فلكيون يقيسون هيليوم الكون البدائي بدقة غير مسبوقة منذ الانفجار العظيم
فريق فلكي دولي يقيس كمية الهيليوم المتكوّن في أول خمس دقائق من عمر الكون بدقة تبلغ 0.5 بالمئة، أي ثلاثة أضعاف دقة القياسات السابقة، معتمداً على 15 مجرة نائية نقية كيميائياً لاختبار نموذج الانفجار العظيم.

تمكّن فريق بحثي فلكي دولي من قياس كمية الهيليوم البدائي الذي تكوّن خلال أول خمس دقائق من عمر الكون بعد الانفجار العظيم، بدقة غير مسبوقة بلغت نسبة عدم يقين لا تتجاوز 0.5 بالمئة، أي أدق بنحو ثلاث مرات من أفضل التقديرات السابقة. ونُشرت نتائج الدراسة في خمس أوراق بحثية منفصلة في مجلة "الفيزياء الفلكية" (The Astrophysical Journal)، بمشاركة باحثين من جامعة مينيسوتا وجامعة ولاية أوهايو وجامعة غونزاغا وجامعة نورث وسترن وجامعة تكساس في أوستن وجامعات ومعاهد أخرى في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
ووصف الباحث إيفان سكيلمان من جامعة مينيسوتا، وهو أحد قادة الدراسة، هذه النتيجة بأنها "واحدة من أكبر الاكتشافات في مسيرتي البحثية التي امتدت أربعين عاماً"، في إشارة إلى الأهمية الكبرى التي يوليها علماء الفلك لقياس نسبة الهيليوم البدائي في الكون، باعتبارها أحد الأدلة الثلاثة الرئيسية التي تدعم نظرية الانفجار العظيم، إلى جانب تمدد الكون المرصود وإشعاع الخلفية الكونية الميكروي المتبقي من بدايات الكون.
واعتمد الفريق على منهجية مختلفة عن الأساليب التقليدية التي كانت تعتمد على رصد عدد كبير من المجرات ثم استقراء النتائج إحصائياً. فبدلاً من ذلك، اختار الباحثون خمس عشرة مجرة نائية وصغيرة الحجم ونقية كيميائياً نسبياً، أي أنها لم تخضع إلا لتطور كيميائي محدود منذ تكوّنها، ما يجعلها أشبه بـ"كبسولات زمنية" تحافظ على تركيب قريب من تركيب الكون في بداياته الأولى. ورصد الفريق هذه المجرات باستخدام التلسكوب الثنائي الكبير (Large Binocular Telescope)، عبر 130 ساعة من الرصد الفلكي، مستعيناً بمطيافَي "موديس" (MODS) اللذين طورتهما جامعة ولاية أوهايو على مدى اثني عشر عاماً منذ الفكرة الأولى وحتى التشغيل الفعلي، بحسب الباحث ريتشارد بوغ من الجامعة نفسها.
وقاس الباحثون أكثر من عشرة خطوط طيفية للهيليوم وخمسة عشر خطاً طيفياً للهيدروجين في آنٍ واحد، وهو ما مكّنهم من رصد وتصحيح مصادر دقيقة للخطأ القياسي كانت الدراسات السابقة قد أغفلتها إلى حد كبير. والخطوط الطيفية هي بصمات ضوئية دقيقة تنتج عن انتقالات إلكترونية محددة داخل الذرة، وتُستخدم عادة لتحديد التركيب الكيميائي للأجسام الفلكية البعيدة بدقة عالية.
ولا تقتصر أهمية هذا القياس على تحسين الدقة الرقمية فحسب، بل يمثل أيضاً اختباراً مباشراً للنموذج القياسي في الفيزياء. فاستناداً إلى قيمة الهيليوم البدائي المقاسة حديثاً، تمكن الباحثون من حساب عدد عائلات النيوترينوات التي كانت موجودة في الكون المبكر، وهي جسيمات دون ذرية بالغة الخفة وعديمة الشحنة الكهربائية، تتفاعل بصعوبة بالغة مع المادة وتُنتج أساساً في التفاعلات النووية البدائية وانفجارات الكون الأولى. ويساعد هذا الحساب العلماء على تقييم مدى توافق فهمنا الحالي لفيزياء الجسيمات مع ما حدث فعلياً في الدقائق الأولى من عمر الكون أثناء عملية التخليق النووي البدائي.
وتمثل هذه النتائج خطوة مهمة في المسار الطويل لعلم الكونيات الرصدي، الذي يعتمد على مقارنة التوقعات النظرية الدقيقة بقياسات رصدية تزداد دقتها باستمرار بفضل تطور التلسكوبات والمطيافيات. ويرى الباحثون أن هذا المستوى الجديد من الدقة في قياس الهيليوم البدائي سيمنح الفيزيائيين النظريين أداة أدق لاختبار أي انحرافات محتملة عن النموذج القياسي للكون، وقد يفتح الباب أمام اكتشاف فيزياء جديدة إذا ما ظهر أي تعارض طفيف بين القياسات الرصدية والتوقعات النظرية في السنوات المقبلة.
وتكمن أهمية إضافية لهذا النوع من القياسات الدقيقة في علاقتها بما يُعرف بـ"مشكلة الليثيوم البدائي"، وهي تباين محيّر لوحظ منذ سنوات بين الكمية المرصودة فعلياً لعنصر الليثيوم في النجوم القديمة والكمية التي يتوقعها نموذج التخليق النووي البدائي نظرياً.
وفي سياق الاهتمام العربي المتصاعد بعلوم الكون والفلك، يمثل مركز محمد بن راشد للفضاء في دولة الإمارات أحد المراكز الإقليمية الصاعدة في هذا الميدان، حيث أثبت مسبار الأمل الإماراتي قدرة العالم العربي على المساهمة في استكشاف المجموعة الشمسية. وتُقدّم نتائج كهذه حول التحقق من نموذج الانفجار العظيم دروساً قيّمة للمراصد الفلكية الناشئة في المنطقة، كمرصد محمد بن راشد للفضاء، وتفتح أمام الجامعات العربية آفاقاً للمشاركة في مشاريع رصد الكون الدقيق التي تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً.
ويأمل الفيزيائيون أن يساعد تحسين دقة قياس عناصر خفيفة أخرى كالهيليوم في تضييق هذه الفجوة تدريجياً، إما عبر تصحيح النماذج النظرية القائمة أو عبر الكشف عن عمليات فيزيائية فلكية إضافية لم تُؤخذ في الحسبان بعد ضمن الحسابات التقليدية.
المزيد من علوم

فيزيائيون يحققون الحد الكمومي الأقصى لجزيء واحد على سطح صلب لأول مرة
توصل باحثون في معهد ماكس بلانك لعلوم الضوء إلى جعل جزيء مفرد ملتصق بسطح بلوري يبلغ حد فورييه، وهو الحد الفيزيائي الأقصى للتماسك الكمومي، في إنجاز قد يمهد لتقنيات حوسبة واتصالات كمومية أكثر دقة.

علماء يحسمون جدلاً استمر عقدين: كويكب ضرب بحر الشمال قبل 46 مليون سنة
أثبتت دراسة جديدة أن فوهة سيلفربيت المدفونة تحت بحر الشمال نتجت عن ارتطام كويكب بعرض 160 متراً قبل نحو 46 مليون سنة، مولّداً تسونامي بارتفاع يتجاوز مئة متر، في إنجاز يحسم جدلاً علمياً دام سنوات.

علماء يربطون سكراً غريباً في اللحوم الحمراء بارتفاع خطر السكري بنسبة 63 بالمئة
دراسة فرنسية واسعة تكشف أن السكر الحيواني "نيو5جي سي" الموجود في لحوم الأبقار والضأن قد يرفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني عبر آلية مناعية التهابية جديدة.

لمسة واحدة قد تُعيد الحياة للشعاب المرجانية المبيضة في سبعة أسابيع فقط
دراسة جديدة تكشف أن تلامس الشعاب المرجانية المبيضة شدة مع نسخ سليمة مطابقة جينياً يُسرّع تعافيها بشكل غير متوقع، في أسرع حالة تعافٍ موثقة حتى الآن.

جائزة نوبل 2026 في الطب تُكرّم علماء تحكّموا في خلايا الدماغ بالضوء
كارل ديسروث وبيتر هيغمان وجورغ ناغل يفوزون بجائزة نوبل في الطب عن تطوير علم الوراثة الضوئية، تقنية تتيح التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء.

تسونامي ألاسكا العملاق دفع المياه إلى ارتفاع 481 متراً فوق سفح الجبل
انهيار جبلي ناتج عن ذوبان نهر جليدي في ألاسكا تسبب في ثاني أكبر تسونامي مسجل في التاريخ، ويدعو علماء إلى إنشاء نظام إنذار مبكر من هذا النوع من الكوارث.