محولات الحالة الصلبة: حلٌّ واعد لأزمة الكهرباء التي يغذيها الذكاء الاصطناعي

يطوّر مهندسون محوّلات كهربائية صلبة الحالة أصغر حجماً وأعلى كفاءة، في محاولة لمساعدة الشبكات الكهربائية على مواجهة الطلب المتصاعد من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ومصادر الطاقة المتجددة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
القراءات
٠
الوقت
قراءة 5 دقائق
رسم توضيحي يجسّد محوّلات كهربائية رقمية وإلكترونيات قدرة تربط الشبكة الكهربائية بمراكز البيانات

تعمل مجموعة من المهندسين والشركات الناشئة على تطوير جيل جديد من المحوّلات الكهربائية يُعرف بـ"المحوّل ذو الحالة الصلبة"، في محاولة لمواجهة أزمة تشهدها الشبكات الكهربائية حول العالم بسبب الطلب المتصاعد على الطاقة من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ووفق تقرير نشرته مجلة MIT Technology Review في 27 أكتوبر 2026، فإن هذه التقنية الجديدة في إلكترونيات القدرة قد تمنح الشبكات مرونة أكبر وتساعد في تخفيف أحد أكبر الاختناقات التي تواجه قطاع الطاقة حالياً.

المحوّل الكهربائي من أقدم العناصر وأكثرها غموضاً بالنسبة للجمهور، رغم أنه عنصر لا غنى عنه في أي شبكة كهربائية. وقد ظل تصميمه الأساسي شبه ثابت منذ نحو قرن من الزمن: قلب مصنوع من الفولاذ الكهربائي ذي الحبيبات الموجهة، تلتف حوله لفائف من النحاس عند كل طرف. يحدّد عدد اللفائف في الملف الأول والملف الثاني مقدار تغيّر الجهد الكهربائي، فزيادة عدد اللفائف في الملف الثاني يرفع الجهد، وتقليلها يخفضه. يعمل المحوّل بالاستناد إلى مبدأ الحث المغناطيسي، حيث يُنتج التيار في الملف الأول مجالاً مغناطيسياً داخل القلب الحديدي، فيولّد هذا المجال جهداً في الملف الثاني دون وجود مسار كهربائي مباشر بينهما، في ظاهرة تُعرف بالعزل الغلفاني تُحسّن السلامة وتحدّ من انتقال الاضطرابات عبر الشبكة. لكن هذا التصميم التقليدي كبير الحجم وثقيل ومكلف، ويصعب استبداله بسرعة عند الحاجة، كما يوضح سرجان لوكيتش، أستاذ الهندسة الكهربائية والحاسوبية في جامعة ولاية كارولاينا الشمالية.

أما المحوّلات ذات الحالة الصلبة فتعتمد على مزيج من إلكترونيات القدرة ومكوّن مغناطيسي بدلاً من اللفائف الضخمة وحدها. فبدلاً من التحويل المباشر، يتم أولاً تحويل التيار المتردد الوارد إلى تيار مستمر، ثم إلى تيار متردد بتردد أعلى باستخدام مفاتيح إلكترونية مصنوعة من كربيد السيليكون، وهي مادة شبه موصلة تتحمل درجات حرارة وجهد مرتفعين. بعد ذلك يغيّر مكوّن مغناطيسي صغير الجهد الكهربائي، فيما تُعيد دائرة إلكترونية أخرى تحويل الطاقة إلى الشكل المطلوب. ولأن أشباه الموصلات هي التي تتحكم في التردد والاستقرار، يمكن تصغير القلب المغناطيسي بشكل كبير، حيث تصل بعض الوحدات، وفق لوكيتش، إلى عُشر حجم المحوّل التقليدي لنفس القدرة. كما تستطيع هذه المحوّلات أن تؤدي وظائف المُقوِّم والعاكس في وحدة واحدة، مما يقلّص المساحة المطلوبة للمعدات ويخفض الفقد في الطاقة.

ولتوضيح أهمية هذا التبسيط، يذكر التقرير مسار الطاقة الشمسية من الألواح إلى المنازل: تُنتج الألواح تياراً مستمراً يحوّله عاكس إلى تيار متردد بجهد نحو 480 فولتاً، ثم يُرفع الجهد إلى نحو 115 ألف فولت لنقله عبر خطوط النقل، قبل أن يُخفَّض مجدداً إلى 120 و240 فولتاً لاستخدامه في المنازل. وكل خطوة من هذه الخطوات تستدعي حالياً محوّلاً تقليدياً مستقلاً.

في أغسطس الماضي، أجرت هيئة نيويورك للطاقة بالتعاون مع معهد بحوث الطاقة الكهربائية (EPRI) أول اختبار لمحوّل من هذا النوع بقدرة ميغاواط واحد، وهي وحدة طُوّرت في مختبر لوكيتش، وذلك في موقع اختبارات تابع للمعهد. وأظهرت النتائج كفاءة بلغت نحو 98 بالمئة، مقارنة بنحو 96 بالمئة لمحوّل تقليدي مع مُقوِّم مجتمعين، ما يعني وفق لوكيتش أن هذه التقنية قد تخفّض الفقد في الطاقة إلى النصف. ومع ذلك، يعمل هذا النموذج الأولي بجهد لا يتجاوز 15 ألف فولت، في حين تحتاج المواقع الصناعية وخطوط النقل الكبرى إلى جهود أعلى بكثير، وهو ما يتطلب مزيداً من التطوير الهندسي.

وتتجه حالياً جهود التجارة إلى مراكز البيانات على وجه التحديد، إذ تتدفق التمويلات إليها وتتطلب جهوداً كهربائية أقل من خطوط النقل الطويلة. فشركة Heron Power، التي جمعت 140 مليون دولار من التمويل في فبراير الماضي لتطوير محوّلها التجاري "Heron Link"، تقول على لسان مؤسسها ورئيسها التنفيذي درو باغلينو إن هذه التقنية يمكن أن تخدم مراكز البيانات ومزارع الطاقة الشمسية وبطاريات تخزين الطاقة في الشبكة. وتختبر الشركة حالياً نظامها مع بطاريات بسعة 10 ميغاواط/ساعة في مقرها بمدينة سكوتس فالي في كاليفورنيا، وتخطط لتجربة أخرى مع مزرعة شمسية قريبة. ويتميز تصميمها المعياري بأنه عند تعطّل وحدة واحدة، تستمر الوحدات الأخرى بالعمل حتى استبدال الجزء المعطّل. وتبني الشركة أيضاً مصنعاً بتكلفة 100 مليون دولار في كاليفورنيا، على أن يبدأ الإنتاج فيه عام 2027 ويصل إلى قدرة 40 غيغاواط من المحوّلات سنوياً بحلول عام 2029.

وتُعدّ مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من الأسباب الرئيسية لأزمة نقص المحوّلات التقليدية حالياً، حيث قد تصل فترات انتظار الحصول على محوّلات كبيرة، بما فيها تلك اللازمة لربط هذه المراكز بالشبكة، إلى خمس سنوات. ويقول بنجامين بوشير، المحلل في شركة Wood Mackenzie، إن شركات معدات الشبكات استثمرت 1.7 مليار دولار في سلسلة التوريد الأمريكية لمحوّلات الطاقة العالية الجهد، إضافة إلى 1.3 مليار دولار أخرى لمحوّلات التوزيع. ومع ذلك، لا تزال هذه الاستثمارات غير كافية لمواكبة نمو الشبكات، لأن التصنيع معقّد تقنياً ويتطلب عمالة متخصصة، وبناء مصانع جديدة يستغرق سنوات. ويصف بوشير الوضع قائلاً إن "المحوّلات أصبحت من أكبر الاختناقات التي تواجه شركات المرافق ومطوّري التوليد، وحتى مراكز البيانات"، مضيفاً أنه "من دون المحوّلات، لا توجد شبكة كهربائية فعلياً".

ومع ذلك، لا تزال المحوّلات ذات الحالة الصلبة تواجه تحديات جوهرية، أبرزها أن اعتمادها على إلكترونيات القدرة يجعلها أكثر عرضة لنقاط عطل متعددة مقارنة بالمحوّلات التقليدية البسيطة نسبياً. والأهم أن هذه التقنية لم تصل بعد إلى مستوى يسمح لها بالتعامل مع الجهود العالية جداً المطلوبة في محطات توليد الطاقة أو خطوط النقل الرئيسية، وهو ما يتطلب مواد وتصاميم جديدة للتحكم بأمان في هذه الجهود داخل أجهزة مضغوطة الحجم. ويصف لوكيتش تطوير محوّلات ذات حالة صلبة قادرة على العمل بجهود عالية جداً بأنه "الكأس المقدسة" لهذا المجال.

تحمل هذه التقنية أهمية استراتيجية بالغة للعالم العربي الذي يشهد ثورة في بنيته الرقمية؛ فالمملكة العربية السعودية تبني مراكز بيانات عملاقة في إطار رؤية 2030 ومشاريع نيوم، فيما تستضيف الإمارات مراكز بيانات إقليمية كبرى لشركات مثل مايكروسوفت وأمازون وجوجل. وفي مواجهة الطلب المتصاعد على الطاقة، يجد مهندسو الكهرباء والطاقة في منطقة الخليج في محوّلات الحالة الصلبة خياراً واعداً لتطوير شبكاتهم الكهربائية وتحقيق أهداف الاستدامة ضمن مشاريع الطاقة المتجددة المتوسعة في المنطقة.

وفي المدى القريب، يبدو أن الاستخدام الأكثر واقعية لهذه المحوّلات سيكون داخل مراكز البيانات نفسها، لتغذية رفوف الخوادم مباشرة، قبل أن تتوسع تدريجياً لتشمل تطبيقات أوسع في الشبكة الكهربائية العامة، مع استمرار الطلب المتصاعد الناتج عن توسع الذكاء الاصطناعي في الضغط على البنية التحتية للطاقة حول العالم.

المصدر الأصلي
MIT Technology Review
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من الهندسة الكهربائية

آيباد ميني الجديد من آبل بشاشة OLED

آبل تكشف عن آيباد ميني الجديد بشاشة OLED ومعالج A20 Pro الأسرع

آبل تطرح نسخة جديدة من آيباد ميني بشاشة OLED فاخرة ومعالج A20 Pro، مع تحسينات في السطوع والتصميم وأداء الذكاء الاصطناعي، بسعر يبدأ من 699 دولاراً.

TechCrunch
الدرع الحراري ثلاثي الأبعاد المصنوع من الألمنيوم والمطاط

درع حراري ثلاثي الأبعاد يخفي الأجسام عن كاميرات الأشعة تحت الحمراء

طوّر باحثون أمريكيون ودنماركيون أول درع حراري ثلاثي الأبعاد يعيد توجيه الحرارة حول الأجسام ليخفيها عن كاميرات التصوير الحراري من كل الاتجاهات.

ScienceDaily
جاك دورسي، الرئيس التنفيذي لشركة بلوك، الشركة التي أطلقت النموذت الصوتي ديسا

ديسا: نموذج بلوك الصوتي الجديد يحاكي المشاعر البشرية بدقة مذهلة

كشفت شركة بلوك عن نموذج صوتي جديد يُدعى ديسا يعمل محليًا على الأجهزة ويحاكي الضحك والبكاء والتنهدات، في منافسة مباشرة لأنظمة مثل جي بي تي-لايف وإلفن لابس.

TechCrunch
براندون سوربوم أحد مؤسسي شركة كومنولث فيوجن سيستمز يتحدث عن تقنية الاندماج النووي

واشنطن تمنح كومنولث فيوجن 85 مليون دولار لتطوير أشباه موصلات للاندماج النووي

حصلت شركة كومنولث فيوجن سيستمز الأمريكية على 85 مليون دولار من الحكومة الفيدرالية لتطوير إلكترونيات طاقة ومولدات متقدمة تخدم محطات الاندماج النووي المستقبلية.

TechCrunch
رقاقات إنفيديا للذكاء الاصطناعي في مركز بيانات

إنفيديا تطرح نماذج مفتوحة لعملاء الذكاء الاصطناعي في المؤسسات والأجهزة المحلية

إنفيديا تكشف عن عائلة نماذج نيموترون 3.5 الجديدة، لتشغيل عملاء ذكاء اصطناعي مستقلين داخل مراكز بيانات الشركات وعلى الحواسيب الشخصية دون الاتصال بالسحابة.

TechCrunch
مركبة ويمو ذاتية القيادة

ويمو توسّع خدمة سيارات الأجرة ذاتية القيادة إلى تورنتو الكندية

تعتزم شركة ويمو التابعة لألفابت اختبار مركباتها ذاتية القيادة في تورنتو بعد موافقتها على الانضمام لبرنامج أونتاريو التجريبي، في أول توسّع للشركة إلى كندا.

TechCrunch