مراكز البيانات المدارية تُهدد علم الفلك: مليون قمر اصطناعي قد يُعتّم السماء
تخطط سبيس إكس لإطلاق أول أقمار مراكز البيانات المدارية عام 2027، فيما يحذر علماء الفلك من أن إطلاق مليون قمر اصطناعي قد يجعل سطوع السماء مماثلاً لوهج القمر، مما يُشكّل تهديداً وجودياً لرصد الكون.

في خطوة تُقلق مجتمع الفلك العالمي، كشفت شركة سبيس إكس عن خططها لإطلاق أولى أقمار مراكز البيانات المدارية ضمن مشروع يُعرف بـ"AI1"، وذلك خلال عام 2027، في حين تقدمت إلى هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية بطلب للحصول على ترخيص يتيح لها نشر ما يصل إلى مليون قمر اصطناعي في المدار الأرضي المنخفض، وهو رقم يصفه العلماء بأنه كفيل بتغيير وجه السماء الليلية إلى الأبد.
القمر الاصطناعي AI1 وحده يمثّل قفزة هندسية غير مسبوقة؛ إذ يبلغ طوله سبعين متراً، ويرتفع عشرين متراً حين تُنشر مصفوفة الألواح الشمسية والمشتّتات الحرارية بالكامل، كما يولّد ما يصل إلى مئة وخمسين كيلوواطاً من الطاقة في ذروة التشغيل، مخصصاً منها مئة وعشرين كيلوواطاً لتشغيل حمولة الحوسبة. وتعتمد سبيس إكس في هذه المنظومة على وصلات الليزر بين الأقمار الاصطناعية للتواصل مع شبكة ستارلينك، مما يُبسّط الإنتاج مقارنةً بأقمار النطاق العريض. ويجري تصنيع هذه الأقمار في منشأة الشركة في مدينة باستروب بولاية تكساس.
غير أن هذا الطموح التقني يواجه رفضاً علمياً واسعاً. فقد أعرب توني تايسون، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة كاليفورنيا بمدينة ديفس والعالم الرئيسي في مرصد فيرا سي. روبين، عن قلق بالغ إزاء التداعيات الكارثية المحتملة لهذه المنظومة. وأوضح تايسون أن أقمار ستارلينك من الجيل الثاني الصغيرة الحالية تبلغ سطوعاً مرئياً من الدرجة الخامسة، في حين أن الحد الموصى به علمياً ألا يتجاوز الدرجة السابعة، محذراً من أن أقمار الجيل الثالث القادمة ستكون أشد سطوعاً. وفي سيناريو وصول المنظومة إلى مليون قمر اصطناعي، قال تايسون بوضوح: "سيكون سطوع السماء مماثلاً لوهج القمر في منتصف الشهر".
ولا تقتصر المخاوف على سبيس إكس وحدها؛ إذ أعلنت شركات متعددة عن خطط لنشر عشرات الآلاف من أقمار مراكز البيانات المدارية، وهو ما يعني أن التلوث الضوئي في المدار الأرضي المنخفض سيتراكم من مصادر متعددة ومتزامنة. وتنشئ معدلات الإطلاق المرتفعة ما يصفه العلماء بـ"المسارات المضيئة" المستمرة، وهي ظاهرة تعني أن التلسكوبات الأرضية ستجد نفسها في مواجهة دائمة مع آلاف النقاط المضيئة المتحركة في كل لحظة من لحظات الرصد الفلكي.
وتُشكّل هذه التطورات تهديداً حقيقياً لفرع بأكمله من علم الفلك يُعرف بالفلك الزمني-المجالي، وهو الفرع المعني برصد الأجرام السماوية المتغيرة عبر الزمن كالمستعرات الأعظمية وانفجارات أشعة غاما والكويكبات المقتربة من الأرض. فهذه الفعاليات الكونية العابرة تستلزم صور سماء نظيفة وخالية من التشويش، وهو ما سيغدو متعذراً مع آلاف النقاط الساطعة تعبر ميدان الرصد في كل لحظة. وقد أكد تايسون أن "التأثيرات الجسيمة على علم الفلك البصري ستبدأ منذ عام 2027".
في المقابل، لا تبدو سبيس إكس مُتعجّلة لمعالجة هذه الإشكالية بصورة جدية. فقد صرّح إيان دال، مدير تطوير الأعمال في الشركة، بلهجة هندسية بحتة قائلاً: "نحن ننظر إلى هذا الأمر بوصفه مشكلة هندسية تحتاج إلى حل". وأفاد تايسون بأنه لا يرى أي مؤشر يدل على "تغييرات تقنية أو سياساتية جدية" تعالج هذه الإشكاليات، وهو ما يُلقي بظلاله القاتمة على مستقبل المراصد الكبرى التي استثمرت فيها المؤسسات الدولية مليارات الدولارات على مدى عقود طويلة.
ويحمل هذا التهديد دلالةً خاصة للعالم العربي الذي أسهم في تأسيس علم الفلك الحديث وأغنى المعرفة الإنسانية بعلماء خالدين كالبتّاني وابن الهيثم والبيروني. فالصحارى العربية الكبرى كصحراء الربع الخالي وفضاءات المغرب تمثّل اليوم بعضاً من أنقى مواقع الرصد الفلكي في العالم، وقد بدأت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات في الاستثمار في بناء مراصد فلكية متطورة استغلالاً لهذه الميزة الجغرافية الفريدة. وقد يُضيع انتشار آلاف الأقمار الساطعة هذه الميزة إلى غير رجعة، مما يُلزم المؤسسات الفلكية العربية بالانضمام إلى الضغط الدولي المطالب بتنظيم صارم لكثافة الأقمار الاصطناعية.
ولعل أشد جوانب هذه القضية إثارةً للجدل هو الاختلال في موازين القوى بين الشركات التجارية الساعية إلى الربح من الفضاء وبين المجتمع العلمي الدولي. فالمدار الأرضي المنخفض بات يُعامَل بوصفه ساحة تجارية مفتوحة، في حين أن السماء الليلية النظيفة إرث إنساني مشترك أسهم في ولادة علم الفلك منذ فجر الحضارة، وأغنى الفلسفة والأدب والفن عبر آلاف السنين. وفي غياب ضغط دولي منسّق وإرادة سياسية حقيقية، يبدو أن نوافذ الرصد الفلكي الأرضي تتجه نحو الانغلاق التدريجي، تاركةً العلماء أمام خيار مرير: إما نقل مراصدهم إلى الفضاء بتكاليف باهظة، أو التخلي عن ضروب كاملة من الأبحاث الكونية التي لا تقدر بثمن.
المزيد من ذكاء اصطناعي

تحديث نموذج الذكاء الاصطناعي لتوقعات الطقس من غوغل يرفع دقة التنبؤات
أعلنت غوغل عن تحديث جوهري لنموذجها للذكاء الاصطناعي الحدّي المخصص للتنبؤ بالطقس، إذ بات يعتمد على كميات أكبر من بيانات الأقمار الصناعية الخام، مما يرفع دقة توقعاته ويقترب بأدائه من النماذج التقليدية بل يتجاوزها في بعض المقاييس.
رياح الثقب الأسود الهائل أقوى بمئة مرة مما ظنّه العلماء
رصد علماء فلك باستخدام مهمة تصوير الأشعة السينية والمطيافية (إكسريزم) رياحاً صادرة عن ثقب أسود هائل تفوق طاقتها التقديرات السابقة بمئة مرة، وتمتد اضطراباتها نحو ثلاثمئة ألف سنة ضوئية خارج المجرة المضيفة.

الجيش الأمريكي يكشف عن أسلحة في المدار: الفضاء ساحة حرب جديدة
أعلن وزير سلاح الجو الأمريكي تروي مينك، للمرة الأولى، أن الجيش الأمريكي نشر أسلحة فضائية في مدار الأرض قادرة على الدفاع ضد أي تهديد معادٍ في الفضاء.

أوبن إيه آي وأنثروبيك وجوجل تتفاوض على سلامة الذكاء الاصطناعي الحدّي
كشف مسؤول كبير في أوبن إيه آي أن شركته تجري محادثات مع منافسيها أنثروبيك وجوجل ديب مايند منذ أسابيع بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي الحدّي، في خطوة قد تصطدم بقوانين مكافحة الاحتكار.

سبيس إكس تستعد لأول إطلاق مداري لستارشيب في 22 سبتمبر
تستعد شركة سبيس إكس لتنفيذ الرحلة الاختبارية الرابعة عشرة لصاروخها العملاق ستارشيب، في محاولة تاريخية لوضع المرحلة العلوية في مدار حول الأرض لأول مرة، مع نشر ستة وعشرين قمراً من أقمار ستارلينك الجيل الثالث.
عوامل ذكاء اصطناعي تُبلّغ عن زملائها الغشاشين في تجربة جوجل ديب مايند
كشفت تجربة رائدة أجرتها Google DeepMind أن عوامل الذكاء الاصطناعي يمكنها كشف الغش والإبلاغ عنه تلقائياً، ما يُثير تساؤلات عميقة حول التوافق مع القيم في الأنظمة متعددة العوامل.