شريحة مستوحاة من الدماغ تعمل قرب الصفر المطلق وتفتح آفاقاً في الحوسبة الكمية
طوّر باحثون في جامعة هونغ كونغ شريحة إلكترونية عصبية محاكية تعمل عند 10 ملّي كلفن فوق الصفر المطلق من كربيد السيليكون، متفوقةً في كفاءة الطاقة بآلاف المرات مع توافق تام مع خطوط التصنيع المعيارية.
في إنجاز بحثي نُشر في دورية Nature Communications في يونيو 2026، طوّر فريق من جامعة هونغ كونغ بقيادة البروفيسور يوهاو ژانغ والطالب الدكتوراه شين يانغ، شريحة إلكترونية مستوحاة من بنية الدماغ البشري قادرة على العمل عند درجة حرارة 10 ملّي كلفن فوق الصفر المطلق فحسب، في خطوة قد تُعيد تشكيل حدود الحوسبة الكمية ومهمات الفضاء السحيق.
تكمن روعة هذا الإنجاز في عنصرَيْن متضافرَيْن: أولهما المادة المُستخدَمة وهي كربيد السيليكون، المادة المُستخدَمة أصلاً في تصنيع محولات الطاقة والمركبات الكهربائية وهي متاحة تجارياً وتتوافق مع خطوط إنتاج رقائق 300 ملم المعيارية. وثانيهما الظاهرة التي تُبديها هذه المادة في درجات الحرارة شديدة الانخفاض، وهي المقاومة التفاضلية السالبة، التي تجعل سلوك الترانزستور ذي تأثير المجال يُحاكي طريقة إطلاق الخلايا العصبية لنبضاتها الكهربائية.
في الحوسبة الكمية المعتادة، تعمل معالجات البِتات الكمية عند درجات حرارة فائقة الانخفاض قرب الصفر المطلق، بينما تظل الدوائر الإلكترونية التقليدية التي تتحكم بها تعمل في درجات حرارة الغرفة العادية. هذا التباين يُشكّل عنق زجاجة حرارياً مُكلفاً في استهلاك الطاقة وصعب التصغير. أما الشريحة الجديدة من فئة الإلكترونيات التبريدية والعتاد العصبي المحاكي، فتعمل بالقرب الفعلي من البِتات الكمية مباشرةً في بيئة التبريد ذاتها، مُلغيةً هذا الحاجز الجوهري.
أثبتت الشريحة مرونةً عالية تجاه الشوائب التصنيعية والتداخل الكهرومغناطيسي، وهي مشكلة حرجة في الإلكترونيات الكمية. وأوضح البروفيسور ژانغ أن بنيتنا تُتيح تكاملاً حقيقياً مع معالجات البِتات الكمية، وأن هذا نهج قابل للتوسع وصلب البنية. والجدير بالذكر أن آلية المقاومة التفاضلية السالبة في كربيد السيليكون تعتمد على خاصية فيزيائية أصيلة في بنيته البلورية، مما يجعلها قابلة للتكرار والاستنساخ بدقة عالية عبر دفعات التصنيع المختلفة.
تمتد التطبيقات المحتملة لهذه التقنية إلى ما وراء الحوسبة الكمية الأرضية؛ ففي مهمات استكشاف الفضاء السحيق حيث تبلغ البرودة حدودها القصوى، تحتاج الأجهزة الإلكترونية على متن المسابر الفضائية إلى العمل في ظروف مشابهة. كما أن مبدأ تقليد الخلايا العصبية في كفاءة استهلاك الطاقة قد يجد تطبيقات مستقبلية في معالجات الذكاء الاصطناعي التي تعاني من استهلاك طاقة متصاعد مع تضخم النماذج.
الميزة التجارية التي يُبرزها الباحثون بقوة هي عدم الحاجة إلى خطوط تصنيع خاصة أو مواد غريبة؛ فكربيد السيليكون يُستخدم على نطاق عالمي في السيارات الكهربائية وخطوط إنتاجه راسخة ومنتشرة. يعني ذلك أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى الإنتاج التجاري قد يكون أسرع مما تستلزمه المواد المستخدمة في بعض بدائل الحوسبة الكمية.
وتنعكس هذه التطورات على مساعي المنطقة العربية في الحوسبة الكمية؛ إذ أطلقت المملكة العربية السعودية استراتيجيتها الوطنية في الحوسبة المتقدمة وتسعى لاقتناء أنظمة كمية ضمن رؤية 2030، فيما أعلنت الإمارات عن خارطة طريق للكم تستهدف بناء منظومة بحثية متكاملة. وستُتيح شرائح كربيد السيليكون المتوافقة مع التصنيع التجاري القائم مسارات أسرع وأقل تكلفةً لاقتناء هذه الأنظمة بعيداً عن الاعتماد الكامل على الموردين الأجانب.
يُمثّل هذا البحث خطوةً تحلّ في آنٍ واحد ثلاث إشكاليات: التوافق مع بيئات التبريد الكمومي، وكفاءة الطاقة الفائقة، وقابلية التوسع في التصنيع. وتنتظر الشريحة خطواتها المقبلة للتحقق في نطاق أوسع قبل أن تجد طريقها إلى أنظمة حوسبة كمية فعلية.
المزيد من أجهزة

إعادة برمجة الخلايا: التقنية الأكثر ضجيجاً في معركة العلم ضد الشيخوخة
تتسابق شركات بيوتكنولوجيا تحظى بتمويل يتجاوز مليارات الدولارات على تطوير علاجات إعادة برمجة الخلايا، مع انطلاق أولى التجارب البشرية وتساؤلات جدية حول الفجوة بين نتائج الفئران والإنسان.

مرصد جونو الصيني يُحقق قياسات نيوترينو استثنائية في 59 يوماً فحسب
حقّق مرصد جيانغمن الصيني للنيوترينو في 59 يوماً من التشغيل قياسات تفوق دقةً عقوداً من التجارب المتراكمة، وصفتها دورية Nature بأنها فجر حقبة جديدة في فيزياء الجسيمات.
مسامّ نانومترية مستوحاة من الطبيعة تعِد بثورة في تصفية المياه وتنقية الأدوية
طوّر باحثون هنود غشاءً نانوياً يعتمد على مجموعات معدنية عنقودية ذات مسامّ بقياس نانومتر واحد، يتفوق على الأغشية الحالية بعشرة أضعاف ويُميّز جزيئات تتفاوت في وزنها 100-200 داكتون فحسب.