علماء الفلك يرصدون إشارة هيدروجينية قديمة قد تُعيد رسم خريطة الكون
رصد فريق من علماء الفلك إشارة راديوية خافتة للهيدروجين المتعادل قادمة من مليارات السنين الضوئية باستخدام تلسكوب ميركات الجنوب أفريقي، في إثبات لجدوى تقنية رسم خرائط شدة الهيدروجين لفهم بنية الكون.

رصد فريق دولي من علماء الفلك إشارةً راديوية بالغة الخفوت للهيدروجين المتعادل صادرةً من مليارات السنين الضوئية، في إنجاز يُعدّ خطوةً بارزةً نحو رسم خرائط ثلاثية الأبعاد لبنية الكون. وتُثبت هذه النتيجة الجديدة أن تقنية رسم خرائط شدة الهيدروجين باتت قابلةً للتطبيق الفعلي على المسافات الكونية الشاسعة.
استخدم الباحثون في جامعة مانشستر وجامعة الكيب الغربية في جنوب أفريقيا تلسكوب ميركات، وهو مصفوفة من أربعة وستين طبقاً راديوياً تقع في المناطق الداخلية لجنوب أفريقيا. وقد استغرق الرصد نحو ستة وتسعين ساعة من البيانات التي جُمعت عام 2018 خلال مرحلة العمليات العلمية المبكرة للتلسكوب. وقاد هذا البحث الدكتور سورابه بول من جامعة مانشستر، ونُشرت نتائجه في دورية رسائل المجلة الفيزيائية الفلكية عام 2026.
يُصدر الهيدروجين المتعادل إشارةً راديوية مميزةً تُعرف بخط الـ 21 سنتيمتراً، وهو أحد أبرز الأدوات في الفلك الراديوي. وحين تنتقل هذه الإشارة عبر مليارات السنين الضوئية، تخضع للإزاحة الحمراء الكونية نتيجة توسع الكون، فتتمدد أطوالها الموجية إلى أطوال أكبر. وقد أتاح هذا التمدد للباحثين تحديد الحقبة الكونية التي انبعثت منها الإشارة، إذ تشير التقديرات إلى أن الإشارة المرصودة قطعت نحو أربعة إلى خمسة مليارات سنة ضوئية قبل وصولها إلى الأرض.
ما يُميز هذه الطريقة أنها لا تسعى إلى رصد المجرات واحدةً واحدة، بل تقيس الوهج الراديوي المجمّع المنبعث من أعداد ضخمة من المجرات التي لا يمكن تمييزها بصورة منفردة. ويُعرف هذا النهج بتقنية رسم خرائط شدة الهيدروجين، وهو يُمكّن العلماء من فحص مجلدات هائلة من الفضاء في آنٍ واحد، وإعادة بناء أنماط توزع المادة على مقاييس كونية ضخمة لا يُتاح للتقنيات التقليدية الوصول إليها.
قاس الفريق انبعاثات الهيدروجين المتعادل على مسافات تضاهي المسافة الفاصلة بين درب التبانة ومجرة أندروميدا. وقد واجه الباحثون تحديات جسيمة في عزل الإشارة الكونية الخافتة عن التداخل في الترددات الراديوية الصادر عن المصادر الأرضية والأجهزة الاصطناعية، وهو ما يُعدّ أحد أكبر العقبات في علم الفلك الراديوي في عصرنا الحاضر.
تنبع أهمية هذه النتيجة من أنها تُثبت جدوى تقنية رسم خرائط شدة الهيدروجين عملياً على المسافات الكونية. وتفتح هذه التقنية آفاقاً واسعةً لدراسة تشكّل المجرات وتطورها عبر مليارات السنين، وفهم دور المادة المظلمة في تشكيل الشبكة الكونية الكبرى، وهي البنية الضخمة من الخيوط والعناقيد والفراغات التي تُنظّم توزع المجرات في الكون.
يرى الباحثون أن نتائجهم تُمهّد الطريق أمام تطبيقات أوسع باستخدام مصفوفة تلسكوب الكيلومتر المربع، المشروع الدولي الطموح الذي سيضم آلاف الأطباق الراديوية الممتدة عبر جنوب أفريقيا وأستراليا. وسيمنح هذا التلسكوب العملاق قدرةً غير مسبوقة على رسم خرائط توزع المادة في الكون عبر أحقاب كونية متعاقبة، مما سيُسهم في الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة الكون ومصيره.
يتقاطع هذا الإنجاز مع مسيرة الاستكشاف العربي للفضاء؛ فقد كشف مسبار المريخ الإماراتي "أمل" منذ وصوله إلى مداره المريخي عام 2021 معطيات قيّمة عن الغلاف الجوي للكوكب الأحمر، فاتحاً باباً للتعاون العلمي بين هيئة الفضاء الإماراتية وشركائها الدوليين. كما تسعى المملكة العربية السعودية إلى بناء قاعدة بحثية فلكية متقدمة ضمن رؤية 2030، مما يُؤهّل المنطقة لأن تكون شريكاً فاعلاً في مشاريع رسم خرائط الكون الكبرى المستقبلية كمصفوفة تلسكوب الكيلومتر المربع.
يُعلق الدكتور بول على هذه النتيجة بأن اكتشاف هذه الإشارة الخافتة بعد مسيرة مليارات السنين يُجسّد قدرة علم الفلك الراديوي الحديث على استكشاف أعماق الكون. ويُمثّل هذا الرصد دليلاً على أن البشرية تمتلك اليوم أدوات قادرة على رسم صورة شاملة لبنية الكون الكبرى، وفهم القوى التي شكّلت ملامحه منذ مليارات السنين حتى يومنا هذا.
المزيد من علوم

تقرير: سوق الاتصالات الساتلية يبلغ 145 مليار دولار بحلول 2035
تقرير نوفاسبيس يتوقع نمو سوق خدمات الاتصالات الساتلية إلى 145 مليار دولار بحلول 2035، مع تحوّل كبير من البث التلفزيوني إلى خدمات البيانات والإنترنت الفضائي.

دراسة جديدة: السبينوصور قضى معظم حياته في الماء لا على البر
باحثون من جامعة ييل يستخدمون تعلم الآلة لتحليل نسب أطراف أكثر من 11 ألف عيّنة، ويؤكدون أن السبينوصور كان مائي المعيشة بدرجة كبيرة خلال العصر الطباشيري.

علماء الفلك يكتشفون ما قد يكون أول قمر خارج المجموعة الشمسية
رصد فريق دولي بتلسكوب "في إل تي" جرماً بكتلة كوكب المشتري يدور حول قزم بني، في أول دليل محتمل على وجود قمر خارجي يتحدى تعريفات الكواكب والأقمار المعروفة.

خدمة ستارلينك تعود لطبيعتها في أوكرانيا بعد تدخل ترامب لدى ماسك
عادت خدمة ستارشيلد العسكرية التابعة لستارلينك للعمل بشكل طبيعي في أوكرانيا، بعد فترة تقييد أثّرت على سيطرة الجيش على طائراته المسيّرة وتدخّل الرئيس الأمريكي شخصيًا لحل الأزمة.

اكتشاف ثلاثة ثقوب سوداء هائلة في مجرة من فجر الكون
رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك ثلاثة ثقوب سوداء هائلة نشطة تتغذى في آنٍ واحد داخل مجرة واحدة تبعد نحو 12.5 مليار سنة ضوئية، في أول اكتشاف موثق من نوعه في الكون المبكر باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي.

خلل خفي يهدد أربعين عاماً من فهمنا للموصلات الفائقة
تصوير ثلاثي الأبعاد بالأشعة السينية يكشف أن موصلاً فائقاً دُرس لعقود ليس متجانساً كما كان يُفترض، بل يحتوي على حدود بلورية واسعة قد تضعف توصيله الفائق.