إذ يضع كلاهما في خططه الاستراتيجية تعزيز التعاون العلمي الدولي في مجال استكشاف الكون. وستكون بيانات رومان المفتوحة أمام المجتمع الأكاديمي العالمي فرصة لطلاب الدكتوراه والباحثين العرب للمشاركة في اكتشافات ستُشكّل الفهم البشري للكون لعقود مقبلة.

يرى العلماء أن رومان يمثل الحلقة الرابطة التي يحتاجها الفلك بين ما تحقق الآن وما سيكون ممكناً غداً. بياناته ستستغرق عقوداً لتحليلها الكامل، لكنها ستُمهّد الطريق للمرصد الفضائي للعوالم الصالحة للحياة الذي تتطلع ناسا إلى إطلاقه مستقبلاً. ذلك المرصد سيسعى لاستخلاص ضوء كوكب يشبه الأرض من وسط سيل ضوئي نجمي يتجاوزه بمليار مرة، بحثاً عن توقيعات كيميائية تدل على وجود حياة.

السؤال الذي لم يتوقف البشر عن طرحه منذ أن وجّهوا أبصارهم نحو السماء المظلمة - هل ثمة عالم آخر هناك؟ - بات أقرب من أي وقت مضى إلى إجابة علمية مدعومة بالأدلة.

المصدر الأصلي
MIT Technology Review
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

قمر اتصالات صناعي يحلّق في الفضاء فوق الأرض

تقرير: سوق الاتصالات الساتلية يبلغ 145 مليار دولار بحلول 2035

تقرير نوفاسبيس يتوقع نمو سوق خدمات الاتصالات الساتلية إلى 145 مليار دولار بحلول 2035، مع تحوّل كبير من البث التلفزيوني إلى خدمات البيانات والإنترنت الفضائي.

SpaceNews
رسم توضيحي لديناصور السبينوصور وهو يسبح في الماء

دراسة جديدة: السبينوصور قضى معظم حياته في الماء لا على البر

باحثون من جامعة ييل يستخدمون تعلم الآلة لتحليل نسب أطراف أكثر من 11 ألف عيّنة، ويؤكدون أن السبينوصور كان مائي المعيشة بدرجة كبيرة خلال العصر الطباشيري.

ScienceDaily
رسم توضيحي لمنظومة سي دي-35 2722 يظهر النجم والقزم البني والتابع الخارجي المرشّح

علماء الفلك يكتشفون ما قد يكون أول قمر خارج المجموعة الشمسية

رصد فريق دولي بتلسكوب "في إل تي" جرماً بكتلة كوكب المشتري يدور حول قزم بني، في أول دليل محتمل على وجود قمر خارجي يتحدى تعريفات الكواكب والأقمار المعروفة.

ScienceDaily
صورة توضيحية لأحد أقمار ستارلينك الصناعية التابعة لشركة سبيس إكس

خدمة ستارلينك تعود لطبيعتها في أوكرانيا بعد تدخل ترامب لدى ماسك

عادت خدمة ستارشيلد العسكرية التابعة لستارلينك للعمل بشكل طبيعي في أوكرانيا، بعد فترة تقييد أثّرت على سيطرة الجيش على طائراته المسيّرة وتدخّل الرئيس الأمريكي شخصيًا لحل الأزمة.

TechCrunch
رسم توضيحي لمجرة بعيدة تحتوي على ثلاثة ثقوب سوداء هائلة نشطة

اكتشاف ثلاثة ثقوب سوداء هائلة في مجرة من فجر الكون

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك ثلاثة ثقوب سوداء هائلة نشطة تتغذى في آنٍ واحد داخل مجرة واحدة تبعد نحو 12.5 مليار سنة ضوئية، في أول اكتشاف موثق من نوعه في الكون المبكر باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي.

ScienceDaily
مادة موصلة فائقة تطفو فوق مغناطيس بفعل خاصية الطفو المغناطيسي

خلل خفي يهدد أربعين عاماً من فهمنا للموصلات الفائقة

تصوير ثلاثي الأبعاد بالأشعة السينية يكشف أن موصلاً فائقاً دُرس لعقود ليس متجانساً كما كان يُفترض، بل يحتوي على حدود بلورية واسعة قد تضعف توصيله الفائق.

ScienceDaily