اكتشاف "التحبيب الميتوكوندري": آلية خلوية أنيقة توزِّع الجينوم وتربطه بأمراض خطيرة

رصد علماء المعهد الفيدرالي السويسري EPFL آليةً خلوية ظلت مجهولة قرنًا كاملًا: الميتوكوندريا تُشكِّل تراكيب مؤقتة كحبّات العقد لتوزيع حمضها النووي بانتظام مما قد يُفسِّر أمراضًا كألزهايمر وباركنسون.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٥ أبريل ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٥
الوقت
قراءة دقيقتين
تصوير مجهري فائق الدقة يُظهر الميتوكوندريا داخل الخلية بضوء أزرق متوهج

في عالم الخلية الحيّة حيث تدور عمليات لا تُحصى في فضاء أصغر من نقطة حبر، رصد علماء المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا EPFL آليةً خلوية أنيقة ظلّت طيّ الكتمان لأكثر من قرن: الميتوكوندريا تُشكِّل تراكيب عابرة تشبه حبّات العقد لتوزيع حمضها النووي بصورة منتظمة في كل أرجائها. ويفتح هذا الاكتشاف المنشور في ScienceDaily نافذةً علميةً جديدة على أمراض مزمنة خطيرة.

الميتوكوندريا أكثر من مجرد "مصانع طاقة الخلية" كما تُوصَف عادةً؛ إنها عضيّات تحمل جينومها الخاص المعروف بالحمض النووي للميتوكوندريا (mtDNA)، الموزَّع في هياكل مضغوطة تُسمى النيوكليوئيدات. وطالما لاحظ العلماء توزيعًا منتظمًا لهذه النيوكليوئيدات بمسافات متساوية داخل الميتوكوندريا دون أن يجدوا له تفسيرًا مُقنِعًا.

استخدم فريق EPFL ترسانةً من تقنيات التصوير المتطورة بما فيها التصوير فائق الدقة والمجهر الإلكتروني الترابطي ومجهر التباين الطوري، لمراقبة الخلايا الحية في الوقت الفعلي. وما رصدوه كان مدهشًا: تمرّ الميتوكوندريا عدة مرات في الدقيقة بحالة "تحبيب" (Pearling)، إذ تنقبض في نقاط متباعدة بانتظام لتُشبه في مظهرها سلسلةً من الخرزات. وكل "خرزة" تحتوي تقريبًا على نيوكليوئيد في مركزها.

اكتشف الباحثون أن تدفق إشارات الكالسيوم إلى داخل الميتوكوندريا يُشغِّل هذه العملية، وأن تراكيب داخلية في الغشاء تُحافظ على تباعد النيوكليوئيدات أثناء التحبيب. وعندما تتعطل هذه الآليات التنظيمية تتكتّل النيوكليوئيدات عوضًا عن توزيعها المتوازن.

والأكثر إثارةً للدهشة التاريخية أن هذه الظاهرة وصفتها العالمة مارغريت ريد لويس لأول مرة عام 1915 من مشاهداتها المجهرية، لكنها رُفِضت آنذاك باعتبارها استجابةً لضغط خارجي لا ظاهرةً طبيعية. وغابت عن دائرة البحث العلمي لأكثر من مئة عام قبل أن تعود اليوم متوّجةً بفهمٍ دقيق لدورها الجوهري في المنظومة الخلوية.

يفتح هذا الاكتشاف أفقًا طبيًا واعدًا؛ إذ إن خللًا في توزيع الحمض النووي للميتوكوندريا مرتبط بطيف واسع من الأمراض الخطيرة من بينها الفشل الكبدي واعتلال الدماغ وداء ألزهايمر وداء باركنسون. وفهم الآلية الدقيقة للحفاظ على هذا التوزيع قد يفتح مسالك علاجية جديدة لأمراض لم تُحسم بعد طبيًا.

يُقدِّم هذا الاكتشاف نموذجًا مثيرًا لما تُخفيه الطبيعة في تفاصيلها الدقيقة: ففي أعماق الخلية يجري كل لحظة تنظيم جينومي أنيق بكلفة طاقوية منخفضة، وقد ظل بعيدًا عن متناول الفهم الإنساني قرابة مئة عام. ولعل هذا ما يُبقي علم الأحياء الخلوي أحد أكثر الميادين العلمية إثارةً وإدهاشًا في عصرنا الراهن.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

علب مُحليات اصطناعية فوق كوب قهوة

محليات اصطناعية: تأثيرات مفاجئة على بكتيريا الأمعاء وتفاعلات مع الأدوية

دراسة كامبريدج تكشف أن ثلاثة أرباع المحليات الاصطناعية المُختبرة تؤثر على نمو البكتيريا المعوية، مع رصد أكثر من مائة تفاعل جديد حين تُمزج بمنتجات شائعة وأدوية معتمدة.

ScienceDaily
كاشف جسيمات وتفاعلات النيوترينو

كاميرا «بلاتون» الثورية ترصد الجسيمات غير المرئية في الفراغ ثلاثي الأبعاد

باحثون سويسريون يُطوّرون كاشف جسيمات مبتكراً يدمج كاميرا المجال الضوئي والذكاء الاصطناعي لتتبع مسارات النيوترينوات والمادة المظلمة بدقة دون الملليمتر، مع تطبيقات واعدة في التصوير الطبي.

ScienceDaily
رسم فني لنجم يبتلع كوكباً

نجم شبيه بالشمس يلتهم كوكباً من كواكبه ويترك بصمة كيميائية تكشفه

فلكيون يرصدون دليلاً كيميائياً استثنائياً على أن النجم TOI-5882 الواقع على بُعد 1300 سنة ضوئية ابتلع أحد كواكبه، إذ يضع ارتفاع الليثيوم في غلافه الجوي في أعلى 3% من النجوم المماثلة.

ScienceDaily
تصوير مجهري لخلايا الورم الأرومي الدبقي وجسيمات نانوية

جسيمات مغلفة بالسكر تُطيل البقاء 50% في مواجهة أشد أورام الدماغ فتكاً

باحثون يطوّرون جسيمات دهنية نانوية مُغلفة بالمانوز تعبر الحاجز الدموي الدماغي وتُوصل علاجاً جينياً لخلايا الورم الأرومي الدبقي، محققةً زيادة 50% في البقاء على قيد الحياة في نماذج حيوانية.

ScienceDaily
باحث يفحص جسيمات بلاستيكية في مختبر

"البلاستيك الحي": مادة تتفكك في 6 أيام دون أن تُخلّف جسيمات ملوثة

باحثون يُطوّرون بلاستيكاً مُضمَّنة فيه أبواغ بكتيرية تتفعّل عند الطلب فتُحلّل المادة كلياً في ستة أيام، في ما قد يكون ثورة في مكافحة التلوث البلاستيكي.

ScienceDaily
مكعبات تمثل الأبحاث الزائفة

الذكاء الاصطناعي يكشف 250 ألف بحث سرطاني مشبوه في أكبر أزمة نزاهة علمية

نموذج ذكاء اصطناعي بُني على بنية BERT يُحلّل 2.6 مليون دراسة في علم الأورام ويرصد ربع مليون ورقة بحثية تحمل بصمات مصانع الأبحاث الاحتيالية، ويكشف تصاعداً خطيراً من 1% إلى 16% خلال عقرين.

ScienceDaily