الرياضيات تُثبت: الانتخابات العادلة تماماً مستحيلة رياضياً مهما كان النظام
أثبت رياضيون من كامبريدج وكوبنهاغن مبرهنة استحالة مفادها أن لا نظام انتخابي يجمع التمثيل المحلي والتناسبية الوطنية وثبات حجم البرلمان في آنٍ واحد.

في نتيجة قد تُعيد تأطير نقاشات الإصلاح الانتخابي في مختلف أنحاء العالم، أثبت رياضيون من جامعتَي كامبريدج وكوبنهاغن أن لا نظام انتخابي قائم أو محتمل قادر على تحقيق معاييره الثلاثة للعدالة في آنٍ واحد. وهي نتيجة تنتمي إلى سلالة مبرهنات «الاستحالة» الشهيرة في الرياضيات التي تُقيّد حدود ما هو ممكن منطقياً، كمبرهنة Arrow في نظرية الاختيار الاجتماعي.
يدور الإثبات حول ثلاثة معايير للعدالة الانتخابية: أولها التمثيل المحلي أي الحفاظ على فوز الممثلين في دوائرهم الجغرافية. وثانيها التناسبية الوطنية بمعنى أن توزيع المقاعد يعكس حصص الأصوات الفعلية لكل حزب. وثالثها ثبات حجم البرلمان المُحدَّد مسبقاً بعدد مقاعد ثابت.
تُثبت المبرهنة أنه مع تصاعد التشتت السياسي وكثرة الأحزاب المتنافسة، تصطدم هذه المعايير الثلاثة بتناقض رياضي جوهري لا مفرّ منه: لا بد أن يُفدى واحد منها على الأقل لتحقيق الآخرين.
استقت الدراسة أمثلتها من أنظمة انتخابية حقيقية وواقعية. ففي انتخابات الدنمارك عام 2022، فشل النظام في تحقيق التناسبية للمرة الأولى منذ 75 عاماً. وفي ألمانيا، توسّع البوندستاغ إلى 736 مقعداً بدلاً من 598 محافظةً على التناسبية. أما في المملكة المتحدة خلال انتخابات 2024، فقد نالت حزب العمال 63% من المقاعد مقابل 33.7% فقط من الأصوات، كشاهد صارخ على هشاشة نظام الأغلبية البسيطة.
لا يقتصر الباحثون على توصيف المشكلة، بل يقترحون خوارزمية بديلة أسمَوها «التناسبية المضمونة جغرافياً ومرتّبةً حسب المرتبة»، تضمن التناسبية الوطنية لكنها تُلطّف في المقابل ضمانات التمثيل المحلي بدلاً من التضحية بها بالكامل. نُشرت النتائج في دورية Annals of Operations Research.
تتجاور هذه المبرهنة الرياضية مع واقع الأنظمة الانتخابية في العالم العربي حيث تبرز حالات تُعكس فيها التوترات ذاتها بصورة مكثفة. ففي لبنان تتصارع تمثيلية الطوائف الدينية مع التناسبية السياسية ضمن برلمان محدد الحجم، مما أفرز توازنات هشة تتجدد إشكالياتها مع كل دورة انتخابية. وفي تونس اختارت السلطات تعديل قانون الانتخابات مرات عدة بحثاً عن معادلة ترضي الجميع. وتُقدّم المبرهنة الجديدة حجةً رياضيةً صارمة تُفسّر هذا الإخفاق المتكرر: ليست أزمة إدارة بل استحالة رياضية جوهرية.
يتجاوز الأثر الحقيقي لهذه الدراسة حقل الرياضيات البحتة. فهي تُعيد طرح سؤال فلسفي عتيق: ما العدل؟ وكيف نُرتّب أولويات القيم المتنافسة في تصميم المؤسسات السياسية؟ إذ يمنحنا الإثبات الرياضي وضوحاً نادراً: الكمال الانتخابي وهمٌ رياضي، والسؤال الحقيقي هو أيُّ المفاضلات نُفضّل في ضوء قيم مجتمعاتنا وأولوياتها.
المزيد من علوم

أول مُعجِّل كوني للبروتونات في درب التبانة بطاقة تتجاوز كوادريليون إلكترون فولت
أكّد فريق دولي بقيادة جامعة هيروشيما وجود مصدر كوني في مجرتنا يُصنَّف ضمن بيفاترونات البروتون، مُلقياً الضوء على أصول الأشعة الكونية الغامضة.

قوة خفية في المادة المظلمة تُربك العلماء: النتائج معاكسة للتوقعات تماماً
دراسة جديدة تكشف أن قوة خفية محتملة تجعل المادة المظلمة تتكتّل أكثر لكنها تُضعف تأثيرها الجاذبي وتُبطئ نمو البنى الكونية في آنٍ واحد.

تسارع الاحترار العالمي يهدد بتجاوز عتبة باريس قبل 2030 وفق دراسة جديدة
رصد باحثو معهد بوتسدام تسارعاً في معدلات الاحترار العالمي بلغ 0.35 درجة مئوية للعقد الواحد، بثقة 98% عبر خمس قواعد بيانات مناخية.

دراسة جديدة تكشف الآلية الجزيئية التي تربط السمنة بمرض الزهايمر
باحثو مستشفى هيوستن ميثوديست يحددون أن السمنة ترفع مستويات دهون فوسفورية تُعطّل مناعة الدماغ وتُعزّز تراكم الأميلويد المرتبط بالزهايمر، فاتحةً باباً لعلاجات وقائية جديدة.

الثقوب السوداء تطرد قرابة نصف ما تبتلعه من مادة في نفاثات وعواصف غازية
رصد فلكيون بريطانيون ثقباً أسود يطرد كميات ضخمة من المادة عبر نفاثاته وعواصفه حتى بعد انتهاء نشاطه الأقصى، مُسقِطين نموذج "الحفرة العميقة اللانهاية" وكاشفين عن أثر الثقوب في إعادة تشكيل مجراتها.

علماء يرصدون آثار سلالتين بشريتين مجهولتين مختبئتين في حمضنا النووي
باحثو جامعة كاليفورنيا بيركلي يكشفون بأداة حسابية جديدة عن أثر وراثي لسلالتين بشريتين منقرضتين مجهولتين في الجينوم البشري الحديث، ما يُعيد رسم خريطة تطور الإنسان.