أودية صدع الزهرة: أدلة جديدة على نشاط جيولوجي مستمر في باطن الكوكب

محاكاة حاسوبية ثلاثية الأبعاد من معهد ETH زيورخ تكشف أن أودية الصدع العملاقة على الزهرة أحدث مما كان يُعتقد، وأن بعضها ربما لا يزال في طور التوسع حتى اليوم.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٦ يوليو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
أودية صدعية ضخمة على سطح الزهرة

كشف علماء من معهد ETH زيورخ، بقيادة البروفيسور تاراس غيريا أستاذ الديناميكا الجيولوجية، عن أدلة جديدة تشير إلى أن كوكب الزهرة ربما لا يزال يمر بعملية تمزق داخلي نشطة. واستناداً إلى محاكاة حاسوبية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة، توصل الباحثون إلى أن بعض أودية الصدع العملاقة على الكوكب قد تكون تشكّلت في عهد جيولوجي قريب نسبياً، وأنها قد تواصل توسعها حتى الآن. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Geoscience.

يُعدّ كوكب الزهرة من أشد البيئات قسوةً في المنظومة الشمسية؛ إذ تتجاوز درجات حرارة سطحه عدة مئات من الدرجات المئوية، فضلاً عن غياب المحيطات وضغط الغلاف الجوي الكابت الذي يبلغ نحو تسعين ضعف ضغط الغلاف الجوي الأرضي. ولسنوات طويلة، سادت القناعة بين الجيولوجيين بأن الزهرة كوكب راكد جيولوجياً، خلافاً للأرض ذات الصفائح التكتونية المتحركة. غير أن اكتشافات السنوات الأخيرة باتت تُلقي ظلالاً من الشك على هذه النظرة، مع توافر مؤشرات على وجود براكين نشطة في بعض مناطقه.

ومن أبرز شواهد النشاط التكتوني على الزهرة وجود أودية الصدع الشاسعة التي تشقّ سطحه. وتشبه هذه الأودية في طبيعتها وادي الصدع الأفريقي على الأرض، لكنها تتفوق عليه في حجمها بفارق هائل؛ إذ يمكن لبعض هذه الأودية أن تمتد لما يزيد على عشرة آلاف كيلومتر. وكان كثير من علماء الجيولوجيا يفترضون أن هذه التشكيلات نشأت منذ أكثر من مئة مليون سنة، دون أن تتوافر قرائن كافية تحدد عمرها بدقة.

أعاد فريق من معهد ETH زيورخ فحص هذا التصور من جذوره. فقد طوّر الباحثون، بدعم من بروفيسور الجيوفيزياء تاراس غيريا وزملائه، أول محاكاة حاسوبية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لأودية صدع الزهرة. وقد أتاح هذا النهج المتقدم دراسةً أعمق لآليات تمدد القشرة الكوكبية وتحولاتها عبر الزمن، بعيداً عن القيود التي فرضتها النماذج ثنائية الأبعاد التقليدية.

أظهرت نتائج المحاكاة أن ضفاف الأودية المرتفعة — وهي التلال العريضة التي تتشكل على جانبَي الوادي — تنشأ حين تكون الأودية في مرحلتها الجيولوجية الشابة، وتظل حاضرةً ما دامت حركة النشاط التكتوني مستمرة أو توقفت منذ وقت قريب. كذلك أشارت النماذج إلى أن هذه الأودية تتسع بمعدل يتراوح بين ثلاثة وعشرة سنتيمترات سنوياً، وهو معدل يفوق التقديرات السابقة.

وبمجرد توقف الحركة التكتونية، تبدأ ضفاف الأودية في الانبساط التدريجي. وخلافاً للأرض حيث تتآكل هذه الضفاف بفعل التعرية والمياه، تميل القشرة الزهرية إلى الاسترخاء ببطء بعد مرحلة التمدد، مما يُفضي إلى انخفاض الضفاف وتسويتها بمرور الوقت. وهذا ما يجعل وجود ضفاف مرتفعة اليوم دليلاً على أن الأودية ذات أصل جيولوجي حديث.

والأهم من ذلك أن التشكيلات التي تنبأت بها المحاكاة تتطابق بوضوح مع الصور التي التقطها مسبار ماجلان خلال مهمته في تسعينيات القرن الماضي. هذا التوافق بين النمذجة الحاسوبية والبيانات الميدانية يُعزز الاستنتاج بأن بعض هذه الأودية تشكّلت في مرحلة جيولوجية قريبة نسبياً، وربما لا تزال في طور التشكّل.

وتمتد أهمية هذه النتائج إلى ما هو أبعد من الإجابة عن تساؤلات أكاديمية. إذ يُرجى أن تُعين هذه المحاكاة العلماء على تحديد المناطق التي يُحتمل أن يظل فيها النشاط الجيولوجي قائماً، ومن ثم ترشيح هذه المناطق كأهداف ذات أولوية للبعثات الفضائية المقبلة، التي ستكون حاسمة في تأكيد أو نفي الفرضيات المطروحة.

وفي هذا السياق، تُعدّ وكالات الفضاء الكبرى لاستكشاف الزهرة استكشافاً غير مسبوق. فوكالة ناسا تستعد لعدة مهمات مرتقبة، فيما تطوّر وكالة الفضاء الأوروبية مهمة EnVision المقرر إطلاقها مطلع ثلاثينيات هذا القرن. ويُسهم أساتذة الجيوفيزياء في معهد ETH زيورخ بدور محوري في التحضير لهذه البعثة الأوروبية، مما يمنح نتائج الدراسة الراهنة ثقلاً إضافياً في رسم خريطة أهداف الاستكشاف.

وتتقاطع هذه الأبحاث مع مسيرة الاستكشاف الفضائي العربي المتصاعدة؛ إذ أثبت مسبار الأمل الإماراتي، الذي نجح في الوصول إلى مدار المريخ عام 2021، أن الأمة العربية قادرة على المساهمة الفاعلة في علوم الكواكب على المستوى الدولي. وبينما تتجهّز وكالات الفضاء الكبرى لاستكشاف الزهرة في ثلاثينيات هذا القرن، تجد الدول العربية الساعية لبناء برامج فضائية طموحة كالإمارات والسعودية والمغرب فرصةً للمساهمة في دراسة الجيولوجيا الكوكبية، وهو مجال علمي بالغ الأثر في فهم تطور المجموعة الشمسية.

يُعيد هذا البحث رسم ملامح صورتنا عن الزهرة من كوكب ميت جيولوجياً إلى جسم كوني لا يزال يعتمل من الداخل. فهم آليات النشاط التكتوني على الزهرة لن يقتصر أثره على إجابة أسئلة عن ذلك الكوكب وحده، بل سيُثري فهمنا لتطور الكواكب الصخرية بوجه عام. وقد ظلت الزهرة لفترة طويلة في ظل المريخ من حيث الاهتمام العلمي والاستثمار في المهمات، لكن الاكتشافات المتلاحقة تُعيد لها مكانتها بوصفها إحدى أكثر الوجهات إثارةً للفضول في المجموعة الشمسية.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

خلايا عصبية في الدماغ

الراباميسين يُطبّع اضطرابات الدماغ المرتبطة بالتوحد خلال ساعتين في تجارب الفئران

اكتشف علماء UCLA أن جرعة واحدة من الراباميسين تُحسّن سريعًا التواصل الدماغي والسلوك في فئران طوّرت أعراضًا شبيهة باضطراب طيف التوحد جراء التهاب خلال الحمل عبر خفض نشاط مسار mTOR.

ScienceDaily
أبحاث طبية ودماغ بشري

أدوية فموية مشابهة لسيماغلوتيد تكبح الأكل اللذّي عبر دوائر المكافأة الدماغية

كشفت دراسة ممولة من المعاهد الوطنية للصحة أن ناهضات مستقبل الببتيد الشبيه بالغلوكاغون-1 الفموية تُقلّل الأكل اللذّي عبر تنشيط اللوزة الدماغية المركزية وخفض الدوبامين في دوائر المكافأة.

ScienceDaily
إطلاق صاروخ ستارشيب من سبيس إكس مع أقمار ستارلينك الجيل الثالث

سبيس إكس تطلق أقمار ستارلينك الجيل الثالث وتعاني فشلًا جديدًا في معزّز سوبر هيفي

أطلقت سبيس إكس أول أقمار ستارلينك من الجيل الثالث على متن صاروخ ستارشيب في رحلته الثالثة عشرة، غير أن معزّز سوبر هيفي فشل في تنفيذ الهبوط المحاكى وانفجر فوق خليج المكسيك للمرة الثانية.

TechCrunch
إطلاق صاروخ لونغ مارش 3B الصيني

شيجيان-31 الصيني يكشف عن مدار غير مسبوق لمراقبة المدار الثابت بالنسبة للأرض

تحليلات متخصصة تكشف أن القمر الاصطناعي الصيني شيجيان-31 يستخدم نوعاً مبتكراً من مدار مولنيا يمنحه القدرة على مسح المدار الثابت بالنسبة للأرض كاملاً كل 23 يوماً تقريباً.

SpaceNews
سطح الشمس والتوهجات الشمسية

الشمس أغنى بالفضة بـ55% مما كان يُقدَّر: نموذج جديد يحسم تناقضاً قديماً

فريق من جامعة أوبسالا السويدية يُراجع الوفرة الشمسية للفضة ويرفعها 55% بفضل نموذج متطور للغلاف الجوي يأخذ بالاعتبار التأثيرات الطيفية اللاتوازنية لأول مرة.

ScienceDaily
تصوير فني لكوكبة IRIS² الأوروبية في مدارها حول الأرض

بولندا تُضخّ 745 مليون دولار في كوكبة IRIS² الأوروبية للأقمار الاصطناعية

أعلنت بولندا عن استثمار ضخم بقيمة 745 مليون دولار لتمويل جزء من كوكبة IRIS² الأوروبية المتعددة المدارات، لتصبح شريكاً رئيسياً في مشروع الاتصالات الفضائي الطموح للاتحاد الأوروبي.

SpaceNews