لغز الأزيز الغامض الذي يُقلق ملايين حول العالم: الحلّ في الدماغ لا في الخارج
دراسة نرويجية جديدة تكشف أن ظاهرة الأزيز الغامض التي يُبلّغ عنها 2-4% من سكان العالم ليست صوتاً خارجياً بل على الأرجح طنين أذن منخفض التردد ينشأ من الجهاز السمعي ذاته.

منذ سبعينيات القرن الماضي حين انطلقت أولى الشكاوى من مدينة بريستول البريطانية، ظلّت ظاهرة "الأزيز الغامض" (The Hum) إحدى ألغاز الحواس التي تُربك الباحثين وتُقلق من يعانون منها. يصف الأشخاص المُصابون هذه الظاهرة بأنها صوت طنين منخفض مستمر يُشبه دوران محرك ديزل بعيد، ويشتد ليلاً وفي الأماكن المغلقة، ولا يسمعه أحد سواهم مهما بحثوا عن مصدره.
نُشرت دراسة جديدة في مجلة PLOS One أجراها باحثون من الجامعة النرويجية للعلوم والتقنية (NTNU) تُلقي الضوء على هذا اللغز من زاوية جديدة. درس الفريق بقيادة البروفيسور ماركوس دريكسل ثمانية وعشرين مشاركاً ألمانياً جميعهم يسمعون هذا الصوت الغامض، وخضعوا لاختبارات دقيقة تقيس حدّة السمع في الترددات المنخفضة وتبحث عن أصوات تُنتجها الأذن الداخلية ذاتها.
لم يُظهر معظم المشاركين حساسية استثنائية للأصوات المنخفضة التردد، كما لم تُنتج آذانهم الأصوات الصوتية الداخلية (oto-acoustic emissions) التي كان يُظن أنها مصدر الظاهرة. وتبلورت نتيجة الدراسة حول فرضية أكثر إقناعاً: إن ما يعاني منه هؤلاء الأشخاص هو طنين الأذن المنخفض التردد، وهو حالة يُدرك فيها الجهاز السمعي أصواتاً لا مصدر لها في العالم الخارجي، أقرب ما تكون في جوهرها إلى طنين الأذن التقليدي المعروف لكن في نطاق ترددي دون سمعي.
الأصوات دون السمعية (infrasound) هي موجات صوتية بتردد أقل من 20 هرتز، وتنتجها الزلازل والبراكين والأعاصير وبعض المعدات الصناعية والمحركات الضخمة. وكان يُعتقد سابقاً أن بعض الناس يمتلكون قدرة غير عادية على سماعها، لكن نتائج الدراسة الجديدة تُضعف هذا التفسير.
تبقى ظاهرة الأزيز الغامض مُثيرةً للاهتمام من الناحية الاجتماعية أيضاً: فقد وُثّقت في كندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها، وأفضت إلى تكوين مجتمعات إلكترونية من المتضررين الذين يتبادلون تجاربهم ويبحثون معاً عن تفسير. وفي بعض الحالات كان المصدر الفعلي قابلاً للرصد، كأعمال حفر جيوثرمية في سوكولوك بنيومكسيكو تبيّن أنها السبب الحقيقي وراء شكاوى السكان. لكن كثيراً من الحالات تظل مجهولة المصدر.
لا تُقلّل الدراسة الجديدة من حجم معاناة هؤلاء الأشخاص؛ فطنين الأذن المزمن بأي تردد كان يُؤثّر تأثيراً بالغاً على جودة الحياة والنوم والصحة النفسية. وتُطالب الدراسة بتعميق البحث في آليات معالجة الجهاز السمعي للأصوات المنخفضة التردد، وهو مجال أقل استقطاباً للدراسات العلمية مقارنةً بالترددات العالية.
ظاهرة "الأزيز الغامض" لم تُوثَّق حتى الآن توثيقاً علمياً مستقلاً في الدول العربية، وإن كان طنين الأذن المزمن حالةً موثوقةً في مراكز التخصص السمعي بمستشفيات كمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض وكليفلاند كلينك أبوظبي. وقد يُتيح الانتشار المتزايد لتطبيقات الصحة الرقمية في المنطقة - ولا سيما ضمن رؤية السعودية 2030 ومبادرات الصحة الرقمية الإماراتية - جمعَ بيانات محلية قيّمة عن معدلات انتشار هذه الظاهرة وتأثيرها على جودة حياة المرضى في البيئات الحضرية المزدحمة ومناخات المنطقة الجافة.
تُذكّرنا هذه القصة بأن الدماغ البشري، بكل عبقريته في معالجة المعلومات الحسية، لا يزال يخبئ أسراراً عصية على الفهم الكامل. وبين ما يصله من الخارج وما ينتجه في الداخل، قد تكون الحدود أكثر ضبابيةً مما نتصور.
المزيد من صحة

إعادة توحيش الجزر المرجانية قد تساعدها على مجاراة ارتفاع مستوى البحر
دراسة على 28 جزيرة مرجانية تكشف أن الطيور البحرية والنباتات الأصلية والشعاب السليمة تشكل منظومة متكاملة قادرة على تعزيز نمو الجزر في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر.

إنجاز تجريبي نادر: تشابك كمي بين خرزة زجاجية وشعاع من الضوء
باحثون ينجحون في جعل خرزة زجاجية مرئية بالعين المجردة تتشابك كمياً مع حقول ضوئية داخل تجويف ضوئي، في تجربة تفتح الباب لتطوير ذواكر كمومية ميكانيكية.
دراسة جديدة: الماء نفسه قد يحوّل الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إلى خطر خفي
باحثون في كولومبيا وبيركلي يكشفون أن ملامسة الماء تجعل سطح الجسيمات البلاستيكية الدقيقة نشطاً كيميائياً، منتجة جذوراً حرة قد تضر بخلايا الدم والأنسجة الحية.

خلايا دماغية كانت تُعدّ حامية قد تُسرّع التدهور المعرفي مع التقدم في السن
دراسة جديدة في مجلة نيتشر مديسين تكشف أن الخلايا الدبقية قليلة التغصّن، المسؤولة عن إنتاج الميالين، قد تساهم في تدهور الذاكرة والتفكير مع الشيخوخة، وتفتح الباب أمام إعادة توجيه أدوية قائمة لعلاج هذا الخلل.

فيزيائيون يبتكرون حالة كمية غريبة تُعرف ببحر فيرمي الكسري
فريق من جامعة إنسبروك الأوروبية يحقق حالة كمية استثنائية في ذرات السيزيوم المبردة تحتفظ بنظام خفي رغم إثارتها الشديدة، في اكتشاف يتحدى نظريات سوائل الكم السائدة.

ثقبان أسودان هائلان في مجرة بعيدة قد يندمجان خلال قرن واحد فقط
رصد فلكيون زوجاً من الثقوب السوداء الهائلة في مجرة ماركاريان 501 يدوران حول بعضهما كل 121 يوماً، وقد يندمجان في فترة قصيرة فلكياً لا تتجاوز قرناً.