صراصير إلكتروبيولوجية تتجاوز الأنقاض لإنقاذ ضحايا الكوارث
فريق بحثي أسترالي يطوّر كائنات إلكتروبيولوجية مزوّدة بكاميرات وآليات حقن تلقائي للبحث عن ضحايا الكوارث وتقديم الإسعافات الأولية لهم

كشف باحثون من جامعة كوينزلاند ومن جامعة نيو ساوث ويلز الأستراليتين، في أيلول من عام ألفين وستة وعشرين، عن نموذج مبتكر في مجال الروبوتيات الحيوية يقوم على تحويل الصراصير إلى كائنات إلكتروبيولوجية قادرة على اقتحام مواقع الكوارث والبحث عن الضحايا وتزويدهم بالأدوية اللازمة، في خطوة قد تُعيد رسم ملامح عمليات الإنقاذ الميداني في المستقبل.
أطلق الباحثون على ابتكارهم اسم «باراَبورج» (Paraborg)، مزجاً بين كلمة «طُفيلي» و«كائن إلكتروبيولوجي»، للإشارة إلى الأسلوب الذي يُوظَّف فيه الكائن الحي أداةً تقنية. واختار الفريق الصرصور الحافر العملاق المنتشر في شمال ولاية كوينزلاند الأسترالية، وهو من أضخم أنواع الصراصير في العالم؛ إذ يبلغ طوله حتى سبعة وثمانين ملليمتراً ووزنه أربعين غراماً، فضلاً عن قدرته الاستثنائية على حمل ما يعادل مرةً ونصف من وزن جسمه، وهو ما يجعله مرشحاً مثالياً لحمل الكاميرات والحقن الطبية في آنٍ واحد.
طوّر الفريق نمطين من هذه الكائنات الإلكتروبيولوجية: يُزوَّد الأول بكاميرا دقيقة تُمكّنه من تصوير الضحايا وتحديد مواقعهم وسط الأنقاض والحطام، فيما يحمل الثاني آلية حقن تلقائي تتيح إيصال الدواء إلى المصابين في أسرع وقت ممكن. وهذا التكامل بين الوظيفتين يجعل المنظومة تعمل على غرار فريق منسّق من المتخصصين، كلٌّ منهم يؤدي دوراً محدداً لا يتداخل مع دور الآخر.
يتحكم الباحثون في توجيه الصرصور عبر أقطاب كهربائية مزروعة في قرون استشعاره وفي أعضاء الاستشعار الخلفية المعروفة بالسيرسي. وباستخدام تردّدات كهربائية تتراوح بين عشرة وأربعين هرتزاً، يتمكن العلماء من ضبط اتجاه الحشرة وسرعتها عن بُعد دون إلحاق ضرر دائم بها. وتكشف هذه التقنية عن عمق التقدم الذي بلغته الروبوتيات الحيوية، إذ تستثمر السلوك الطبيعي للكائن الحي بدلاً من مقاومته أو تجاهله.
أما آلية الحقن فتعتمد على حقنة ذات نابض ميكانيكي تنطلق بفعل تفاعل كيميائي بين حمض الستريك وبيكربونات الصوديوم، وهو خليط مألوف مستخرج من مكوّنات منزلية بسيطة. حين يتفاعل المزيج يُنتج ثاني أكسيد الكربون الذي يولّد ضغطاً كافياً لدفع مكبس الحقنة وإيصال الدواء إلى هدفه. وهذا الحل البسيط غير المعقد هو ما يجعل التصميم عملياً وقابلاً للتطوير في ظروف ميدانية صعبة.
في التجربة الموثّقة والمنشورة في مجلة «Advanced Science» المُحكَّمة، انطلق الصرصور من نقطة بداية محددة، واجتاز ثلاث نقاط تفتيش متتالية، ثم نفّذ حقنة لهدف محاكَى. بلغت نسبة نجاح الحقن عند مسافة لا تتجاوز مئة وخمسين ملليمتراً قرابة خمسة وتسعين بالمئة، في حين بلغ معدل النجاح الإجمالي للمهمة اثنين وسبعين بالمئة. وعلى الرغم من وجود مجال للتحسين، تمثّل هذه الأرقام دليلاً قاطعاً على جدوى المفهوم في بيئة خاضعة للرقابة.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذا البحث هو عمل الكائنين الإلكتروبيولوجيين معاً في مهمة متكاملة: صرصور مزوّد بالكاميرا يحدد موقع الضحية، فيما يتولى آخر مزوّد بآلية الحقن تنفيذ التدخل العلاجي. وقد أوضح تان فو دوان، أحد أبرز الباحثين في المشروع، الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه قائلاً: «بدلاً من بناء روبوت واحد يقوم بكل شيء، يمكننا توظيف نقاط القوة الطبيعية لدى حشرات مختلفة وتجهيزها لمهام متباينة». هذه الرؤية تُعيد صياغة مفهوم التعاون في المنظومات الإنقاذية بصورة لم تكن متصوَّرة من قبل.
من الناحية التقنية، يتفوق الصرصور الحي على كثير من الروبوتات الآلية في قدرته على التكيف مع البيئات الوعرة وغير المتوقعة؛ فهو يستطيع الولوج إلى شقوق ضيقة وأنقاض تعجز عنها الآلات التقليدية، كما أن تكلفة تجهيزه أدنى بكثير من تصنيع روبوت متطور. ومع ذلك، تواجه هذه التقنية تحديات جوهرية لا يمكن تجاهلها، من بينها ضمان الموثوقية في بيئات الكوارث الفعلية، والاعتبارات الأخلاقية المتعلقة باستخدام كائنات حية في العمليات الخطرة.
يتوقع الباحثون إمكانية نشر هذه التقنية في مواقع الكوارث الحقيقية خلال خمس إلى عشر سنوات، شريطة مواصلة الأبحاث وتطوير المنظومة. وتشمل الخطوات القادمة تحسين دقة التوجيه، وزيادة سعة حمولة الدواء، والارتقاء بأنظمة الاتصالات، إلى جانب توسيع نطاق أنواع الحشرات المستخدمة وفق طبيعة كل مهمة ومتطلباتها الخاصة.
يكتسب هذا الابتكار صلةً مباشرة بالواقع العربي الذي يعاني من كوارث طبيعية متكررة؛ فالزلازل التي ضربت سوريا عام 2023 كشفت عن الحاجة الماسة لأدوات إنقاذ قادرة على اقتحام الأنقاض الضيقة. وتسعى فرق الدفاع المدني في المملكة العربية السعودية والإمارات والأردن إلى تطوير قدراتها الإنقاذية، مما يجعل الكائنات الإلكتروبيولوجية الاستكشافية من التقنيات التي ستنظر إليها هذه الفرق باهتمام بالغ عند نضجها التقني في السنوات القادمة.
في عالمٍ تتصاعد فيه وتيرة الكوارث الطبيعية وتزداد تعقيداً، قد تكون هذه الصراصير الصغيرة المسلّحة بالتكنولوجيا والمدعومة بالعلم رسولَ أملٍ يتسلل عبر الحطام، ليصل إلى حيث لا تبلغه يد الإنسان.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

نماذج المناخ تتجاهل حلقات تغذية راجعة خطيرة قد تسرّع الاحترار العالمي
يحذّر باحثون من أن نماذج المناخ الرسمية لا تأخذ في الحسبان بالكامل تأثير حلقات التغذية الراجعة الناتجة عن الصقيع الذائب وحرائق الغابات، التي قد تضيف ما يصل إلى 0.4 درجة مئوية من الاحترار الإضافي هذا القرن.

فيزيائيون يصنعون كوناً مصغّراً في المختبر ويرصدون نشوء الزمن من دون ساعة
بنى فيزيائي بريطاني نظاماً من آلاف الذرات شديدة البرودة يتمدد وينكمش كنموذج مصغر للكون، وأظهرت التجربة أن الزمن يمكن أن ينشأ من التغيرات الداخلية للنظام نفسه دون الحاجة إلى ساعة خارجية.

باحث هندي يتجاوز قيداً حسابياً صمد في علوم الحاسوب منذ عام 1996
طوّر باحث في معهد آي آي تي غاندي نغار الهندي خوارزمية جديدة توسّع نطاق تقدير أقصر المسارات بين النقاط القريبة في الشبكات الكبيرة، متجاوزاً قيداً نظرياً صمد قرابة ثلاثين عاماً.

نموذج جديد يرجّح أن نهر "ثويتس" الجليدي يضاعف مساهمته في ارتفاع البحار
نموذج حاسوبي أمريكي يظهر أن نهر ثويتس الجليدي في أنتاركتيكا الغربية قد يرفع مستوى البحار بمقدار يفوق التقديرات السابقة بمرتين بحلول عام 2100.

رياضيون: معادلات أينشتاين قد تفسّر تسارع الكون دون طاقة مظلمة
فريق من جامعة كاليفورنيا ديفيس يقترح أن عدم استقرار رياضي في النموذج الكوني القياسي قد يفسّر تسارع تمدد الكون دون الحاجة إلى فرضية الطاقة المظلمة.

علماء يكسرون قاعدة تقليدية في الفيزياء بإنتاج أشعة سينية فائقة الطاقة
فريق بحثي في فيينا وكاليفورنيا يُظهر أن تعاون إلكترونين داخل ذرة الهيليوم يمكن أن يتجاوز الحد النظري المعروف لطاقة الأشعة السينية الناتجة عن الليزر.