فيزيائيون يحققون الحد الكمومي الأقصى لجزيء واحد على سطح صلب لأول مرة
توصل باحثون في معهد ماكس بلانك لعلوم الضوء إلى جعل جزيء مفرد ملتصق بسطح بلوري يبلغ حد فورييه، وهو الحد الفيزيائي الأقصى للتماسك الكمومي، في إنجاز قد يمهد لتقنيات حوسبة واتصالات كمومية أكثر دقة.

أعلن باحثون من معهد ماكس بلانك لعلوم الضوء في ألمانيا عن تحقيق إنجاز فيزيائي دقيق، تمثّل في جعل جزيء مفرد ملتصق بسطح بلوري صلب يبلغ "حد فورييه"، وهو الحد الفيزيائي الأقصى المطلق للتماسك الكمي الضوئي. ونُشرت الدراسة في مجلة "ساينس" بقيادة البروفيسور فاهد سندوغدار، مدير المعهد ورئيس قسم البصريات النانوية فيه، بمشاركة الدكتور أليكسي شكارين وزملاء آخرين. وتكمن أهمية هذا الإنجاز في أنه كان يُعتقد سابقاً أن التلوث السطحي، الذي يتراكم حتماً على أي سطح صلب، يجعل بلوغ هذا الحد مستحيلاً بالنسبة لجزيئات ملتصقة بسطح ما، خلافاً للجزيئات المعزولة في الفراغ أو المطمورة داخل بلورات صلبة.
وتعد الباعثات الكمومية، وهي ذرات أو جزيئات قادرة على إصدار فوتونات مفردة أو متشابكة كمومياً، اللبنة الأساسية لتقنيات الحوسبة الكمومية والاتصالات الآمنة كمومياً. وعادة ما يتم عزل هذه الباعثات في فراغ عميق أو تضمينها داخل مواد صلبة لحمايتها من أي تشويش بيئي قد يُفسد خصائصها الكمومية الدقيقة. غير أن وضع هذه الباعثات على سطح مكشوف يحمل ميزة عملية كبرى، إذ يتيح فحصها مباشرة بأدوات تصوير دقيقة للغاية مثل المجهر الماسح النفقي ومجهر القوة الذرية، وهما جهازان قادران على رسم خرائط لسطح المواد على المستوى الذري. لكن المشكلة التقليدية أن الملوثات المتراكمة على أي سطح عادي تشوّش الخصائص الكمومية للجزيئات الملتصقة به بشدة.
وابتكر الفريق أسلوباً دقيقاً للتغلب على هذه العقبة: فقد وضع بلورة عضوية صغيرة داخل حجرة مفرغة شديدة البرودة، ثم تركها في درجة حرارة الغرفة لفترة قصيرة تتيح لطبقاتها العليا أن "تتسامى" ببطء، أي تتبخر مباشرة من الحالة الصلبة، حاملة معها الملوثات العالقة وتاركة سطحاً نظيفاً للغاية خلفها. بعد ذلك، بردت البلورة إلى درجة حرارة قريبة جداً من الصفر المطلق، وهو ما أوقف عملية التسامي وحافظ على نظافة السطح. وأخيراً، استُخدم فرن صغير مصمم خصيصاً لترسيب جزيئات مفردة فوق هذا السطح البارد النظيف، لتستقر عليه.
وأظهرت النتائج أن الجزيئات الملتصقة بالسطح النظيف وصلت باستمرار إلى حد فورييه، ما يعني أن البيئة المحيطة بها كانت هادئة بما يكفي للحفاظ على خصائصها الكمومية لأطول مدة ممكنة فيزيائياً، وهي المدة المعروفة بـ"زمن التماسك". ويشير الباحثون إلى أن زمن التماسك في البيئات الصاخبة أو غير النظيفة قد يتلاشى بسرعة أكبر بمئات أو آلاف المرات من الحد النظري المسموح به، ما يجعل هذا الإنجاز الأول من نوعه الذي يتحقق فيه هذا الحد لجزيئات ملتصقة بسطح صلب.
ورصد الفريق أيضاً تأثيرات دقيقة للسطح على الجزيئات المستقرة عليه، إذ لاحظوا أن التفاعل مع السطح يمكن أن يجعل الجزيئات تصطف باتجاهات معينة، وأن يغيّر مستويات طاقتها، مع مؤشرات على أن السطح قد يؤثر أيضاً على شكل الجزيء أو اهتزازه الداخلي. وقال الدكتور شكارين إن "جودة الباعثات الكمومية تُقاس بزمن تماسكها"، فيما أوضح البروفيسور سندوغدار أن الفريق يخطط مستقبلاً لدمج هذه التقنية مع المجهر الماسح النفقي ومجهر القوة الذرية للتحكم بدقة متناهية في جزيئات مفردة، على مقياس يصل إلى أجزاء من المليار من المتر.
وتحمل هذه النتائج دلالات مهمة لمستقبل تقنيات الكم، إذ تفتح الباب أمام التحكم الدقيق في باعثات كمومية فردية مع إمكانية فحصها وتعديلها مباشرة باستخدام أدوات المجهر النانوي، بعدما كان ذلك يبدو متعذراً بسبب تلوث الأسطح. ويرى الباحثون أن هذا النهج قد يمهد الطريق لهندسة حالات كمومية جديدة للمادة، وتطوير تقنيات جزيئية كمومية مستقبلية تعتمد على التحكم الدقيق بجزيئات مفردة مستقرة على أسطح مكشوفة، بدلاً من حصرها داخل مواد صلبة أو عزلها في فراغ تام.
وعلى صعيد العالم العربي، تُمثّل هذه الأبحاث في الباعثات الكمومية اللبنة التي تستثمر في بناء قواعدها دول إقليمية طموحة كالإمارات والسعودية، اللتين أطلقتا مبادرات في تقنيات الحوسبة الكمومية ضمن مساعيهما لبناء اقتصاد معرفي متقدم. ويرى خبراء الاتصالات أن أمان الشبكات الحكومية والمصرفية في منطقة الخليج سيعتمد مستقبلاً على تقنيات التشفير الكمومي التي تُشكّل الباعثات الكمومية عالية الجودة ركيزتها الأساسية، مما يجعل كل تقدم في دقة هذه الباعثات خطوة مباشرة نحو بنية تحتية رقمية أكثر أماناً في المنطقة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من الأبحاث الأساسية في الفيزياء الكمية، وإن بدا بعيداً عن التطبيقات التجارية المباشرة، يمثل لبنة ضرورية في مسار تطوير تقنيات الحوسبة الكمومية والاتصالات الآمنة كمومياً التي تستثمر فيها حكومات وشركات تقنية كبرى حول العالم مبالغ متصاعدة سنوياً. فكل تحسن في فهم سلوك الباعثات الكمومية الفردية يقرّب العلماء خطوة من بناء أنظمة كمومية عملية أكثر استقراراً، قادرة على العمل خارج بيئات المختبر المعزولة تماماً التي اقتصرت عليها معظم التجارب الكمومية حتى اليوم.
المزيد من الهندسة الإلكترونية

فلكيون يقيسون هيليوم الكون البدائي بدقة غير مسبوقة منذ الانفجار العظيم
فريق فلكي دولي يقيس كمية الهيليوم المتكوّن في أول خمس دقائق من عمر الكون بدقة تبلغ 0.5 بالمئة، أي ثلاثة أضعاف دقة القياسات السابقة، معتمداً على 15 مجرة نائية نقية كيميائياً لاختبار نموذج الانفجار العظيم.

علماء يحسمون جدلاً استمر عقدين: كويكب ضرب بحر الشمال قبل 46 مليون سنة
أثبتت دراسة جديدة أن فوهة سيلفربيت المدفونة تحت بحر الشمال نتجت عن ارتطام كويكب بعرض 160 متراً قبل نحو 46 مليون سنة، مولّداً تسونامي بارتفاع يتجاوز مئة متر، في إنجاز يحسم جدلاً علمياً دام سنوات.

علماء يربطون سكراً غريباً في اللحوم الحمراء بارتفاع خطر السكري بنسبة 63 بالمئة
دراسة فرنسية واسعة تكشف أن السكر الحيواني "نيو5جي سي" الموجود في لحوم الأبقار والضأن قد يرفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني عبر آلية مناعية التهابية جديدة.

لمسة واحدة قد تُعيد الحياة للشعاب المرجانية المبيضة في سبعة أسابيع فقط
دراسة جديدة تكشف أن تلامس الشعاب المرجانية المبيضة شدة مع نسخ سليمة مطابقة جينياً يُسرّع تعافيها بشكل غير متوقع، في أسرع حالة تعافٍ موثقة حتى الآن.

جائزة نوبل 2026 في الطب تُكرّم علماء تحكّموا في خلايا الدماغ بالضوء
كارل ديسروث وبيتر هيغمان وجورغ ناغل يفوزون بجائزة نوبل في الطب عن تطوير علم الوراثة الضوئية، تقنية تتيح التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء.

تسونامي ألاسكا العملاق دفع المياه إلى ارتفاع 481 متراً فوق سفح الجبل
انهيار جبلي ناتج عن ذوبان نهر جليدي في ألاسكا تسبب في ثاني أكبر تسونامي مسجل في التاريخ، ويدعو علماء إلى إنشاء نظام إنذار مبكر من هذا النوع من الكوارث.