خلايا شمسية من البيروفسكيت تولّد الكهرباء تحت الماء
طوّر باحثون خلايا شمسية من مادة البيروفسكيت قادرة على توليد الكهرباء في البيئات المائية، بعد تحقيق إنجاز في تعزيز ثبات هذه المادة أمام الرطوبة، مما يفتح آفاقاً لتشغيل أجهزة الاستشعار البحرية وأجهزة إنترنت الأشياء.

كشف باحثون متخصصون في تقنيات الطاقة الشمسية عن تطوير يمثّل نقلة نوعية في عالم الخلايا الكهروضوئية؛ إذ نجحوا في إنتاج خلايا شمسية من مادة البيروفسكيت قادرة على توليد الطاقة الكهربائية حتى وهي مغمورة تحت الماء. وقد تناولت مجلة «آرس تكنيكا» هذا الإنجاز في سبتمبر 2026، مشيرةً إلى أن التحدي الحقيقي لم يكن في اختيار مادة البيروفسكيت في حد ذاتها، بل في جعل هذه المادة صامدة ودائمة في بيئات قاسية كالبيئة المائية.
تُعدّ مواد البيروفسكيت من أكثر المواد إثارةً للاهتمام في عالم الطاقة الشمسية خلال العقد الماضي، وذلك بفضل كفاءتها العالية في تحويل ضوء الشمس إلى كهرباء، فضلاً عن تكاليف تصنيعها المنخفضة نسبياً مقارنةً بالخلايا الشمسية التقليدية المصنوعة من السيليكون. غير أن هذه المادة الواعدة ظلّت طويلاً رهينة عيب جوهري يحدّ من انتشارها: ضعف الثبات والاستدامة عند تعرضها للرطوبة وجزيئات الماء، مما كان يجعلها بعيدة كل البعد عن التطبيقات في البيئات الرطبة أو المائية.
جاء الإنجاز الجديد ليكسر هذا الحاجز الذي طالما اعتُبر عقبة لا يمكن تجاوزها بسهولة. فقد تمكّن الباحثون من تطوير خلية شمسية من البيروفسكيت تتميز بمستوى غير مسبوق من الثبات والمتانة، مما يتيح لها العمل في البيئات المائية دون أن تتدهور كفاءتها أو تتفكك بنيتها الكيميائية. ويؤكد الباحثون أن المفتاح الحقيقي لهذا الإنجاز لم يكن في المادة نفسها، وإنما في الطريقة التي جرى بها تصميم الخلية وتعزيز حمايتها من التأثيرات المدمّرة للرطوبة.
ظلّ تدهور خلايا البيروفسكيت في مواجهة الرطوبة أحد أبرز مصادر الإحباط للعلماء والمهندسين على مدى سنوات طويلة. فعلى الرغم من أن هذه المادة أثبتت كفاءة مذهلة في ظروف المختبرات الجافة والمتحكّم بها، فإن تعرّضها للماء أو بخار الماء كان يُعجّل بتفككها الكيميائي وانهيار أدائها بصورة حادة. وقد شغل حلّ هذه المعضلة عقول فرق بحثية متعددة في شتى أنحاء العالم، إذ كان الجميع يدرك أن كسر حاجز الرطوبة سيفتح أمام هذه التقنية أسواقاً هائلة ومجالات تطبيقية لم تكن في متناولها من قبل.
لم تكن هذه العقبة مجرد تحدٍّ أكاديمي محدود الأثر؛ بل كانت تحدياً عملياً يمسّ مستقبل تقنية بأكملها. فمع التوسع المتسارع في استخدام أجهزة الاستشعار الذكية وإنترنت الأشياء في البيئات المائية والبحرية، أصبحت الحاجة إلى مصادر طاقة متجددة ومستدامة قادرة على العمل تحت الماء أمراً ملحاً بوضوح. وفي ظل غياب حل كافٍ لهذا التحدي، اضطرت كثير من هذه الأجهزة إلى الاعتماد على بطاريات تقليدية قصيرة الأمد تستلزم استبدالاً دورياً مكلفاً وصعباً في بيئات بعيدة وقاسية.
تنبثق عن هذا الاكتشاف إمكانات تطبيقية واسعة وواعدة. فالقدرة على توليد الكهرباء في البيئات المائية تعني إمكانية تشغيل منظومة كاملة من أجهزة الاستشعار المائية والبحرية بصورة مستقلة ومستدامة. وتشمل هذه التطبيقات أجهزة رصد جودة المياه، والمعدات البحرية العلمية، وأجهزة إنترنت الأشياء المنتشرة في البيئات المائية المتنوعة، وكلها أجهزة تواجه تحدياً مشتركاً هو صعوبة الوصول إليها لإعادة الشحن أو استبدال البطاريات بصفة منتظمة. وقد تمتد التطبيقات المستقبلية لتشمل أنظمة مراقبة الشعاب المرجانية وأجهزة قياس التيارات البحرية وغيرها من المنشآت العلمية والصناعية تحت سطح الماء.
يأتي هذا التطور في سياق منافسة علمية وتقنية لا تهدأ لتطوير الجيل القادم من الخلايا الشمسية. فبينما يهيمن السيليكون على سوق الطاقة الشمسية منذ عقود، تسعى تقنيات بديلة عدة إلى اقتحام هذا السوق بكفاءات أعلى وتكاليف أدنى وتطبيقات أكثر مرونة. وفي هذا السياق، تبرز خلايا البيروفسكيت كمرشح جدي لهذه المنافسة، وإن كان طريق انتشارها التجاري الواسع لا يزال يستلزم اجتياز عقبات الثبات على المدى البعيد، وهو ما يجعل هذا الإنجاز الجديد ذا أهمية بالغة في خضم هذا السباق.
في العالم العربي، تحتل تقنيات الطاقة الشمسية مكانة محورية في مساعي التنويع الاقتصادي؛ إذ تستضيف الإمارات محطة نور أبوظبي الكبرى لتوليد الكهرباء الشمسية، كما يشمل مشروع نيوم السعودي منظومة متكاملة من الطاقة المتجددة. وإذا تحوّلت خلايا البيروفسكيت المائية إلى تقنية قابلة للنشر، فستُتيح نشر شبكات استشعار بيئية في خليج العرب والبحر الأحمر لرصد جودة المياه ودعم منشآت التحلية، وهو ما يمسّ أمن الموارد المائية الذي يُعدّ من أبرز التحديات الاستراتيجية في المنطقة.
يرى المتابعون لهذا الملف أن الإعلان عن خلية بيروفسكيت قادرة على العمل تحت سطح الماء يمثّل علامة فارقة في مسيرة تطوير هذه التقنية. فإذا ثبتت قدرة هذه الخلايا على الصمود في بيئات مائية حقيقية لفترات زمنية طويلة وفي ظروف التشغيل الفعلية، فإن ذلك قد يشير إلى بداية مرحلة جديدة في رحلة البيروفسكيت نحو التطبيق العملي الواسع. وكما يلخّص الباحثون جوهر إنجازهم في عبارة بليغة: «الحيلة ليست في استخدام البيروفسكيت، بل في جعله يدوم.»
المزيد من أجهزة

صراصير إلكتروبيولوجية تتجاوز الأنقاض لإنقاذ ضحايا الكوارث
فريق بحثي أسترالي يطوّر كائنات إلكتروبيولوجية مزوّدة بكاميرات وآليات حقن تلقائي للبحث عن ضحايا الكوارث وتقديم الإسعافات الأولية لهم

علماء يعكسون الشيخوخة البيولوجية في أربعة أسابيع بتغيير النظام الغذائي
دراسة أسترالية تكشف أن تعديل النظام الغذائي لدى من هم بين 65 و75 عاماً يُخفّض العمر البيولوجي في أربعة أسابيع، بتقليص الدهون أو البروتين الحيواني

تحديث نموذج الذكاء الاصطناعي لتوقعات الطقس من غوغل يرفع دقة التنبؤات
أعلنت غوغل عن تحديث جوهري لنموذجها للذكاء الاصطناعي الحدّي المخصص للتنبؤ بالطقس، إذ بات يعتمد على كميات أكبر من بيانات الأقمار الصناعية الخام، مما يرفع دقة توقعاته ويقترب بأدائه من النماذج التقليدية بل يتجاوزها في بعض المقاييس.

أغسطس 2026 الأشد حرارة في تاريخ القياسات المناخية وفق بيانات كوبرنيكوس
سجّل أغسطس 2026 رقماً قياسياً غير مسبوق في متوسط درجات الحرارة العالمية وفق بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية، في ظل تضافر تأثيرات تغيّر المناخ وظاهرة النينيو المتنامية.
رياح الثقب الأسود الهائل أقوى بمئة مرة مما ظنّه العلماء
رصد علماء فلك باستخدام مهمة تصوير الأشعة السينية والمطيافية (إكسريزم) رياحاً صادرة عن ثقب أسود هائل تفوق طاقتها التقديرات السابقة بمئة مرة، وتمتد اضطراباتها نحو ثلاثمئة ألف سنة ضوئية خارج المجرة المضيفة.

سبيس إكس تستعد لأول إطلاق مداري لستارشيب في 22 سبتمبر
تستعد شركة سبيس إكس لتنفيذ الرحلة الاختبارية الرابعة عشرة لصاروخها العملاق ستارشيب، في محاولة تاريخية لوضع المرحلة العلوية في مدار حول الأرض لأول مرة، مع نشر ستة وعشرين قمراً من أقمار ستارلينك الجيل الثالث.