الدماغ يكسر حمضه النووي أثناء نموه: اكتشاف يُعيد رسم خريطة التطور العصبي
دراسة نُشرت في Nature تكشف أن الخلايا العصبية الجنينية تكسر حمضها النووي بشكل اعتيادي أثناء هجرتها في الدماغ النامي، ثم تُصلحه خلال أربع وعشرين ساعة في عملية تبيّن أنها أساسية لنمو الدماغ السليم.

يمتلك الدماغ البشري ما يربو على مئة مليار خلية عصبية، كل منها شقّت طريقها خلال مرحلة الجنين عبر بيئة مزدحمة ضيقة للوصول إلى موضعها النهائي. ما لم يعرفه العلم حتى وقت قريب هو أن هذه الرحلة تنطوي على عملية مثيرة للجدل: تكسير الخلايا العصبية لحمضها النووي بنفسها.
نشر فريق بحثي من جامعة كيوتو اليابانية بالتعاون مع عدة مؤسسات من بينها جامعة طوكيو والجامعة الوطنية في سنغافورة دراسةً في دورية Nature العلمية في يونيو 2026، تكشف أن كسور الحمض النووي ذات الشريطين، وهي أشد أنواع تلف DNA خطورةً حيث ينقطع كلا خيطَي الحلزون المزدوج، تحدث بانتظام في الخلايا العصبية النامية وهي تشق طريقها عبر الأنسجة الضيقة في الدماغ.
الأكثر إثارةً للدهشة أن هذا الضرر ليس خللاً استثنائياً، بل مسار طبيعي ومتكرر تطوّر الدماغ للاعتماد عليه. تتكسّر هذه الخيوط الجينية بسبب بروتين Topoisomerase IIβ، الذي يعلق ميكانيكياً في منتصف عمله حين يحاول معالجة الضغوط الملتوية على الجينوم خلال ضغط الخلية في الممرات الضيقة.
لكن الدماغ لا يترك هذه الكسور دون إصلاح؛ إذ يُصلّح الخلايا العصبية السليمة معظمها في غضون أربع وعشرين ساعة عبر مسار يُعرف بالربط النهائي غير المتماثل. والجدير بالذكر أن الكسور تتركّز في مناطق من الجينوم غير ناشطة وغير حيوية، مما يُشير إلى توزيع مدروس للضرر بعيداً عن المواقع الجينية الحساسة.
لإثبات ضرورة هذا الإصلاح، أجرى الفريق تجارب على فئران مهندسة وراثياً تفتقر إلى إنزيم Ligase 4، وهو المسؤول الرئيسي عن ربط نهايات الحمض النووي المنقطع وإصلاح هذه الكسور. مع تقدّم هذه الفئران في العمر، طوّرت اضطرابات تدريجية في التوازن والتنسيق الحركي، مما يُوحي بأن إصلاح الكسور الجينية خلال مرحلة النمو ضروري لسلامة الوظائف العصبية على المدى البعيد.
تفتح هذه النتيجة آفاقاً جديدة في فهم الأمراض العصبية التطورية والتنكسية على حدٍّ سواء. فإذا كانت هجرة الخلايا العصبية تكتب تاريخاً جينياً فريداً في كل خلية من خلال هذه الكسور والإصلاحات، فقد يساعد ذلك في تفسير لماذا لا يتطابق أي دماغين تماماً حتى في حالة التوائم المتطابقة، ولماذا تُصاب بعض الخلايا العصبية بأمراض تنكسية فيما تظل أخرى سليمة.
في المنطقة العربية، تستدعي هذه النتائج اهتمام المراكز الطبية المتخصصة التي تعمل على استيعاب ارتفاع معدلات بعض الاضطرابات العصبية التطورية. وتُشير دراسات بالتعاون بين مستشفى الملك فيصل التخصصي والبرنامج الوطني لجينوم المملكة إلى حالات غير مفسَّرة من اضطراب طيف التوحد في مجتمعات خليجية، قد يُفيد في فهمها استيعابُ كيفية تأثير آليات إصلاح الحمض النووي خلال النمو الجنيني. كذلك تُموّل مبادرة ابن سينا الطبي في الإمارات ومراكز الأبحاث في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) أعمالاً في علم الأعصاب الجزيئي، تجعل هذا النوع من الاكتشافات الأساسية ذا صدى مباشر لدى الباحثين والأطباء في المنطقة.
تقول قائدة البحث مينيكو كينغاكو: «يبدو أن الدماغ النامي قد تطوّر لتحمّل هذا الضرر وإصلاحه بكفاءة»، مضيفةً أن فهم «ما يحدث حين يكون الإصلاح منقوصاً» سيكون محور الدراسات المستقبلية. وتُلمح هذه الجملة إلى أن الإخفاقات الجزئية في إصلاح الكسور قد تُمثّل أحد الروابط المفقودة في تفسير طيف من الاضطرابات، من التوحد وصعوبات التعلم إلى أمراض الشيخوخة العصبية.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

التجوية الصخرية في مناطق الصقيع الذائب تُعوّض 35% من انبعاثات الأنهار الكربونية
دراسة في Nature تُظهر أن ذوبان الصقيع الدائم يُنشّط تجوية صخرية تمتص ثاني أكسيد الكربون وتُعادل في المتوسط 35% من انبعاثات غازات الدفيئة في الأنهار، وتتجاوز 100% في مناطق معينة.

اكتشاف طفرة جينية نادرة في عائلات طويلة العمر قد تكشف أسرار الشيخوخة الصحية
حدّد باحثون أوروبيون طفرة في جين cGAS ضمن عائلات طويلة العمر، تُقلّل الالتهاب دون أن تُضعف المناعة، مما يفتح آفاقاً علاجية جديدة للشيخوخة الصحية.

بطارية صوديوم صينية تُضاهي أداء تيسلا وتفتح آفاقاً لخفض تكاليف السيارات الكهربائية
كشفت دراسة ألمانية أن بطارية أيون الصوديوم التجارية من إنتاج شركة هينا الصينية تُضاهي أداء بطاريات تيسلا، مما قد يُعجّل التحول نحو تقنية أرخص وأوفر مصادرَ من الليثيوم.