علماء يعيدون برمجة خلايا المناعة داخل الجسم مباشرة لمحاربة السرطان
طوّر باحثون في جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو نظامًا من جزيئين يعيد برمجة الخلايا التائية داخل جسم المريض مباشرة لتصبح خلايا مضادة للسرطان، في محاولة لتجاوز عملية استخراج الخلايا وتصنيعها المكلفة والبطيئة.

طوّر فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، بالتعاون مع معهد غلادستون وجامعة ديوك والمعهد المبتكر لعلم الجينوم، أسلوبًا جديدًا يسمح بإعادة برمجة الخلايا التائية، إحدى أهم خلايا الجهاز المناعي، داخل جسم المريض مباشرة لتصبح قادرة على محاربة السرطان، دون الحاجة إلى استخراجها وتعديلها خارج الجسم كما يحدث في العلاج التقليدي. ونُشرت الدراسة في مجلة "نيتشر" بقيادة الباحث الرئيسي جوستين إيكيم، وبمشاركة باحثين مشاركين في الكتابة الأولى وليام نايبرغ وبيير-لوي برنار.
ويُعرف العلاج القائم على تعديل الخلايا التائية خارج الجسم باسم "علاج الخلايا التائية بمستقبلات المستضد الكيميري"، ويتطلب في شكله التقليدي سحب خلايا تائية من دم المريض، وإرسالها إلى منشأة متخصصة لتعديلها جينيًا كي تحمل مستقبلًا يستهدف الخلايا السرطانية، ثم إعادة حقنها في جسم المريض بعد أسابيع من المعالجة. وتتراوح تكلفة هذه العملية بين 400 و500 ألف دولار تقريبًا، فضلاً عن أن معظم المرضى يحتاجون إلى جلسات علاج كيميائي مكثفة قبل الخضوع لها لإفراغ مكان في نظامهم المناعي لهذه الخلايا المعدَّلة.
ويعتمد الأسلوب الجديد على نظام من جزيئين دقيقين يُحقنان مباشرة في مجرى الدم. الجزيء الأول يحمل أدوات تحرير جيني من نوع كريسبر-كاس9، وتحمل أسطحه أجسامًا مضادة تتعرف على بروتين "سي دي 3" الموجود على سطح الخلايا التائية لتستهدفها بدقة. أما الجزيء الثاني فيحمل حمضًا نوويًا يتضمن تعليمات بناء مستقبل يستهدف الخلايا السرطانية، ويوجّه هذا الحمض النووي إلى موضع محدد في الجينوم يعمل كـ"مفتاح تشغيل" لا ينشط إلا داخل الخلايا التائية على وجه التحديد. وصُمم الجزيئان بطريقة تتيح لهما تجنب التدمير الفوري من قبل الجهاز المناعي قبل إنجاز مهمتهما.
وبحسب الباحثين، فإن هذه هي أول مرة يُدرج فيها قطعة طويلة نسبيًا من الحمض النووي في موضع دقيق ومحدد داخل الخلايا التائية البشرية دون إخراجها من الجسم، متجاوزًا بذلك الأسلوب التقليدي القائم على إدراج عشوائي باستخدام فيروسات ناقلة. ويرى الفريق أن هذا الأسلوب الجديد تفوق في أدائه على الطريقة الفيروسية التقليدية من حيث الدقة والفعالية.
وتتضمن مزايا هذا الأسلوب المحتملة تجنّب عملية استخراج الخلايا وتصنيعها خارج الجسم وإعادة حقنها، وربما التخلص من الحاجة إلى العلاج الكيميائي التحضيري، وهو ما قد يقلّص التكلفة وفترة الانتظار بشكل كبير، ويسمح لمستشفيات محلية أصغر بتقديم هذا العلاج بدلاً من حصره في مراكز متخصصة كبرى. وفي تجارب على فئران تحمل أجهزة مناعية شبيهة بالبشر، لاحظ الباحثون أن الخلايا المعدَّلة داخل الجسم أدت أداءً أفضل من الخلايا المصنَّعة في المختبر، ويرجّحون أن الخلايا المصنَّعة خارج الجسم تفقد بعض "حيويتها" وقدرتها على التكاثر أثناء عملية الزراعة المعملية المطوّلة.
وشملت التجارب على الفئران ثلاثة أنواع من السرطان: سرطان الدم الحاد العدواني، حيث اختفى كل الورم القابل للرصد في معظم الفئران خلال أسبوعين من حقنة واحدة فقط، ووصلت نسبة الخلايا التائية المعدَّلة في بعض الأعضاء إلى 40% من إجمالي خلايا المناعة، إضافة إلى المايلوما المتعددة، وورم الساركوما الصلب.
وأكد الباحث جوستين إيكيم أن هذا العمل "ليس إلا بداية موجة كبيرة من العلاجات الجديدة" في هذا المجال، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أحد التحديات الرئيسية، وهو أن "داخل الجسم، لا يمكننا إجراء مراقبة جودة بعد التصنيع" كما يحدث مع الخلايا المصنَّعة خارجه، وهو ما يتطلب ضمانات دقة أعلى في تصميم الجزيئين المستخدمين. وأضاف أن نجاح هذا الأسلوب على نطاق أوسع "سيعني بالفعل إضفاء طابع ديمقراطي على إمكانية الوصول إلى علاج الخلايا التائية بمستقبلات المستضد الكيميري"، في إشارة إلى أنه قد يصبح متاحًا لعدد أكبر من المرضى حول العالم بدلاً من حصره في مراكز قليلة قادرة على تحمل تكلفته الحالية المرتفعة.
وأسس الفريق البحثي شركة ناشئة باسم "أزاليا ثيرابيوتكس" لمتابعة تطوير هذا العلاج تجاريًا، مع التأكيد على أن الأسلوب لا يزال في مراحله الأولى، ويحتاج إلى توسيع نطاق التصنيع وإجراء تجارب سريرية على البشر لتقييم سلامته وفعاليته قبل أن يصبح متاحًا كعلاج معتمد للمرضى.
ويضع هذا التطور العلمي أساسًا لتحوّل محتمل في مجال العلاج المناعي للسرطان بشكل عام، إذ يفتح الباب لتصميم جزيئات مماثلة تستهدف أنواعًا أخرى من الخلايا المناعية أو خلايا أخرى في الجسم لأغراض علاجية متنوعة تتجاوز السرطان، من أمراض المناعة الذاتية إلى الاضطرابات الوراثية. وفي حال نجاح هذا الأسلوب في التجارب السريرية على البشر، فقد يُعيد تشكيل كيفية تقديم هذا النوع من العلاجات المتقدمة في الدول التي تفتقر إلى المنشآت المتخصصة المكلفة اللازمة لتصنيع الخلايا المناعية خارج الجسم، بما يشمل كثيرًا من دول المنطقة العربية التي لا يزال الوصول فيها إلى علاجات الخلايا التائية المعدَّلة محدودًا للغاية بسبب التكلفة العالية والبنية التحتية الطبية المطلوبة.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

باحثون يحددون مستقبلًا قد يحجب الالتهاب العصبي المرتبط بالزهايمر والشلل الرعاش
توصل باحثون في جامعة برمنغهام إلى أن حجب مستقبل P2X7 يخفض بشكل كبير الالتهاب في نسيج دماغي بشري، في نتيجة قد تسمح بإعادة استخدام أدوية موجودة لعلاج أمراض عصبية تنكسية وإصابات الدماغ.

ارتفاع مقلق في إصابات سرطان القولون والمستقيم بين الأطفال واليافعين
دراسة أمريكية جديدة تكشف أن معظم حالات سرطان القولون والمستقيم لدى من هم في الحادية والعشرين أو أصغر تُشخَّص في مراحل متقدمة، وسط تحذيرات من تأخر التعرف على الأعراض المبكرة.

علماء ستانفورد يكتشفون طريقة لتجديد غضروف الركبة ووقف الفصال العظمي
باحثون في ستانفورد يتوصلون إلى أن تثبيط إنزيم شيخوخي يُدعى 15-PGDH يحفّز تجدد الغضروف الزلالي ويمنع تطور الفصال العظمي في تجارب على الفئران والأنسجة البشرية.
شركتا عقاقير إنقاص الوزن تكشفان عن أدلة أولية على تأخير الشيخوخة البيولوجية
إيلي ليلي ونوفو نورديسك تعرضان بيانات تشير إلى أن أدوية ناهضات مستقبل الببتيد الشبيه بالغلوكاغون قد تؤخر الشيخوخة البيولوجية بمقدار عامين إلى ثلاثة أعوام، وسط تحفظات علمية على التعميم.

دراسة بروتينية تكشف ماذا يحدث فعلياً في الجسم بعد سبعة أيام من الصيام
رصد باحثون بريطانيون ونرويجيون نحو 3000 بروتين في دم 12 متطوعاً خلال صيام مائي لمدة أسبوع، وكشفوا عن تحولات جذرية في كل أعضاء الجسم تبدأ بوضوح من اليوم الثالث فصاعداً.

جرعات عالية من فيتامين B3 تمنح نتائج واعدة ضد أعنف أورام الدماغ
تجربة سريرية في جامعة كالغاري الكندية تختبر النياسين بجرعات عالية كعلاج مساعد للورم الأرومي الدبقي، مع نتائج مبكرة تُظهر بقاء 82% من المرضى دون تطور المرض بعد ستة أشهر.