الحمض النووي لإنسان دينيسوفا المنقرض لا يزال يُشكّل مناعة البشر الحديثين
باحثون من جامعة ييل يكشفون أن التزاوج القديم مع إنسان دينيسوفا أورث البشر الحديثين في أوقيانوسيا أكثر من 3100 متغيّر جيني لا يزال يؤثر في مناعتهم ضد الأمراض حتى اليوم.
ماذا لو كان لأجدادك الأبعدين، الذين انقرضوا منذ عشرات الآلاف من السنين، دور مباشر في طريقة دفاع جسمك اليوم عن نفسه ضد الأمراض؟ هذا بالضبط ما كشفته دراسة جديدة نُشرت في مجلة Science في يونيو 2026، حيث تتبّع باحثون من جامعة ييل الأثر الجيني لإنسان دينيسوفا داخل جينومات مجتمعات بشرية حديثة في أوقيانوسيا القريبة.
إنسان دينيسوفا مجموعة بشرية منقرضة عُرف وجودها من خلال حفنة من العظام وسن واحدة اكتُشفت في كهف دينيسوفا بسيبيريا، إلى جانب آثار جينية تركتها في جينوم بعض السكان الحديثين. والدراسة الجديدة هي الأشمل من نوعها لتحليل هذا الإرث الجيني، إذ شملت تسلسل الجينوم الكامل لـ 177 فرداً من 12 مجتمعاً في أوقيانوسيا القريبة، وهي المنطقة الجغرافية التي يُعتقد أن التزاوج مع إنسان دينيسوفا كان أوسع انتشاراً فيها.
رصد الباحثون أكثر من 3,100 متغيّر جيني ورثه هؤلاء من إنسان دينيسوفا وتظل نشطة في التعبير الجيني اليوم. والأهم أن كثيراً من هذه المتغيّرات ترتبط بمسار إنترفيرون غاما المناعي، وهو محور رئيسي في الاستجابة المناعية ضد الفيروسات والبكتيريا. يُشير ذلك إلى أن بعض أسلاف البشر في أوقيانوسيا اكتسبوا مقاومة لأمراض محلية عبر التهجين الجيني بين الأنواع مع إنسان دينيسوفا الذي كان يعيش في المنطقة منذ آلاف السنين.
تقول سيرينا تشي، المؤلفة الأولى للدراسة من قسم الأنثروبولوجيا في ييل: «الحمض النووي من البشر المنقرضين لا يزال يؤثر في بيولوجيتنا اليوم، وهذه الجينات تمثّل أكثر من بقايا تطورية؛ إنها تؤثر بفاعلية في تنظيم الجينات.» ويُضيف باتريك ريلي، المؤلف الأول: «الجينات الموروثة من دينيسوفا عزّزت المناعة ضد الفيروسات والبكتيريا التي واجهها البشر القدامى في أوقيانوسيا.»
كشفت الدراسة أيضاً أن إنسان دينيسوفا لم يكن مجموعة متجانسة واحدة، بل أحبّ الباحثون أن تُشير الأدلة الجينية إلى وجود ثلاث مجموعات متمايزة على الأقل، جرى التزاوج معها في أوقات وأماكن مختلفة. هذا التنوع يُفسّر التباين الذي يُلاحظه العلماء في كمية الحمض النووي الدينيسوفي ونوعيته بين مجتمعات مختلفة.
تتجاوز الدراسة مساهمات دينيسوفا المناعية لتكشف عن أثر آخر: إذ تُشير إلى أن متغيّرات جينية موروثة منهم مرتبطة بجين TRPS1 المتعلق بتطور الهيكل العظمي، مما يعني أن التهجين القديم قد أثّر أيضاً في بنية الجسم وتطوره.
تتقاطع هذه النتائج مع اهتمام متنامٍ بعلم الجينوم في المنطقة العربية؛ إذ تقود مبادرات طموحة كمشروع الجينوم السعودي ومسارات التسلسل الجيني الإماراتية مساعيَ فهم التركيب الجيني للسكان العرب وارتباطه بالأمراض. وتُوفّر المنهجيات التي تكشف كيف يُشكّل الإرث الجيني القديم الاستجابة المناعية الحديثة أدواتٍ بحثية قد تُسهم في فهم الخصائص المناعية الخاصة بالتركيبة السكانية العربية، ودرء أمراض وبائية تاريخية تتواتر في بعض مناطق المشرق العربي.
منذ اكتشاف إنسان دينيسوفا عبر أدلة الحمض النووي في العقد الثاني من الألفية الثالثة، يسعى العلماء إلى فهم طبيعة هذا النوع وحجم أثره في تشكيل ما نحن عليه اليوم. هذه الدراسة تُجيب ببلاغة: أجدادنا القدامى لم يختفوا كلياً، بل تركوا خيوطاً جينية فاعلة في نسيج جهازنا المناعي، تواصل عملها الصامت عبر آلاف الأجيال.
المزيد من صحة

شركة ناشئة تُنعش محطة طاقة حرارية أرضية فاشلة بالحفر الأعمق والنمذجة الذكية
أعادت شركة زانسكار الناشئة إحياء محطة طاقة حرارية أرضية في نيو مكسيكو كانت على حافة الإغلاق، بعد أن كشفت النمذجة الحاسوبية أن بئراً أعمق في الموقع الصحيح تُضاعف طاقتها وتُنعش جدواها الاقتصادية.

مركّب فضي يوقف تسوس أسنان الأطفال بلا حفر ولا إبر في ثوانٍ
توصّلت دراسة سريرية كبرى من جامعة ميشيغان إلى أن فلوريد الديامين الفضي يوقف تسوس الأسنان في أكثر من نصف حالات الأسنان اللبنية المعالجة لدى الأطفال دون حفر أو تخدير أو جراحة.

البحث عن الحياة على قمر يوروبا الجليدي يزداد تعقيداً
كشفت دراسة من جامعة رتغرز أن مياه المحيط الداخلي لقمر يوروبا يُرجَّح ألا تصل إلى السطح بسبب التبلور السريع، مما يُعيد رسم توقعات البحث عن الحياة في هذا القمر المثير.

دراسة تكشف دور الطي الخاطئ للبروتينات في تدمير خلايا الإنسولين وتطور مرض السكري
أثبت باحثون أن تآزر بروتينَي المرافقة BiP وp58IPK ضروري لطي البروإنسولين صحيحاً، وأن غياب أحدهما يُفضي إلى تراكم البروتين الخاطئ وانهيار إنتاج الإنسولين في خلايا بيتا.

مسبار Psyche ينجح في المناورة الجاذبية عند المريخ في طريقه إلى الكويكب المعدني
أجرى مسبار ناسا Psyche مناوراته الجاذبية عند المريخ باختبار جميع أجهزته العلمية بنجاح، في خطوة محورية في رحلته نحو الكويكب المعدني الغامض المقرر الوصول إليه عام 2029.

مرصد سويفت يرصد ثقباً أسود شارداً يبتلع نجماً على بُعد 750 مليون سنة ضوئية
وثّق مرصد ناسا سويفت أول حدث تمزق مدي مؤكد يقع بعيداً عن مركز مجرته بأكثر من 30 ألف سنة ضوئية، مُشيراً إلى أن الثقوب السوداء قد تتجول خارج نوى المجرات.