فيزيائيون يبتكرون حالة كمية غريبة تُعرف ببحر فيرمي الكسري

فريق من جامعة إنسبروك الأوروبية يحقق حالة كمية استثنائية في ذرات السيزيوم المبردة تحتفظ بنظام خفي رغم إثارتها الشديدة، في اكتشاف يتحدى نظريات سوائل الكم السائدة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٨ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
تصور فني لذرات السيزيوم فائقة البرودة في حالة بحر فيرمي الكسري

تمكّن فريق من الفيزيائيين بقيادة باحثين من جامعة إنسبروك النمساوية من هندسة حالة كمية استثنائية جديدة أطلقوا عليها اسم "بحر فيرمي الكسري"، وذلك عبر دفع ذرات من السيزيوم شديدة البرودة إلى مستوى عالٍ من الإثارة دون أن تفقد نظامها الداخلي الخفي، في نتيجة تتحدى بعض التوقعات النظرية السائدة في فيزياء الكم أحادية البعد.

اعتمد الفريق البحثي، الذي ضم علماء من جامعة إنسبروك والمركز الفرنسي للبحث العلمي وجامعة باريس-دوفين، على حبس ذرات السيزيوم في نظام أحادي البعد شديد التبريد، ثم عمدوا إلى التبديل المتكرر والسريع بين قوتين متعاكستين: تنافر شديد بين الذرات وتجاذب شديد بينها. وأظهرت هذه العملية أن الذرات، رغم دخولها في حالة إثارة كمية مرتفعة جداً، لم تتحول إلى حالة عشوائية كما هو متوقع عادة، بل حافظت على نمط ترتيب دقيق يمكن ملاحظته من خلال ما يُعرف بتذبذبات فريدل، وهي تموجات دورية في توزع الذرات تكشف عن وجود نظام كمي كامن تحت السطح.

ويقول هانس كريستوف ناغرل، رئيس الفريق في قسم الفيزياء التجريبية بجامعة إنسبروك: "هذه الحالة مثارة بشدة، لكنها ليست عشوائية"، في إشارة إلى المفارقة المحورية التي يسلط الاكتشاف الضوء عليها، فالفيزياء التقليدية تفترض أن ارتفاع الطاقة في نظام كمي يؤدي عموماً إلى فقدان الانتظام الداخلي، بينما تظهر هذه التجربة أن بعض الأنظمة يمكن أن تحافظ على نظامها حتى في أقصى حالات الإثارة.

وتكمن أهمية النتيجة في أنها تخرج عن تنبؤات نموذج سائل توموناغا-لوتينجر، وهو الإطار النظري المرجعي الذي يصف سلوك الجسيمات المتفاعلة في الأنظمة الكمية أحادية البعد منذ عقود. فبدلاً من أن يتبع النظام هذا النموذج القياسي، رصد الباحثون أنماط ترابط مختلفة تشير إلى ما وصفوه بطور حرج استثنائي من مادة الكم، أي حالة انتقالية نادرة تقع على الحد الفاصل بين أنظمة فيزيائية مختلفة.

كما اقترح الفريق تسمية مبدئية للإثارات الجماعية الجديدة التي رصدوها، وهي "الفرميون الفائق"، على أن يكون هذا الاسم أحد أنواع شبه الجسيم، أي إثارة جماعية تتصرف كجسيم مستقل داخل المادة. ومع ذلك، أوضح الباحثون أن هذه التسمية ليست نهائية بعد، وأن النقاش العلمي حول الاسم الأدق للظاهرة لا يزال مفتوحاً بين المتخصصين في هذا المجال.

ويعتمد العمل التجريبي على تقنية غاز بوز أحادي البعد، وهي طريقة تحبس الذرات في بُعد مكاني واحد وتخضع لقوانين إحصائية كمية خاصة، مما يسمح للباحثين بمحاكاة ظواهر فيزيائية نادراً ما يمكن رصدها مباشرة في الطبيعة. وتُعد هذه المحاكاة الكمية من أهم الأدوات التي يستخدمها فيزيائيو المادة المكثفة في دراسة الأنظمة المعقدة، لأنها تتيح التحكم الدقيق في المتغيرات التجريبية بشكل يصعب تحقيقه في التجارب التقليدية.

حتى الآن، نُشرت الورقة النظرية التي تصف الحالة الجديدة في مجلة "فيزيكال ريفيو ليترز"، بمشاركة الباحثة يي زنغ كمؤلفة رئيسية إلى جانب الفيزيائي النظري ألفيزي باستيانيلو من المركز الفرنسي للبحث العلمي وجامعة باريس-دوفين، وزملائهم من جامعة إنسبروك. أما الدراسة التجريبية المصاحبة، التي تحمل عنوان "تحقيق بحار فيرمي الكسرية"، فهي حالياً قيد المراجعة العلمية قبل نشرها بشكل رسمي، وهو ما يعني أن النتائج لا تزال بحاجة إلى تدقيق أوسع من المجتمع العلمي.

وعلى مستوى المنطقة العربية، يعكس هذا الاكتشاف أهمية الاستثمار في أبحاث الكم التي باتت تشكّل ركيزة في استراتيجيات التحول التقني للاقتصادات الخليجية؛ فقد ضمّنت الإمارات الحوسبة الكمومية ضمن أهداف استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، وتُموّل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) أبحاثاً في فيزياء المادة المكثّفة وأنظمة الكم. كما تُفتح الظاهرة الجديدة آفاقاً تطبيقية في الحوسبة الكمومية وتصميم المواد الجديدة يمكن للباحثين العرب المتخصصين في الفيزياء النظرية والتطبيقية الإسهام في استكشافها ضمن الجامعات والمراكز البحثية الإقليمية.

ويرى مراقبون في مجال فيزياء الكم أن هذا النوع من الاكتشافات يعزز مكانة الذرات شديدة البرودة كأداة رئيسية لاستكشاف حدود النظرية الكمية، إذ يسمح للعلماء بخلق ظروف متطرفة يصعب الوصول إليها بوسائل أخرى، ومراقبة سلوك المادة عندها بدقة عالية. وإذا تأكدت النتائج التجريبية في الدراسة المرتقبة، فقد تفتح الباب أمام فهم أعمق لأنواع جديدة من مواد الكم التي تتحدى التصنيفات النظرية التقليدية، بما قد يحمل تطبيقات مستقبلية في مجالات مثل الحوسبة الكمية ومحاكاة المواد المعقدة.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

باحثون يفحصون شعاباً مرجانية مقاومة للحرارة في جزيرة تاتاكوتو ببولينيزيا الفرنسية

إعادة توحيش الجزر المرجانية قد تساعدها على مجاراة ارتفاع مستوى البحر

دراسة على 28 جزيرة مرجانية تكشف أن الطيور البحرية والنباتات الأصلية والشعاب السليمة تشكل منظومة متكاملة قادرة على تعزيز نمو الجزر في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر.

Ars Technica
تصور فني لجزيئات ضوئية متشابكة كمياً

إنجاز تجريبي نادر: تشابك كمي بين خرزة زجاجية وشعاع من الضوء

باحثون ينجحون في جعل خرزة زجاجية مرئية بالعين المجردة تتشابك كمياً مع حقول ضوئية داخل تجويف ضوئي، في تجربة تفتح الباب لتطوير ذواكر كمومية ميكانيكية.

Ars Technica
رسم فني لمركز مجرة ماركاريان 501 يظهر زوجاً من الثقوب السوداء الهائلة

ثقبان أسودان هائلان في مجرة بعيدة قد يندمجان خلال قرن واحد فقط

رصد فلكيون زوجاً من الثقوب السوداء الهائلة في مجرة ماركاريان 501 يدوران حول بعضهما كل 121 يوماً، وقد يندمجان في فترة قصيرة فلكياً لا تتجاوز قرناً.

ScienceDaily
تصور فني لخلايا عصبية ودماغ بشري يرمز إلى أبحاث إطالة عمر العقل

ست أفكار جريئة يبحثها العلماء لإطالة عمر العقل البشري

من زرع الرأس إلى محاكاة الدماغ رقمياً، تستعرض مراجعة علمية جديدة ست مقاربات تجريبية يسعى بعض الباحثين من خلالها إلى تمديد وجود العقل البشري، مع تحفظات علمية وأخلاقية كبيرة على كل منها.

MIT Technology Review
رسم تخطيطي لبلورة ذات خصائص مغناطيسية متبدلة

جائزة أوروبية كبرى لمكتشفي المغناطيسية المتبدلة الصنف الثالث من المغناطيسية

ثلاثة فيزيائيين يفوزون بجائزة أوروبا للفيزياء لاكتشافهم المغناطيسية المتبدلة، صنفاً ثالثاً من المغناطيسية ظل مخفياً أكثر من قرن ويعِد بتطبيقات في الإلكترونيات الدورانية.

ScienceDaily
صورة مجهرية لبكتيريا قادرة على تحليل اللدائن الحيوية

إنزيم بكتيري يشبه "باك-مان" يفتح أفقاً جديداً لتحليل اللدائن الحيوية

باحثون ألمان يكتشفون إنزيماً بكتيرياً قادراً على تفكيك لدائن حيوية قابلة للتحلل خلال نحو عام في التربة، في خطوة قد تعيد رسم ملامح صناعة البلاستيك المستدام.

ScienceDaily