الأرض تملك منظّماً مناخياً طبيعياً خفياً.. وعلماء يكشفون آليته للمرة الأولى

دراسة جديدة تكشف أن التفاعل بين منسوب البحار والفوسفات المحيطي ودفن الكربون يُشكّل منظومة تنظيم مناخية طبيعية أبقت الأرض صالحة للحياة على مدى عشرات الملايين من السنين.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٨ يوليو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة دقيقتين
الكرة الأرضية وارتفاع منسوب البحار

حافظت الأرض على درجات حرارة تُتيح الحياة طوال أكثر من مائة مليون سنة رغم التقلبات الجيولوجية العملاقة في مواضع القارات وكثافة الإشعاع الشمسي. ظلت هذه الاستدامة المناخية الاستثنائية غير مفسَّرة تماماً، حتى جاءت دراسة نشرها فريق دولي في يوليو 2026 لتكشف آليةً طبيعية دقيقة تربط ثلاثة أنظمة بيئية في حلقة تغذية راجعة هي أشبه بمنظّم حرارة كوكبي.

القصة تبدأ بمنسوب البحار. حين ترتفع درجات الحرارة الكوكبية وتتراجع الأغطية الجليدية القطبية، يرتفع مستوى البحار ويتوسع الرصيف القاري الضحل تحت الماء. تتحول هذه الأرفف الواسعة إلى مصائد فعلية للفوسفات، ذلك العنصر الغذائي الضروري للإنتاجية البيولوجية في المحيطات.

مع نقص الفوسفات في المياه المفتوحة، تتباطأ إنتاجية العوالق والحياة البحرية الدقيقة. أقل كائنات تموت وتغرق، أقل كربون عضوي يصل إلى القاع ويُطمر في الرواسب البحرية. النتيجة: يبقى المزيد من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي فيُسهم في تدفئة الكوكب. الأرض أكثر دفئاً تعني مزيداً من ذوبان الجليد وارتفاع في منسوب البحار.

لكن حين ينعكس الاتجاه وتبرد الأرض تدريجياً وتتراجع مناسيب البحار، تنحسر الأرفف القارية وينطلق الفوسفات المحجوز نحو المحيطات المفتوحة. تنشط الإنتاجية البيولوجية بقوة، وتنزل كميات أكبر من الكربون إلى قيعان المحيطات. هناك، في المناطق الشحيحة بالأكسجين، يتراكم الكربون العضوي في الرواسب بدلاً من أن يتحلل ويعود غازاً إلى الجو. الكوكب يبرد، الجليد يتمدد، البحار تنخفض.

ما وجده الفريق الأكثر إثارةً هو أن هذه الحلقة تبلغ ذروة فاعليتها عند نقطة حرجة بعينها: حين يقف منسوب البحار في نطاق 10 إلى 40 متراً فوق مستواه الحالي. في هذه النقطة تتداخل مناطق المياه الشحيحة بالأكسجين مع الرواسب الغنية بالكربون على الأرفف القارية، فتُطلق المزيد من الفوسفات في دورة تعزيز ذاتية تُضخّم دفن الكربون بصورة استثنائية.

لاختبار هذه الفرضية، استعان الباحثون بسجلات جيولوجية تمتد 60 مليون سنة: نظائر الكربون في الرواسب، ومعدلات تراكم الفوسفور في قيعان المحيطات، ونسبة اليود إلى الكالسيوم كمؤشر على مستويات الأكسجين القديمة في المحيطات. الإيوسين، تلك الحقبة الدافئة التي امتدت من 56 إلى 34 مليون سنة، كانت اختباراً فارقاً: عندما كانت مناسيب البحار مرتفعة جداً، كانت الأرفف الواسعة تحبس الفوسفات وتُضعف إنتاجية المحيطات، ما أسهم في بقاء ثاني أكسيد الكربون مرتفعاً نسبياً. جميع التوقعات انسجمت مع البيانات الجيولوجية.

تُعدّ المنطقة العربية بين أشد مناطق العالم هشاشةً أمام ارتفاع منسوب البحار المتسارع؛ إذ تقع مدن ساحلية كبرى كالإسكندرية والبصرة وأبوظبي ودبي على مستويات منخفضة جداً يُهددها أي ارتفاع يتجاوز مترين. وتُظهر بيانات المناخ أن منطقة الخليج تسخن بمعدل يفوق المتوسط العالمي، فيما يواجه الرصيف القاري للخليج العربي والبحر الأحمر تحولات في النظم البيئية تمس حياة ملايين الصيادين والمجتمعات الساحلية من اليمن إلى المغرب. وقد بدأت خطط التكيف الوطنية في مصر والإمارات والمغرب دمج سيناريوهات ارتفاع منسوب البحار في تصميم البنية التحتية الساحلية، مما يجعل فهم الآليات الطبيعية لتنظيم المناخ على المدى الجيولوجي جزءاً لا غنى عنه من منظومة صنع القرار البيئي في المنطقة.

يعني هذا الاكتشاف أننا نفهم الآن لماذا لم تُصبح الأرض كوكباً محترقاً خلال ذروات الاحترار الجيولوجي القديم. غير أنه يُطرح سؤال جدي لا إجابة واضحة عنه بعد: كيف سيتصرف هذا المنظّم الطبيعي في ظل ارتفاع مناسيب البحار المتسارع جراء التغير المناخي الحالي المُحرَّك بشرياً، وبسرعة تفوق بكثير ما شهده الكوكب في دوراته الطبيعية السابقة؟

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من بيئة

صورة ساتلية لامتداد الجليد البحري حول القارة القطبية الجنوبية

الجليد البحري في القطب الجنوبي يسجل ثالث أدنى حد أقصى شتوي في تاريخ الرصد

بيانات ناسا ومركز بيانات الجليد والثلوج تكشف أن الجليد البحري حول القارة القطبية الجنوبية بلغ في سبتمبر 2026 ثالث أدنى حد أقصى شتوي مرصود بالأقمار الاصطناعية، في انعكاس لافت بعد سنوات من النمو القياسي.

ScienceDaily
صورة مجهرية لبكتيريا قادرة على تحليل اللدائن الحيوية

إنزيم بكتيري يشبه "باك-مان" يفتح أفقاً جديداً لتحليل اللدائن الحيوية

باحثون ألمان يكتشفون إنزيماً بكتيرياً قادراً على تفكيك لدائن حيوية قابلة للتحلل خلال نحو عام في التربة، في خطوة قد تعيد رسم ملامح صناعة البلاستيك المستدام.

ScienceDaily
تصور لدوّامات كمية في موصل فائق

درجات ذرية بارتفاع ذرة واحدة تفتح طريقاً جديداً للتحكم في الموصلات الفائقة

باحثون يابانيون يكتشفون أن درجات ذرية بارتفاع ذرة واحدة على سطح موصل فائق تُوجّه حركة الدوّامات الكمية كما توجّه القضبان القطار، في تطور قد يخدم إلكترونيات المستقبل فائقة الموصلية.

ScienceDaily
رسم توضيحي لحدث تمزق مدي لنجم قرب ثقب أسود

علماء فلك يكشفون قاعدة كونية موحّدة لانطلاق نفثات الثقوب السوداء

دراسة جديدة تكشف أن الثقوب السوداء، على اختلاف كتلها الهائل، تطلق نفثاتها الفلكية عند عتبة تراكم واحدة، وهو اكتشاف قد يساعد الفلكيين على التنبؤ بتوقيت الانفجارات الراديوية المتأخرة.

ScienceDaily
رسم تخيلي لديناصور من فصيلة الميغارابتوران

حفرية نُسيت قرناً في متحف بريطاني تكشف أول ميغارابتوران في أوروبا

أعاد باحثون بريطانيون فحص حفرية محفوظة منذ 1924 في متحف التاريخ الطبيعي، لتكشف عن نوع جديد من الديناصورات اللاحمة يمثل أول دليل على وجود فصيلة الميغارابتوران في أوروبا.

ScienceDaily
نباتات أرز مصابة بمرض فطري في حقل زراعي

علماء يطورون مستقبلات مناعية نباتية هندسية لمكافحة أخطر فطريات الحبوب

هندس باحثون بريطانيون ويابانيون مستقبلات مناعية في النباتات قادرة على التعرف على سلالتين من فطر لفحة الأرز في آنٍ واحد، في خطوة قد تعزز الأمن الغذائي العالمي مستقبلاً.

ScienceDaily