دوّامات مغناطيسية مجهرية قد تجعل الحواسيب تعمل أشبه بالدماغ البشري
صوّر باحثون أوروبيون للمرة الأولى انهيار شبكة بلورية من السكيرميونات المغناطيسية في الزمن الحقيقي، في اكتشاف قد يُمهّد لحوسبة مغناطيسية أكثر كفاءة تحاكي عمل الدماغ.

تمكّن فريق بحثي من معهد الفيزياء في جامعة يوهانس غوتنبرغ في مدينة ماينتس الألمانية، بمشاركة باحثين من المركز النرويجي للسبينترونيات الكمية التابع للجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، من تصوير ظاهرة فيزيائية دقيقة للمرة الأولى: انهيار شبكة بلورية ثنائية الأبعاد من بنى مغناطيسية مجهرية تُعرف باسم السكيرميون، في الزمن الحقيقي. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Nanotechnology، وتحمل دلالات مهمة لمستقبل تقنيات تخزين ومعالجة المعلومات.
السكيرميون هو بنية مغناطيسية دوّامية مستقرة طوبولوجياً، تنشأ داخل بعض المواد المغناطيسية حين تلتف اتجاهات الدوران المغناطيسي للذرات المجاورة بصورة منظمة حول نقطة مركزية، لتشكّل ما يشبه إعصاراً مغناطيسياً مجهرياً بالغ الصغر. وتكمن أهمية هذه البنى في ثباتها النسبي وصعوبة إزالتها بتغيير تدريجي في الظروف المحيطة، وهو ما يجعلها مرشحة واعدة لتخزين المعلومات بطريقة مختلفة جذرياً عن الذاكرة الإلكترونية التقليدية القائمة على الترانزستورات.
في الحالة الطبيعية، تتجمع السكيرميونات غالباً في نمط منتظم شبيه بالشبكة البلورية، حيث تترتب هذه الدوّامات المغناطيسية بتناظر دقيق يشبه ترتيب الذرات داخل البلورات الصلبة. لكن الباحثين، باستخدام تقنيات تصوير دقيقة، رصدوا للمرة الأولى كيفية انهيار هذا الانتظام البلوري وتحوّله إلى حالة غير منتظمة، في عملية وصفها الباحثون بأنها ديناميكية العيوب الطوبولوجية، في إشارة إلى الاضطرابات البنيوية التي تنشأ وتتحرك خلال عملية الانهيار. والعيب الطوبولوجي هو خلل في الانتظام البنيوي لمادة ما لا يمكن إزالته بتغيير مستمر وتدريجي في الخواص المحيطة، بل ينشأ غالباً عند انهيار نظام مرتب كالشبكة المغناطيسية التي درسها الفريق.
ولم يكتفِ الباحثون بالرصد السلبي لهذه الظاهرة، بل تمكّنوا أيضاً من التدخل المباشر في سلوك سكيرميونات مفردة خلال عملية الانهيار، فغيّروا حجمها وشكلها بصورة مباشرة أثناء حدوث العملية. وتفتح هذه القدرة على التحكم الدقيق بالسكيرميونات الفردية آفاقاً جديدة لتصميم أجهزة تعتمد على هذه البنى المغناطيسية بدقة أكبر مما كان ممكناً من قبل.
وقال أصلي سودبو، الذي يقود مركز السبينترونيات الكمية في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا والمشارك في الدراسة، إن السكيرميونات دوّامات مغناطيسية صغيرة قادرة على تخزين المعلومات بطريقة جديدة كلياً، مضيفاً أن هذا الاكتشاف قد يُحدث تغييراً جذرياً في الطريقة التي نفكر بها في الحواسيب.
وتكمن أهمية هذا البحث في علاقته بمجال الحوسبة العصبومورفية، وهو نمط من الحوسبة المستوحى من بنية الدماغ البشري، يسعى إلى تصميم دوائر إلكترونية تحاكي طريقة عمل الخلايا العصبية والوصلات العصبية في معالجة المعلومات بكفاءة طاقية عالية وقدرة على التعلم التكيفي، بخلاف الحوسبة التقليدية القائمة على الترانزستورات التي تستهلك طاقة أكبر وتتبع مساراً حسابياً أكثر جموداً. ويرى الباحثون أن السكيرميونات، بفضل قابليتها للتحكم المغناطيسي الدقيق، قد تصبح لبنة أساسية في أجهزة تعالج المعلومات بطريقة تشبه الدماغ أكثر من الحواسيب الحالية، مع استهلاك طاقة أقل بكثير.
وتتجاوز التطبيقات المحتملة لهذا البحث مجال الحوسبة العصبومورفية وحدها، إذ يرى العلماء أن فهم سلوك السكيرميونات بدقة أكبر يمكن أن يخدم أيضاً مجال السبينترونيات بشكل عام، وهو المجال التقني الذي يستثمر خاصية الدوران الذاتي للإلكترون إلى جانب شحنته الكهربائية في تخزين ومعالجة المعلومات، فضلاً عن تطبيقات محتملة في تقنيات التخزين المغناطيسي فائق الكثافة والتقنيات الكمية الناشئة.
وتولي منطقة الخليج اهتماماً متنامياً بتقنيات الحوسبة المتقدمة؛ ففي الإمارات العربية المتحدة، تجري شراكات مع شركات تقنية دولية لبناء مراكز بحثية في فيزياء الكم وتقنيات الحوسبة من الجيل التالي، بينما تضخّ مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) في المملكة العربية السعودية استثمارات في أبحاث المواد والإلكترونيات المتقدمة. وإذا أسهمت تقنيات السكيرميونات في تقليص استهلاك الطاقة في مراكز البيانات مستقبلاً، فإن ذلك يحمل أهمية خاصة للمنطقة التي تُشكّل فيها تكاليف تبريد مراكز الحوسبة عبئاً تشغيلياً ضخماً في ظل الحرارة الشديدة التي تتسم بها المنطقة.
مع ذلك، يُحذّر الباحثون من استباق النتائج، فالتحكم الدقيق بالسكيرميونات ورصد انهيار شبكاتها، على أهميته العلمية، لا يزال بعيداً عن التطبيق التجاري المباشر. ويشير الفريق إلى أن تطوير أجهزة عملية قائمة على هذه الظاهرة يتطلب سنوات من البحث الإضافي لفهم كيفية التحكم الموثوق بالسكيرميونات على نطاق واسع، قبل أن تجد طريقها إلى الحواسيب والأجهزة الإلكترونية التي يستخدمها الناس يومياً.
المزيد من الهندسة الإلكترونية

دراسة: ذوبان الجليد البحري الشتوي في القطب الشمالي قد يفوق التوقعات بكثير
تكشف دراسة في كامبردج، بالاستناد إلى رسوبيات بحرية عمرها ستة آلاف عام، أن فقدان الجليد البحري الشتوي قد يتجاوز تقديرات النماذج المناخية الحالية بمليون كيلومتر مربع.

درع حراري ثلاثي الأبعاد يخفي الأجسام عن كاميرات الأشعة تحت الحمراء
طوّر باحثون أمريكيون ودنماركيون أول درع حراري ثلاثي الأبعاد يعيد توجيه الحرارة حول الأجسام ليخفيها عن كاميرات التصوير الحراري من كل الاتجاهات.

علماء يتجاوزون عقبة خفية تعرقل بناء حواسيب كمية أقوى
فريق من معهد RIKEN اليابانيّ طوّر تقنية معايرة تتيح تشغيل عدة بِتات كمية سيليكونية في آنٍ واحد بدقة تقارب 99.9%، في خطوة مهمة نحو حواسيب كمية متسامحة مع الأخطاء.

دراسة جديدة: السبينوصور قضى معظم حياته في الماء لا على البر
باحثون من جامعة ييل يستخدمون تعلم الآلة لتحليل نسب أطراف أكثر من 11 ألف عيّنة، ويؤكدون أن السبينوصور كان مائي المعيشة بدرجة كبيرة خلال العصر الطباشيري.

علماء الفلك يكتشفون ما قد يكون أول قمر خارج المجموعة الشمسية
رصد فريق دولي بتلسكوب "في إل تي" جرماً بكتلة كوكب المشتري يدور حول قزم بني، في أول دليل محتمل على وجود قمر خارجي يتحدى تعريفات الكواكب والأقمار المعروفة.

اكتشاف ثلاثة ثقوب سوداء هائلة في مجرة من فجر الكون
رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك ثلاثة ثقوب سوداء هائلة نشطة تتغذى في آنٍ واحد داخل مجرة واحدة تبعد نحو 12.5 مليار سنة ضوئية، في أول اكتشاف موثق من نوعه في الكون المبكر باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي.