خلايا AlloESO-T: علاج مبتكر للأورام الصلبة من دم الحبل السري بتكلفة زهيدة
طوّر علماء جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس خلايا مناعية مهندسة من دم الحبل السري تُقاوم الأورام الصلبة، بتكلفة تقديرية خمسة آلاف دولار للجرعة بدلاً من مئات الآلاف.

أعلن علماء جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) عن تطوير نوع جديد من الخلايا المناعية المهندسة يُعرف بـ"خلايا AlloESO-T"، مشتقة من الخلايا الجذعية لدم الحبل السري، وقد أثبتت قدرةً استثنائية على التصدي للأورام الصلبة في نماذج حيوانية دون إحداث آثار جانبية خطيرة. نُشرت النتائج في مجلة Cell Reports Medicine، في خطوة قد ترسم مستقبلاً مختلفاً لعلاج أنواع من السرطان ظلت عصيّةً على كثير من الأساليب الحالية.
يندرج هذا الابتكار ضمن ما يُعرف بعلاج مستقبل الخلية التائية (T cell receptor)، وهو أسلوب يُعدِّل الخلايا المناعية وراثياً لتتعرف على شُظايا بروتينية تنشأ داخل الخلايا السرطانية لا على سطحها. ويتمايز هذا النهج عن علاج الخلايا التائية بمستقبل المستضد الخيمري (CAR T-cell therapy)، الذي يستهدف البروتينات الظاهرة على سطح الخلية السرطانية مباشرةً، مما يجعله أقل فاعليةً في مواجهة الأورام الصلبة التي كثيراً ما تُخفي مستضداتها السطحية أو تفقدها في ظاهرة تُعرف بـ"الهروب من المستضد".
وما يميز تجربة UCLA تحديداً هو التدخل في مرحلة أبكر من مراحل تطور المناعة؛ إذ عمل الباحثون على هندسة خلايا جذعية مأخوذة من دم الحبل السري قبل أن تُكمل مسارها نحو الخلايا التائية الناضجة. وقد زرع الفريق في هذه الخلايا جيناً يُرمِّز لمستقبل يستهدف بروتين NY-ESO-1، وهو بروتين يُوجد في طيف واسع من الأورام الصلبة كسرطان المبيض والميلانوما.
لا تعمل خلايا AlloESO-T على جبهة واحدة؛ فإلى جانب استهدافها بروتين NY-ESO-1، تحمل هذه الخلايا مستقبلات الخلايا القاتلة الطبيعية التي تُفعَّل عند التعرف على إشارات التوتر التي تُطلقها الخلايا السرطانية. يُشكّل هذا التركيب آليةً دفاعيةً مزدوجة: حتى إن نجح الورم في التملص من الاستهداف الأول بفقدان البروتين المستهدف، تبقى الخلايا قادرة على اكتشاف الخلايا الخبيثة وتدميرها عبر المسار الثاني.
خضعت هذه الخلايا للاختبار في نماذج الفئران المصابة بسرطان المبيض والميلانوما، وكانت النتائج لافتة: أسفرت جرعةٌ واحدة عن سيطرة دائمة على نمو الأورام وإطالة ملحوظة لفترة بقاء الحيوانات. وقد تضاعفت الخلايا المُهندسة بنسبة مئة ضعف تقريباً داخل أجسام الفئران وتوغلت في الأنسجة الورمية. في المقابل، أثبتت الخلايا التائية المانحة التقليدية محدوديةً واضحة: وفّرت سيطرةً مؤقتة فحسب وأسفرت عن سمية ملحوظة في الحيوانات الخاضعة للتجربة.
ولعل الجانب الأكثر إثارةً في هذا البحث هو ما يتعلق بإمكانات التصنيع والتكلفة. فمن عدد صغير من الخلايا الجذعية لدم الحبل السري، يستطيع الباحثون توليد ما يصل إلى ترليونات من الخلايا العلاجية في غضون نحو ست أسابيع، وهو ما يكفي لإنتاج آلاف الجرعات.
والأهم من ذلك أن التكلفة التقديرية للجرعة الواحدة لا تتجاوز خمسة آلاف دولار، في حين تتراوح تكاليف العلاجات الفردية الحالية كعلاج الخلايا التائية بمستقبل المستضد الخيمري بين مئات الآلاف من الدولارات. هذا الفارق الهائل ينفتح على إمكانية إتاحة العلاج المناعي (immunotherapy) الفعّال لشريحة واسعة من المرضى حول العالم، لا سيما في البلدان ذات الموارد المحدودة. ويتميز العلاج أيضاً بطابعه الخارجي المصدر، أي أن خلاياه مُشتقة من متبرعين لا من المرضى أنفسهم، مما يُبسّط الإنتاج ويتيح تصنيع جرعات جاهزة للاستخدام الفوري.
يُكتسب هذا الاكتشاف زخماً خاصاً في منطقة يرتفع فيها عبء أمراض السرطان؛ إذ تُصنّف منظمة الصحة العالمية سرطان الثدي والقولون والرئة في مقدمة الأورام الأعلى انتشاراً في دول كمصر والأردن والمغرب والسعودية. ويُشكّل الفارق الهائل في التكلفة بين الجرعة الواحدة من خلايا AlloESO-T وعلاجات الخلايا التائية الحالية أملاً حقيقياً لأنظمة صحية تُعاني من ضغوط تمويلية، إذ لا يُغطّي التأمين الصحي في كثير من دول المنطقة علاجات الخلايا المناعية الباهظة الثمن مما يحرم مرضى الأورام الصلبة العرب من الوصول إليها.
يُمثّل هذا البحث إضافةً حقيقية إلى حقل العلاج المناعي للورم الصلب (solid tumor)، الذي ظل تحدياً عصياً أمام كثير من الأساليب الحديثة. غير أن الوصول من النتيجة الحيوانية إلى العلاج السريري يستلزم سنوات من التجارب والمراحل التنظيمية. ولم تخضع خلايا AlloESO-T حتى الآن لأي تجربة سريرية على البشر، ولم تحصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). وإن تأكدت نتائجها في التجارب البشرية يوماً ما، فقد تُسهم في تغيير حياة ملايين المرضى المصابين بأورام صلبة مستعصية.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

صراصير إلكتروبيولوجية تتجاوز الأنقاض لإنقاذ ضحايا الكوارث
فريق بحثي أسترالي يطوّر كائنات إلكتروبيولوجية مزوّدة بكاميرات وآليات حقن تلقائي للبحث عن ضحايا الكوارث وتقديم الإسعافات الأولية لهم

علماء يعكسون الشيخوخة البيولوجية في أربعة أسابيع بتغيير النظام الغذائي
دراسة أسترالية تكشف أن تعديل النظام الغذائي لدى من هم بين 65 و75 عاماً يُخفّض العمر البيولوجي في أربعة أسابيع، بتقليص الدهون أو البروتين الحيواني
.jpg)
خوذة إلكترونية تُعالج الاكتئاب كهربائياً دون الحاجة إلى دواء
أجازت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية جهاز فلو نيوروساينس السويدي الذي يُحفّز الفص الجبهي الأيسر كهربائياً لعلاج الاكتئاب، بديلاً عن مضادات الاكتئاب وبتكلفة أدنى بكثير من التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة.
الطاعون كان يحصد العائلات بأكملها قبل 5500 عام في سيبيريا
دراسة في مجلة Nature تُثبت أن بكتيريا يرسينيا بستيس أبادت عائلات من صيادي ما قبل التاريخ منذ 5500 عام، وأن سلالاتها القديمة كانت تحمل مستضداً فائقاً يُفسّر فتكها الشديد.
الشيخوخة البيولوجية المتسارعة تُفسّر ارتفاع معدلات السرطان لدى الشباب
دراسة نُشرت في Nature Medicine تكشف أن الأجيال الحديثة تُعاني شيخوخة بيولوجية أسرع من الأجيال السابقة عند العمر نفسه، وهو ما يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الإصابة المبكرة.
التروية الآلية تُعيد الكبد المتبرَّع به إلى الشباب البيولوجي
رصد باحثون في Mass General Brigham أن التروية الآلية للأعضاء المزروعة تُقلّل من عمرها البيولوجي بنحو 30%، مما يُحدث ثورة في قواعد قبول الأعضاء للزراعة.