علماء يحسمون جدلاً استمر عقدين: كويكب ضرب بحر الشمال قبل 46 مليون سنة

أثبتت دراسة جديدة أن فوهة سيلفربيت المدفونة تحت بحر الشمال نتجت عن ارتطام كويكب بعرض 160 متراً قبل نحو 46 مليون سنة، مولّداً تسونامي بارتفاع يتجاوز مئة متر، في إنجاز يحسم جدلاً علمياً دام سنوات.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
تصور فني لارتطام كويكب بالمحيط

حسمت دراسة جديدة نُشرت في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" جدلاً علمياً استمر لسنوات حول أصل فوهة "سيلفربيت"، المدفونة على عمق نحو 700 متر تحت قاع بحر الشمال الجنوبي، على بُعد نحو 130 كيلومتراً قبالة سواحل مقاطعة يوركشاير البريطانية. وأكد فريق بحثي بقيادة الدكتور أويسديان نيكلسون من جامعة هيريوت-وات في إدنبرة أن هذه الفوهة، التي يبلغ قطرها نحو ثلاثة كيلومترات وتحيط بها حلقة من الصدوع الدائرية بعرض يقارب عشرين كيلومتراً، نتجت فعلاً عن ارتطام كويكب بسطح البحر قبل ما بين 43 و46 مليون سنة، منهياً بذلك جدلاً علمياً طويلاً حول طبيعتها.

واكتُشفت فوهة سيلفربيت للمرة الأولى عام 2002، لكن بعض الجيولوجيين شككوا منذ البداية في فرضية الارتطام الكويكبي، وطرحوا تفسيرات بديلة تتحدث عن حركة طبقات الملح الجوفية أو انهيار بركاني. وبلغ الخلاف ذروته عام 2009 حين أجرى الجيولوجيون تصويتاً حول الفرضية الأرجح، ورفضت الأغلبية حينها فرضية الارتطام الكويكبي لصالح التفسيرات الجيولوجية الأخرى.

واستند فريق نيكلسون في حسم الجدل إلى ثلاث طرق بحثية متكاملة. أولاً، استُخدمت صور حديثة ناتجة عن تقنية التصوير الزلزالي، التي تحلل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر الصخور، لكشف البنية الداخلية للفوهة بتفاصيل لم تكن متاحة من قبل. ثانياً، فحص الباحثون عينات صخرية مستخرجة من بئر نفط قريب من الفوهة، فعثروا عند العمق المطابق لقاع الفوهة على بلورات نادرة من الكوارتز والفلسبار المصدوم، وهي تشوهات مجهرية فريدة لا تنتج إلا عن ضغوط هائلة ناجمة عن ارتطام نيزكي، ولا يمكن للعمليات الجيولوجية العادية أن تنتجها. ثالثاً، أجرى البروفيسور غاريث كولينز من إمبريال كوليدج لندن محاكاة عددية حاسوبية أعادت بناء الحدث بالكامل.

وكشفت نتائج المحاكاة أن الكويكب، الذي قُدّر عرضه بنحو 160 متراً، اقترب من الغرب واصطدم بقاع البحر بزاوية منخفضة نسبياً. وفي غضون دقائق معدودة، قذف الارتطام ستاراً من الصخور والمياه ارتفع إلى نحو 1.5 كيلومتر، قبل أن ينهار هذا الستار مجدداً داخل البحر، مولّداً موجة تسونامي يتجاوز ارتفاعها مئة متر (نحو 330 قدماً). ويشير الباحثون إلى أن هذا الارتفاع مستمد من نتائج المحاكاة الحاسوبية وليس من رصد مباشر للحدث، نظراً لوقوعه قبل عشرات الملايين من السنين.

وتكمن الأهمية العلمية لهذا الإنجاز في أنه يحوّل فوهة سيلفربيت إلى واحدة من عدد محدود نسبياً من فوهات الارتطام المؤكدة على الأرض، إذ لا يتجاوز عدد الفوهات المؤكدة على اليابسة نحو مئتي فوهة، بينما لا يتجاوز عدد الفوهات المكتشفة تحت قاع المحيطات ثلاثاً وثلاثين فوهة فقط. ويعود هذا الندرة إلى أن عمليات التعرية وحركة الصفائح التكتونية تمحو معظم آثار الارتطامات القديمة على سطح الأرض، على عكس ما يحدث على أجسام أخرى في النظام الشمسي كالقمر، حيث تبقى الفوهات محفوظة لمليارات السنين دون تغيير يُذكر.

ويمنح الحفاظ الاستثنائي على بنية فوهة سيلفربيت المدفونة الباحثين فرصة نادرة لدراسة الأضرار الجيولوجية الناتجة عن الارتطامات تحت سطح الأرض بتفصيل يصعب تحقيقه عادة، وهو ما قد يساعد في فهم ارتطامات أكبر وأكثر تأثيراً في تاريخ الأرض، مثل فوهة تشيكشولوب في المكسيك المرتبطة بانقراض الديناصورات، أو فوهة "ناديير" المكتشفة قبالة سواحل غرب أفريقيا. ويرى الفريق البحثي أن حسم طبيعة فوهة سيلفربيت لا يغلق فصلاً علمياً قديماً فحسب، بل يفتح أيضاً باباً لفهم أعمق لمخاطر الارتطامات الكويكبية التي قد تضرب مناطق بحرية مأهولة، وما قد ينتج عنها من أمواج مدّية مدمرة تهدد السواحل القريبة.

وتكمن ميزة إضافية لموقع فوهة سيلفربيت في توفر بيانات مسح جيولوجي وآبار نفطية تجارية قديمة في المنطقة، جُمعت أصلاً لأغراض استكشاف الطاقة في بحر الشمال، ما أتاح للباحثين الوصول إلى عينات صخرية دقيقة دون الحاجة لحفر آبار استكشافية مخصصة.

ولا تخلو المنطقة العربية من صلة وثيقة بهذا الملف، إذ تمتد سواحل الدول العربية على البحر الأحمر وخليج عُمان والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي، وهي مناطق معرضة لتأثيرات أمواج التسونامي الناجمة عن الارتطامات البحرية القريبة. كما تنشط في المنطقة هيئات رصد فلكي كالمعهد الفلكي العربي السعودي وعدد من المراصد المصرية والمغربية، التي قد تُسهم مستقبلاً في برامج رصد الأجسام القريبة من الأرض، فيما يُشكّل فهم العواقب الهيدروديناميكية للارتطامات البحرية معطىً استراتيجياً لدول الخليج والمشرق العربي في تقييم المخاطر الطبيعية الكبرى.

ويرى الفريق أن هذا النوع من التعاون بين الصناعة والبحث العلمي الأكاديمي قد يساعد مستقبلاً في اكتشاف فوهات ارتطام إضافية مدفونة تحت قيعان بحار أخرى حول العالم، لا تزال بياناتها الجيولوجية كامنة في أرشيفات شركات الطاقة دون أن تُحلَّل بعد من هذا المنظور تحديداً.

المصدر الأصلي
ScienceDaily (Nature Communications)
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصور فني لجزيء مثار ضوئياً على سطح بلوري

فيزيائيون يحققون الحد الكمومي الأقصى لجزيء واحد على سطح صلب لأول مرة

توصل باحثون في معهد ماكس بلانك لعلوم الضوء إلى جعل جزيء مفرد ملتصق بسطح بلوري يبلغ حد فورييه، وهو الحد الفيزيائي الأقصى للتماسك الكمومي، في إنجاز قد يمهد لتقنيات حوسبة واتصالات كمومية أكثر دقة.

ScienceDaily (Max Planck Institute for the Science of Light)
مجرة قزمة بعيدة التقطها تلسكوب جيمس ويب الفضائي

فلكيون يقيسون هيليوم الكون البدائي بدقة غير مسبوقة منذ الانفجار العظيم

فريق فلكي دولي يقيس كمية الهيليوم المتكوّن في أول خمس دقائق من عمر الكون بدقة تبلغ 0.5 بالمئة، أي ثلاثة أضعاف دقة القياسات السابقة، معتمداً على 15 مجرة نائية نقية كيميائياً لاختبار نموذج الانفجار العظيم.

ScienceDaily (University of Minnesota)
شريحة لحم أحمر طازجة مطبوخة فوق طاولة

علماء يربطون سكراً غريباً في اللحوم الحمراء بارتفاع خطر السكري بنسبة 63 بالمئة

دراسة فرنسية واسعة تكشف أن السكر الحيواني "نيو5جي سي" الموجود في لحوم الأبقار والضأن قد يرفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني عبر آلية مناعية التهابية جديدة.

ScienceDaily / European Association for the Study of Diabetes
شعاب مرجانية مبيضة بجانب شعاب سليمة ملونة تحت الماء

لمسة واحدة قد تُعيد الحياة للشعاب المرجانية المبيضة في سبعة أسابيع فقط

دراسة جديدة تكشف أن تلامس الشعاب المرجانية المبيضة شدة مع نسخ سليمة مطابقة جينياً يُسرّع تعافيها بشكل غير متوقع، في أسرع حالة تعافٍ موثقة حتى الآن.

ScienceDaily / Stanford Doerr School of Sustainability
تصور فني لدماغ بشري شفاف تنتقل فيه إشارات ضوئية متوهجة

جائزة نوبل 2026 في الطب تُكرّم علماء تحكّموا في خلايا الدماغ بالضوء

كارل ديسروث وبيتر هيغمان وجورغ ناغل يفوزون بجائزة نوبل في الطب عن تطوير علم الوراثة الضوئية، تقنية تتيح التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء.

ScienceDaily / The Conversation
تصور فني لانهيار جبلي يتسبب في تسونامي داخل مضيق جليدي في ألاسكا

تسونامي ألاسكا العملاق دفع المياه إلى ارتفاع 481 متراً فوق سفح الجبل

انهيار جبلي ناتج عن ذوبان نهر جليدي في ألاسكا تسبب في ثاني أكبر تسونامي مسجل في التاريخ، ويدعو علماء إلى إنشاء نظام إنذار مبكر من هذا النوع من الكوارث.

ScienceDaily / The Conversation