إنجاز تجريبي نادر: تشابك كمي بين خرزة زجاجية وشعاع من الضوء
باحثون ينجحون في جعل خرزة زجاجية مرئية بالعين المجردة تتشابك كمياً مع حقول ضوئية داخل تجويف ضوئي، في تجربة تفتح الباب لتطوير ذواكر كمومية ميكانيكية.

يُعدّ التشابك الكمي من أكثر المفاهيم التي يصعب وصفها دون الانزلاق إلى عبارات مكررة كالغموض والغرابة، لكنه في جوهره ظاهرة بسيطة نسبياً: إذا كان جسمان مرتبطين، فإن سلوكهما يصبح مترابطاً بطريقة ما. فوتونان، مثلاً، يمكن أن يرتبطا معاً بحيث يصبحان مترابطين في خصائص معينة كالطاقة، رغم أننا نعتبرهما بديهياً جسمين منفصلين تماماً. والأغرب من ذلك أن هذا الارتباط لا يمكن ملاحظته إلا من خلال قياسات تدميرية تُجرى على الفوتونين، ولا يحدث فيه أي تأخير زمني؛ فحتى لو انفصل فوتونان متشابكان بمسافة كونية هائلة، فإن قياس أحدهما يؤثر فوراً على نتيجة قياس الآخر.
وفي تجربة وصفها فريق بحثي بأنها "إنجاز تقني استثنائي"، تمكن الباحثون من تشابك حقل ضوئي بالكامل مع جسم كبير نسبياً، وهو خرزة من الزجاج مرئية بالعين المجردة، وهو أمر غير مألوف إطلاقاً في عالم الفيزياء الكمومية. فالقاعدة المتعارف عليها بين النظريات الفيزيائية المختلفة تقول إن كل ما يكبر حجمه يتفاعل أكثر مع محيطه، وهذا التفاعل بدوره يُفقد الجسم ترابطاته الكمومية بسرعة فائقة قبل أن تُقاس أصلاً. ومن هنا تنبع أهمية هذه التجربة: فحجم الخرزة الزجاجية كان من المتوقع أن يمحو أي تشابك كمي قبل أن يتسنى رصده على الإطلاق.
استخدم الباحثون ضوء الليزر لتعليق الخرزة الزجاجية وتبريدها، بالاستعانة بما يُعرف بالملاقط الضوئية، وهي تقنية تستخدم ضغط الضوء لحمل أجسام دقيقة دون تلامس مادي. وتم حبس ضوء الليزر بين مرآتين متقابلتين، في تركيب يُعرف بالتجويف الضوئي، مع وضع الخرزة الزجاجية في مركز هذا التجويف. ويحدد التجويف الضوئي طور وتردد حقول الضوء بدقة عالية، ما يُنتج نمطاً من مواقع ثابتة ذات شدة ضوء مرتفعة ومنخفضة بالتناوب، يُعرف بنمط الموجة الواقفة، مشابهاً لما يحدث على وتر آلة الغيتار.
ولضمان تفاعل مستقر وقابل للقياس بين الخرزة والحقل الضوئي، احتاج الباحثون إلى تبريد حركة الخرزة الاهتزازية بأقصى درجة ممكنة، عبر تقليل تردد الليزر قليلاً نحو اللون الأحمر، بحيث تخسر الخرزة طاقتها تدريجياً لصالح حقل الضوء عبر ظاهرة دوبلر، إلى أن تقترب حركتها من أدنى حد ممكن دون أن تتوقف كلياً أبداً. بعد ذلك، أعطى الباحثون الخرزة "دفعة" محسوبة بدقة عبر زيادة تردد الليزر قليلاً نحو اللون الأزرق، بحيث يبدأ حقل الضوء بإضافة طاقة إلى حركة الخرزة بدلاً من انتزاعها، وهو ما يربط حركة الخرزة بكلا حقلي الضوء، المُبرِّد والمُسخِّن، في علاقة ترابط واحدة، وبذلك يصبح حقلا الضوء، عبر حركة الخرزة نفسها، متشابكين كمياً معها.
ولرصد هذا التشابك، استفاد الفريق من كمية صغيرة من الضوء تتسرب من إحدى المرآتين، متحررة من قيود التجويف الضوئي، لتحمل معها تقلبات طفيفة في الطور والسعة مرتبطة بحركة الخرزة، وبقياس الترابط بين حزمتي الضوء المتسربتين، تمكن الباحثون من ملاحظة التشابك بين الحقول الضوئية والخرزة الزجاجية بشكل غير مباشر. ولم تكن هذه التجربة سهلة التنفيذ على الإطلاق، فالقياسات محمّلة بتشويش كبير وتتطلب نموذجاً دقيقاً جداً للنظام بأكمله للتمييز بين الحالات المتشابكة وغير المتشابكة، لكنها تمثل أول قياس من نوعه على الإطلاق، وهو ما يعني أن دقة هذه القياسات من المتوقع أن تتحسن مع الوقت.
وتحمل هذه التجربة تطبيقات عملية محتملة، أبرزها في مجال الاتصالات الكمومية، حيث يُستخدم الضوء وسيلة أساسية لنقل المعلومات الكمومية، لكن تخزين الضوء نفسه يمثل تحدياً تقنياً كبيراً. وتوفر هذه المنظومة الميكانيكية، التي تربط الضوء بجسم مادي كالخرزة الزجاجية، إمكانية تخزين المعلومات الكمومية محلياً كنوع من الذاكرة الكمومية، كما أن كونها منظومة مصنّعة بالكامل يسمح بتصميمها بالخصائص المطلوبة بدقة، وهو ما يجعلها واعدة لتطبيقات مستقبلية في هذا المجال سريع التطور.
وفي السياق الإقليمي، يُشكّل هذا الإنجاز دافعاً إضافياً للاستثمار في أبحاث الكم التي بدأت تستقطب اهتماماً متصاعداً من الحكومات العربية؛ إذ ضمّنت الإمارات الحوسبة الكمومية ضمن أولويات استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، وتُجري جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية أبحاثاً في فيزياء الكم والمواد الكمومية. ويتجلى الأثر العملي لهذا الاكتشاف في مجال الذاكرة الكمومية التي ستكون ركيزة أساسية لأي شبكة اتصالات كمومية مستقبلية، وهو مجال تتزايد فيه الحاجة لتطوير كفاءات بحثية عربية متخصصة.
ويرى الباحثون أن أهمية هذه التجربة لا تقتصر على كونها إنجازاً تقنياً معقداً، بل في إثباتها العملي أن الظواهر الكمومية يمكن أن تمتد فعلياً إلى أجسام يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وهو تذكير بأن حدود العالم الكمومي ما زالت موضع استكشاف مستمر، حتى بعد قرن كامل من الدراسة النظرية المكثفة لمبادئه الأساسية.
المزيد من الهندسة الإلكترونية

إعادة توحيش الجزر المرجانية قد تساعدها على مجاراة ارتفاع مستوى البحر
دراسة على 28 جزيرة مرجانية تكشف أن الطيور البحرية والنباتات الأصلية والشعاب السليمة تشكل منظومة متكاملة قادرة على تعزيز نمو الجزر في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر.

فيزيائيون يبتكرون حالة كمية غريبة تُعرف ببحر فيرمي الكسري
فريق من جامعة إنسبروك الأوروبية يحقق حالة كمية استثنائية في ذرات السيزيوم المبردة تحتفظ بنظام خفي رغم إثارتها الشديدة، في اكتشاف يتحدى نظريات سوائل الكم السائدة.

ثقبان أسودان هائلان في مجرة بعيدة قد يندمجان خلال قرن واحد فقط
رصد فلكيون زوجاً من الثقوب السوداء الهائلة في مجرة ماركاريان 501 يدوران حول بعضهما كل 121 يوماً، وقد يندمجان في فترة قصيرة فلكياً لا تتجاوز قرناً.

ست أفكار جريئة يبحثها العلماء لإطالة عمر العقل البشري
من زرع الرأس إلى محاكاة الدماغ رقمياً، تستعرض مراجعة علمية جديدة ست مقاربات تجريبية يسعى بعض الباحثين من خلالها إلى تمديد وجود العقل البشري، مع تحفظات علمية وأخلاقية كبيرة على كل منها.

جائزة أوروبية كبرى لمكتشفي المغناطيسية المتبدلة الصنف الثالث من المغناطيسية
ثلاثة فيزيائيين يفوزون بجائزة أوروبا للفيزياء لاكتشافهم المغناطيسية المتبدلة، صنفاً ثالثاً من المغناطيسية ظل مخفياً أكثر من قرن ويعِد بتطبيقات في الإلكترونيات الدورانية.

إنزيم بكتيري يشبه "باك-مان" يفتح أفقاً جديداً لتحليل اللدائن الحيوية
باحثون ألمان يكتشفون إنزيماً بكتيرياً قادراً على تفكيك لدائن حيوية قابلة للتحلل خلال نحو عام في التربة، في خطوة قد تعيد رسم ملامح صناعة البلاستيك المستدام.